ماذا سيحصل بعد الحملة الأمريكية على تنظيم «الدولة الإسلامية»؟

حجم الخط
0

نعيش هذه الأيام أحداثا رهيبة لم نكن لنتصورها على الإطلاق، ربما لنسياننا الماضي الكربلائي، وما تلاه من تجسد «امبراطورية» عربية كانت الخلافةُ فيها ظاهريا إسلامية تحت عباءة أحد سليلي قريش أو البيت النبوي، أما الواقع فكان شيئا آخر.
لم نكن ندرك الأدراك الكافي تلك العصور التي كانت بدائية في إعلامها، بعكس عصرنا الحاضر.
إن الأمور في غاية التعقيد، كما أن المؤرخين عربا وأجانب لكثرة ألوانهم يزيدون الفوضى في الفهم فوضى، والعمى عمى.. وأكثرية الناس، بالنتيجة بسبب عدم كفاية المعرفة والقدرة على التمييز، نراها كالأعشاب التي تتجبر وتتبختر عليها الفيلةُ ذهابا وإيابا كما تريد.
قبل كل شيء، يجب أن نقرأ التاريخ من جديد وبعيون جديدة ونعترف بأن الإسلام كان ظاهرة غير عادية، جرت ملحمتها الحقيقية إلى حـد كبير في عصر النبي والخلفاء الراشدين بشكل عام. ولم يكن كل ما حصل في ما بعد سوى تجل لامبراطوريات أخرى بثوب إسلامي وبممارسات امبراطوريات سابقة إلى حد كبير. وما جرى للأمويين على أيدي العباسيين صورة ساطعة لارتكاب الإبادة، والقضاء بالكامل على كل ما هو أموي، وما نبش الجثث في القبور وصلبها في المفارق والساحات إلا صورة غريبة للتعبير عن الحقد والانتقام اللذين لا يرحمان. لم ينجُ من تلك المجزرة سوى عبد الرحمن الداخل الملقب بصقر قريش، لأنه دخل الأندلس لاجئا بعد ذلك الهروب الأسطوري الطويل، فجدد شباب الدولة الأموية القائمة هناك في ما بعد.
نستطيع أن نعبُر بشكل انتقائي إلى حملة كسروان المماليكية، التي قطعت الشجر وبترت رقاب البشر ودمرت الحجر في بدايات القرن الثالث عشر، ومن ثم نقفز إلى أحداث 1958 في لبنان، ونستطرد إلى السبعينات والثمانينات من القرن نفسه، ونقرأ ونرى ما لم يقرأهُ ولم يرهُ الكثيرون، لنتيقن من أن الهمجية والبربرية متأصلتان في بلادنا، فلا رحمة للمهزوم. لا نريد أن نستحضر من جديد لا الأحداث ولا سجل المخابرات العربية الحافل غالبا باسم الإسلام والقومية والاشتراكية وما شابه.
في لحظة يأس وهروب حييتُ أحد زملائي السابقين في السوربون الجالس بموازاتي في مقهى برأس بيروت قائلا: سؤال بسيط وعابر لو سمحت: إلى أين نحنُ ذاهبون؟ أجاب: هذا ليس سؤالا بسيطا ولا عابرا. إنهُ بحاجة إلى جلسات معقبا: قد يكون هناك شيء من النقص في معرفتنا للتاريخ وهذا ما توصلتُ إليه، أنا شخصيا، منذُ أسابيع ووافقتهُ على ذلك. هنا أتساءل بكل بساطة: أين المؤرخون الحقيقيون ورجال المخابرات الحقيقيون في البلد والبلدان؟
من شهور لم نكن نسمع بـ»داعش» وها هي اليوم فجأة تطلع من تحت الأرض بقدرة قادر على مساحة عراقية سورية تفوق مساحة سوريا، وبجيش قدرهُ الأمريكيون اخيرا بأكثر من ثلاثين ألف جندي. برأيي قد يكون أكثر بكثير، نظرا لصعوبة التحقق، واخذا بالاعتبار وفرة مئات الآلاف من الشبان الفقراء العاطلين عن العمل الجاهزين لأي عمل ينقذهم من الوضع المزري الذي يعيشونهُ في المنطقة. عناصر تنظيم «داعش» المحترف كنست بسرعة العاصفة أكثر من إحدى عشرة فرقة للجيش العراقي، خفيفها وثقيلها، واحتلت الموصل، المدينة الثانية في بلاد الرافدين، بمالها وسلاحها وساكنيها. لقد هجرت الأقليات وقتلت وذبحت وسبت وباعت ووصلت إلى الأكراد الذين استغاثوا بالغرب، الذي لم يخذلهم هذه المرة، بل تسابق الأمريكيون والأنكليز والفرنسيون والألمان إلى تأمين السلاح «للدولة الكردية» الصاعدة بالشمال، فاحتل الأكراد مدينة كركوك، في الوقت الذي احتل فيه الداعشيون مدينة الموصل، فكأن اتفاقا ضمنيا جرى بين الفريقين. إلا أن المد الداعشي خوف الأكراد فأنجدتهم الطائرات الأمريكية بطيار أو بدون، كما أخذت تتدفق الأسلحةُ الخفيفة والمتوسطة من الدول العديدة.
غير أن الحرب بين الغرب والدولة الإسلامية بدأت تأخذُ بعدا أخطر، بعد قطع رؤوس الصحافيين الأمريكيين والمغيث البريطاني، ناهيك عن قطع رأسي الجنديين اللبنانيين (نخشى المزيد) والمجازر الرهيبة التي ارتكبت بحق مئات وآلاف الجنود السوريين والعراقيين والمدنيين من الأقليات، لاسيما من المسيحيين والأزيدية وكذلك الشيعة.
لقد تنادى الجميع إلى مؤتمر جدة بقيادة كيري وزير خارجية أمريكا وعشر من الدول العربية، بالإضافة إلى تركيا، نتج عنهُ بيانٌ وضوحهُ لا يقل غموضا عن غموضه، وامتنعت تركيا عن توقيعه، كما أنها لم تسلم حتى الآن رغم عضويتها الأطلسية بوضع قواعدها تحت تصرف الحلف.
مصر بدأت تمارس الازدواجية في الكلام، فهي مع الحرب لكنها لن تشارك قواتها البرية في المعركة، كان الأردن قد سبقها بمحاولة التهرب من هذه «العليقة» الجديدة، خاصة بعد انضمام آلاف الجنود الذين دربتهم المخابرات الأمريكية إلى «داعش».
وهنا تجدر الإشارة الى أن السعودية ودول الخليج عندما تغضب وتستنفر «الصديقة» الأمريكية الحامية، التي لها فيها أكبر قاعدة خارج أمريكا، فالأخيرة تعرف كيف تتصرف فتقول: كن فيكون وزل فيزول. ولسنا بحاجة إلى فتح هذا الملف الذي يعرفهُ حتى المبتدئون في علم السياسة بعالمنا العربي.
الآن جدةُ تقفز إلى باريس من البحر الأحمر إلى النهر الأنور بالحلفاء والأصدقاء الذين كل منهم يبحث عن سمكة أو عن سمك في هذه المغامرة التي لا نعرفُ كيف ستبدأ وكيف ستنتهي. لكن المؤكد أن الدمار لن يوفر ما تبقى واقفا في العراق وسوريا. كما أنهُ ليس من المستحيل أن تدخل الأسلحة الكيميائية واليورانيوم المنضب على الساحة، فتمنع الزرع والضرع في السنين القادمة. قد تطول الحرب كما قدر أحد المختصين العسكريين (ثلاث سنوات) فتتحول أثناءها حروب «داعش» إلى حروب عصابات فتوسع عملياتها على الساحات الغربية والعربية، كما أنهُ لا يستبعدُ اتحادها مع جبهة النصرة وسواها، كمسلمين سنة في وجه العدو المشترك من الغربين الأمريكي والأوروبي بالدرجة الأولى، والدول الخليجية النفطية بالدرجة الثانية، ودور مصر سيكون القوة التي تبحث عن دور.
إنها ستكون الفوضى الخلاقة الموسعة بامتياز، التي أثمرت بالدرجة الأولى نشوء «الدولة الكردية» الكبرى الصاعدة بملايينها الخمسين، ومساحة فرنسا تقريبا، حيثُ تشمُل الأراضي الكردية في تركيا والعراق وسوريا وروسيا وإيران. هذا ما سيشكل أضخم وأوسع قاعدة للغرب وإسرائيل كسيف ديموقليس بحدين مسلط على رقاب المنطقة. فويلٌ للأعناق إذا أشرأبت والأصوات إذا انتصبت، حينئذ رحمةُ الله على الامبراطورية العثمانية وسايكس بيكو.
أوباما لا يريدُ مشاركة برية للجيش الأمريكي على الأرض، ومصر بل الكثيرون كذلك، فأوباما ليس عسكريا ليعلم أن الجندي وحده على قدميه هو الذي يقرر مصير الحرب. فالحرب الجويةُ مهمة، لكنها ليست حاسمة لأنها جزء من الحرب فقط، علما بأن الجيش العراقي بألويته الخمسين قد لا يستطيع تحريك أكثر من النصف في أحسن حالاته. ومن المنتظر أن يحصل صراع بين قيادة أمريكا العسكرية وقيادتها السياسية، وبينها وبين سواها من القيادات على الأرض خاصة مع تركيا.
ليس من السهل توحيد عشرين أو ثلاثين جيشا أو أكثر في جيش واحد وقيادة موحدة تختلفُ لغاتها وأسلحتها ومنهجياتها وتواريخها، كما حصل في الحرب العالمية الثانية على صعيد المثال، كما أن قصر باع المخابرات الأمريكية والعراقية في معرفة هذا العدو الذكي المعبأ المستنفر، الذي لا يتراجع أمام الموت. مسألةٌ في منتهى الخطورة وقد تقلبُ الحسابات رأسا على عقب، والزمان من أشهر إلى سنوات بل إلى عقود. وهذا ما سيدمر المنطقة برمتها عن آخرها. وعلى الصعيد الفردي هناك زخم وعنف قتاليان من النصرة و»داعش» يستلزمان أضعافا مضاعفة من المحاربين في وجهيهما، وهذا ليس بالأمر السهل، فعند الغرب حياة الفرد مهمة مرفهة، أضف إلى ذلك أنهُ يقترع في الانتخابات ويستطيع أن يحرك شعبه كما حصل في حرب فيتنام والعراق وأفغانستان.
لقد أطلعتُ على رقم مخيف عن وجود 1500 منظمة مسلحة في سوريا وحدها، أما في المنطقة فيصل العدد إلى 1600، وهذا يدُل على غابات من الشوك لا نعرفُ عددها ومداها، وهذا لا يُسهل عملية التدخل العسكري العربي الغربي، ناهيك عن سهولة التحرك في مناطــــق «داعــــش» والنصرة وما شابه، كونها أرضا غير عدوة وهي لا تُشكل أهدافا ثابتة لأشداق الطائرات المهاجمة، كمـــا أننا لا نســـتغرب شراء قدرات لتركيب طائرات والحصول على موانع متطورة ضد الطيران. وهذا ما يشل دور الدول الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين في المعركة.
«داعش» تسيطر حاليا على أربعين في المئة من العراق وخمسة وعشرين في المــــئة من سوريا: محافظة الرقة بكاملها، ومحافظة القنيطرة بكاملها تقريبا لتوأمتها النصرة، كما تسيطر على مناطق مهمة من النفط الذي تبيعه بأرخص الأسعار.
داعش هذه هددت أربيل قلب « الدولة الكردية « الوليدة وهذا ما شكل ضغطا من الرأي العام على النظام الأمريكي والأوروبي رغم كرههما للحرب فقال كيسنجر:»أصبحنا في عصر أوباما متفرجين في الشرق الأوسط»، فالاستغاثات السعودية لم يكن لها أثر، ربما النفط كان لهُ الأثر المباشر أكثر بكثير. فعلى سبيل المثال: إذا انخسف بلدٌ عربي تحت الأرض بكل ما فيه، فأمريكا لا تُحركُ ساكنا، بينما إذا وقعت قذيفةٌ طائشةٌ على إسرائيل فتقوم القيامة، فإسرائيل خط أحمر. لن نستطيع أن نتنبأ بما سيدور في الأيام والشهور والسنوات المقبلة، إلا أننا نستطيع القول إن الحرب ستكون في غاية التعقيد والكلفة وستكون قابلة المفاجآت غير المنتظرة.
أما امتدادها فلا أحد يعرف في الوقت الحاضر. حسب وكالة الأناضول ستكلف الحرب مع «داعش» بين خمسة عشر وعشرين مليار دولار أمريكي سنويا. ولذلك نصح سيئ الذكر مهندس السياسة الأمريكية منذُ نيكسون الذي ليس سوى هنري كيسنجر وزير خارجية امريكا الأسبق بقوله الماكر الذي يجب دراستهُ وتحليلهُ: «فلنبدأ بما في العالم أما بالنسبة للشرق المعقد فنرى ذلك في ما بعد».
في هذا رد بشكل من الأشكال على الجنرال ديغول رئيس جمهورية فرنسا (1958 1969) الذي قال وهو متوجهٌ إلى الشرق: «أنا ذاهبٌ إلى الشرق المعقد بأفكار بسيطة».
لا أذكرُ أن بلاغــــة الجنرال البــــيانية كانت قد حلت البعض من عقد الشر القـــديمة المستعصــــية. وقد جاء بعدهُ العديد من الرؤســاء الذين لم تكن حظوظهم أوفر حظا من حظه.

٭ كاتب لبناني

أحمد منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية