■ لا يبدو الدفء العائد بين بغداد والرياض مرحبا به من جميع أطراف التحالف الوطني، الكتلة البرلمانية الأكبر التي رشحت رئيس الحكومة الدكتور حيدر العبادي بما يجعله يسير على حافة توازنات خطرة، مرة بسبب هذا الدفء غير المنتظر، وأخرى لان ثمنه يعني عودة سيطرة الولايات المتحدة على العملية السياسية، والسؤال كيف ولماذا؟
أولا، تشير المواقف المتجددة في مؤتمر جدة، ومن ثم في اجتماعات باريس ونيويورك الى عودة الدفء الى الحديث عن إعادة تشكيل متوقع للخريطة الإقليمية. وتبادل «الود المفقود» بين البلدين، في اول لقاء بين وزيري خارجية كلا البلدين، يؤشر الى عدة نقاط ابرزها، ان هناك فهما عراقيا وسعوديا يتماهى مع الحشد الدولي للحرب على الإرهاب. وتطابق وجهات النظر في آليات التعاطي معه، في متوازية التطبيقات السياسية والأمنية، ربما لا يكون متكاملا بشكل مطلق، لأسباب عراقية وسعودية على حد سواء، الا ان الانطلاق ببلورة مثل هذا التفاهم وإلغاء القطيعة السابقة، يؤكدان ان نتائج هذا الحشد الدولي الذي تفوده واشنطن، يمكن ان تردم تلك الفجوة في التعامل السعودي مع ما وصف بـ»الهلال الشيعي»، ليس من فرضيات إيرانية بوصف العراق حديقتها الخلفية، بل من حيثيات التعامل الجاد مع الازمات المتوالدة، التي يمثلها تهديد تنظيم «داعش» اليوم وغدا، ليس على العراق فقط، بل على السعودية وغيرها من دول المنطقة، وحتى الدول الأوروبية التي يأتي منها انتحاريون للقتال مع هذا التنظيم.
النقطة الثانية، ان الفهم العراقي الجديد – القديم، يجد ان الفصل ممكن بين اجندة الدولة وحكومتها واجندات الأحزاب، لاسيما تلك الموالية لولاية الفقيه، ومثل هذا الفهم المتجدد في حكومة العبادي، بإمكان الدول العربية وعلى رأسها العربية السعودية التعامل معه إيجابيا، لان التعامل السلبي السابق اثبت خطله وعدم صوابه، فانتهى الى ما انتهى اليه من بروز تهديدات «داعش».
والنقطة الثالثة، ان يؤسس هذا الانفتاح النسبي تحت مسمى محاربة «داعش» لنوع آخر من العلاقات البينية العراقية العربية، يقوم على فرضيات غير عدائية، ويفصل ما بين بعض السهام التي يمكن ان تنطلق عبر تصريحات صاخبة لجهات عراقية موالية لإيران، او حتى سنية ضاعت فرصها السياسية من توظيف الصراع العراقي – العربي لصالحها، وهو امر يحتاج الى دراية وحنكة فائقة، لان الكثير من الأمور ما زالت تبدو غير واضحة، في خضم «الفوضى غير الخلاقة «التي صنعت العراق الجديد.
كل ما تقدم يؤكد ان عودة الدفء للعلاقات العراقية السعودية لابد ان يستثمر بالشكل الصحيح، وان تتواصل الوساطة الخليجية التي تقودها الكويت لتعزيز هذا الانفتاح، عبر مقترحات متجددة لكلا الطرفين، بان رسم مستقبل المنطقة يضمن مصالح جميع الأطراف، حين يأخذ بعين الاعتبار الميول والاتجاهات الحزبية في العراق الجديد، برؤية الفصل بين مواقف حزبية داخلية ومواقف دبلوماسية رسمية واضحة وصريحة، افضل من محاكمة العراق على مواقف سابقة، حتى ان شككت ايران بالازدواجية الأمريكية في هذا الحشد الدولي لمحاربة «داعش».
هذا الدفء المتجدد، جعل إيران تستعيد آليات المحاكاة الإعلامية التي اعتمدتها منذ أيام الحرب العراقية الإيرانية، باستخدام ادواتها المحلية في أي ازمة لقيادة الرأي العام بصخب متجدد، ومشكلة الأحزاب العراقية انها لا ترى في ذاتها أحزابا وطنية يمكن ان تتعامل مع مفهوم الوطن بكل معطياته، فأدخلت في الدستور العراقي مفردة «المكونات»، لكي تمنح سلطة للمرشد الأعلى في إدارة المكون الشيعي، فيما ينص قانون العقوبات العراقي في مواد تتفق عليها معظم التشريعات الوطنية بان أي تخابر من دولة اجنبية في زمن الحرب، او بما يضر موقفها الوطني يعد «خيانة عظمى».
والامر ذاته ينطبق على تلك الأحزاب السنية التي تحصل على تمويلها من بعض دول الخليج العربي، ولها علاقات واضحة مع تركيا بما يجعل مواقفها مجرد ردود أفعال على مواقف الصراع والتنافس بين دول المحاور الإقليمية التي حولت العراق الى ساحة جغرافية لتصفية حساباتها ببيادق الأحزاب العراقية التي تمول من قبلها.
هكذا تناغمت هذه الاحزاب، بمكوناتها الشيعية والسنية، كل حسب رؤيته لطاعة مصادر تمويله، في تصريحات وبيانات ومواقف لحشد الرأي العام وتسيير التظاهرات، فقط لكي تؤكد انها بيادق مقاتلة بيد «صاحب الامر»، بما يذكرنا بذلك الشعار المثير للسخرية «بالروح بالدم نفديك يا هو اللي كان بس يرجع لنا الأمان» ردا على سخط العراقيين من التدهور الأمني الكبير في حربه الاهلية بين عامي 2007 و2008 ، حتى بات هذا الشعار اليوم يؤكد قدرات النفوذ المتبادل، لكي تفرض ايران ما تريد على طاولة مفاوضتها النووية، ما دامت الأحزاب الشيعية تؤمن بأن حريق العراق لصالح «المذهب» في تفجير قنبلته النووية، وهي قناعات واقعية يتداولها ليس جهال الشيعة، بل مثقفوهم وقياداتهم حتى في أروقة البرلمان، تؤكد بان هذا الحريق العراقي مجرد تضحية بسيطة من اجل نصرة المذهب. وعلى الخط ذاته من نموذج حرب «المكونات الاهلية» ترى الأحزاب السنية ان الفكر الجهادي السلفي المتمثل في تنظيم «القاعدة» واشقائه الغرماء هو النموذج الأفضل في مواجهة الشاهنشاهية الشيعية الجديدة.
فلماذا تدفن الرؤوس في الرمال.. سؤالي البسيط هل ناقش المتصافحون في مؤتمري جدة وباريس هذه الحقيقة؟
يبدو القول ان الشيطان يكمن في التفاصيل، يتجاوز نظرية طهران بوصف الإدارة الأمريكية بالشيطان الأكبر، والحديث في هذا الاطار يتطلب استرجاع التاريخ القريب للعلاقات بين ايران، تحت حكم ولاية الفقيه والإدارات الأمريكية المتعاقبة، يمكن ان تبدأ بفضيحة «ايران الكونترا» لصفقات التسليح التي عقدها الجيش الإيراني في حربه مع العراق بوساطة تاجر سلاح إسرائيلي، ومن بعد ذلك طبيعة العلاقات بين واشنطن وطهران خلال عمليات الجيش الأمريكي في أفغانستان، يضاف الى ذلك موافقة «سيدنا الولي»، كما تطلق الأحزاب الشيعية على خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، لفتح اول مكتب للمعارضة العراقية بزعامة المؤتمر الوطني، بعد ان حقق رئيسه احمد الجلبي إنجازه الأكبر في اصدار قانون «تحرير العراق» من الكونغرس لتمويل مكاتبه وصرف منح مالية بملايين الدولارات لقيادات تلك الأحزاب الشيعية، التي خرجت من معطف تصدير الثورة الإيرانية. مثل هذه الأمور تحتاج الى ادراك نموذجين متقابلين، الأول، النموذج الأمريكي الذي فصل بين تسويق سياساته الاستراتيجية وعملياته المخابراتية، فوصف مارتن انديك، مساعد وزير الخارجية الأسبق، كلا من العراق وسورية وايران بـ»محور الشر»، واطلق نظريته عن الاحتواء المزدوج لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير من خلال الفوضى الخلاقة، وهي النظرية التي تلقفها المحافظون الجدد، الذين قاد تيارهم تطبيقيا الرئيس بوش الابن، فانتهى الامر الى غزو العراق وتطبيق الفوضى الخلاقة لانتاج نظام ديمقراطي فيه، انتهى الى الفشل المريع لأسباب منها، الموقف الإيراني المؤثر على هذه السياسات، التي جعلت من التعاون غير المنظور بين المليشيات الشيعية التي «تقاوم» الغزو الأمريكي وتشكيلات «القاعدة» والتنظيمات السنية العاملة معها، او تلك الموالية لها، على خط واحد في العمل المخابراتي الإيراني.
والنموذج الثاني، ان ايران تريد من الفوضى الخلاقة إيجاد قاعدة جغرافية واسعة لدويلات او كانتونات شيعية، حتى ان حققت ذلك من التطبيق الإسرائيلي، لما وصفه المرحوم الأستاذ الدكتور حامد ربيع بـ»نظرية شد الأطراف»، وهي دراسة تقييمية لأفكار قدمها إسرائيل شاحاك لمجلس العلاقات الخارجية الامريكي، مطلع الثمانيات من القرن الماضي، وتمت دراستها بعناية من قبل صانعي القرار العراقي خلال الحرب العراقية الإيرانية، باعتبار ان هذه النظرية تجد صداها الأمريكي في كتاب بول ايريدمان «انهيار 1978» الذي تنبأ فيه بالحرب العراقية الإيرانية، حينما رسم سيناريو سيطرة شاة ايران الراحل على منابع النفط في اهوار العراق.
مشكلة الكثير من المراقبين والمحللين العرب، ومنهم عراقيون طبعا، انهم يكررون وصف الولايات المتحدة بأنها الشيطان الأكبر، فيما أي قراءة موضوعية لتداعيات الجغرافية الاستراتيجية في المنطقة، منذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية وحتى اليوم ، تؤكد ان الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي اقترفه نظام صدام حسين في غزوه للكويت عام 1990، فتح الأبواب على مصراعيها لإسرائيل لتمضي في تفكيك الوطن العربي، ولعلي هنا اذكر بتلك الخريطة التي رفعها أبو عمار، الرئيس الفلسطيني الراحل خلال القمة العربية في العراق عام 1990 التي ترسم دويلات هذا التفكيك، الذي تريد ايران تحت ولاية الفقيه ان تمسك بالمقطورة الأخيرة منه لكي تكون شيعية، وهنا يكمن شيطان التفاصيل في الحرب الحالية على الإرهاب.
٭ كاتب عراقي
مازن صاحب