اولاد ‘ارنا’ لجوليانو خميس: سيرة يهودية انتفضت على الصهيونية

حجم الخط
0

عرضه في بيروت تم في تكريم للمخرج الشهيد:

بيروت ـ ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: في الذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين، وفيما كانت مخيمات لبنان تشيع شهداءها الذين سقطوا برصاص قوات الاحتلال في الجنوب، قرر مسرح دوار الشمس تكريم الفنان جوليانو خميس الذي سقط في مخيم جنين برصاص مجرم. التكريم تمثل في عرض فيلمه الذي أنجزه بدوره تكريماً لوالدته تحت عنوان ‘أولاد أرنا’. فيلم من نوع الدوكيودراما امتد لحوالى الساعة ونصف الساعة وحمل سيرة امرأة يهودية انتفضت سريعاً على الحالة الصهيونية التي ساهمت في تكريسها في فلسطين سنة 1948. تقول سيرتها بأن ‘أرنا’ ولدت في الجليل في قرية الجاعوني، انضمت للحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي شكل بداية الوعي في ضميرها، وفيه تعرفت إلى زوجها العربي صليبا خميس الذي أنجبت منه ابنها جوليانو خميس.

الفيلم الذي أخرجه جوليانو خميس ودانيئيل دانيئيل يطلعنا بداية على ‘أرنا’ التي غادرت المستشفى، حيث تعالج من مرض السرطان، ويظهرها تشارك في تظاهرة ضد الإجراءات التي يمارسها الاحتلال على سكان مخيم جنين. تغطي ‘أرنا’ رأسها بالكوفية فشعرها قد تساقط نتيجة العلاج الكيماوي. الفيلم يظهرها قبل مرض السرطان وبعده، لكنها في الحالتين امرأة تتمتع بروح معنوية عالية وبسطوة وقدرة إقناع على المحيطين بها. في بداية الانتفاضة الاولى قررت العمل مع أطفال المخيمات بهدف إدخال الفرحة إلى قلوبهم. تسير بين الأطفال وتخترق صفوف الكبار والصغار بحيوية لافتة. تؤكد للمحيطين بها بلهجتها العربية ‘المكسرة’ بأن ‘الانتفاضة هي علم وحرية ولا حرية بدون علم ولا حرية بدون سلام’. بنَت ‘أرنا’ مسرحاً في مخيم جنين عندما نالت جائزة للسلام موازية لجائزة نوبل قدرها 50 ألف دولار. ومع بناء المسرح ينضم جوليانو لوالدته كونه ممثلاً. كان لا يزال في مطلع شبابه يغلي حماساً وحيوية والجميع يناديه جول.

جوليانو قدم فيلمه ليحكي سيرة والدته وأولادها في المخيم. بكل بساطه توقع ‘جول’ خلال ثرثرته المفيدة أمام الكاميرا استشهاد عدد من الأطفال بعد عدد من السنوات في مواجهة الجيش الإسرائيلي. هو استشرف الواقع والحالة الحتمية التي يعيشها الطفل الفلسطيني، كما علاء الذي هدم منزله وتشرد، وكما أشرف الذي تضرر منزله بشكل كبير عند تفجير منزل علاء. جوليانو صور فيلمه في مدى زمني يبدو طويلاً، لهذا نرى الصبية أطفالاً يبحثون عن لحظة فرح في ضيق العيش داخل المخيم. يرون هذا الفرح مع ‘أرنا’ في مسرحها. تطلب ‘أرنا’ من أشرف أن يعبر عن حنقه وغضبه لهدم منزله ومنزل صديقه علاء. يعجز عن التعبير فتقول: افترضني الجيش الإسرائيلي فماذا تفعل؟ يهجم أشرف عليها ويدخل معها في حلبة مصارعة. استفزاز ‘أرنا’ للأطفال يأتي في سياق العلاج الدرامي.

وفي سياق البوح عن صلة الأطفال بـ’أرنا’ وما يهجسون به حوله شخصيتها يستعرض جميعهم شكهم بها في البدايات. ويعبر آخرون عما تلقنوه من جوليانو من أمور مفيدة لحياتهم المستقبلية ‘الذي عرفناه أنه يعمل لصالحنا وليس ضدنا’. الحديث عن ‘أرنا’ جاء على لسان يافعين مروا على مسرحها ‘كنت أعزها مثل أمي وأكثر شوية’، يقول أحدهم.

رغم واقعهم وأفقهم المقفل يتمتع الأطفال بروح مرحة جداً وهذا ما مارسه بعضهم بكل عفوية أمام كاميرا التلفزيون الإسرائيلي التي لفتها نشاط الأطفال في مسرح ‘أرنا’ فجاؤوا يبحثون عن الحيثيات في هذا النشاط. يعبر هؤلاء الأطفال عن القوة التي يمنحهم إياها المسرح. عندما تقترب ‘أرنا’ من نهاية أيامها في الحياة يطلب سكان جنين من جوليانو أن يأتي بها في زيارة وداعية. وهي في طريقها إلى المخيم تتذكر بمرح صباها ودخولها في الفرق الصهيونية وقيادتها للسيارة العسكرية. وتعترف بأن الشائبة الوحيدة التي ارتكبتها في حياتها ‘مشاركتي في ترحيل البدو’. تصل إلى المخيم. تقبل الجميع.. تسأل عن الجميع.. ‘أهلاً حبيبي’ تقول لكل من يأتيها. تبكي وتسمع تصفيقاً مرحباً فتبكي أكثر. تودع ناسها وتعود إلى المستشفى لترحل بعدها بزمن قصير.’هادا ابن أرنا’ تقول النسوة بعد قدوم جوليانو لتفقدهم إثر معركة 12 يوما في مخيم جنين سنة 2002. استغرب ضحك النسوة. وهنّ أخبرنه ‘معنوياتنا عالية’. يسأل عن الشباب كل بمفرده. أولاد ‘أرنا’ سقطوا شهداء. حكاياتهم في كل جنبات المخيم. يوسف ونضال سقطا في عملية استشهادية صورهما على الجدران. ووالدة يوسف تروي لحظاتها الأخيرة معه. وحده علاء بقي حياً من المجموعة. كبد العدو خسائر كبيرة وهم يطلبونه وهو يرفض تسليم نفسه. والدته ترفض الفكرة ‘ما بدي الذل’ حتى وإن هدموا الدار. ويستشهد علاء بعملية إسرائيلية تهدف لاعتقاله ويموت بطلاً. جوليانو الذي يتوقع استشهاد الكثير من ‘أطفال أرنا’ يغيب عنه توقع غده. فهذا الهادئ الرصين، الناسج لأجمل العلاقات مع ناس المخيم يستشهد فيه بدوره. إنما برصاص أسود غاشم وغبي. لكنه سقط وشيعه المخيم، كما شيع والدته من قبله روحياً ومعنوياً. بيروت استعادت ذكرى جوليانو خميس الذي فعل طيباً في فيلم ‘أولاد أرنا’ وظهر على الكاميرا ولم يبق خلفها بحيث بات هذا الفيلم يستحق أن نطلق عليه فيلم الراحلين وهم ينشدون الحرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية