جيرمي كوربن-بوريس جونسون
لندن – “القدس العربي”:
اتهم المعلق الصحافي بيتر أوبورن هيئة الإذاعة البريطانية “بي ي سي” بأنها خيبت آمال البريطانيين بتغطيتها المتحيزة للانتخابات القادمة، وقال إن “بي بي سي” تتصرف بطريقة تتحيز مع حزب المحافظين.
اتهم هيئة الإذاعة البريطانية “بي ي سي” بأنها خيبت آمال البريطانيين بتغطيتها المتحيزة للانتخابات القادمة.
وجاء بمقال أوبورن بصحيفة “الغارديان” أن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون حصل على ما يريد، فقد تحول هجوم الأكاذيب إلى تسونامي في الأيام القليلة الماضية بعدما أنشأ أوبورن موقعا على الإنترنت لمتابعة أكاذيبه حيث أضيفت إليه العشرات منها.
ومن أكثر الأكاذيب التي لا يمكن لأحد هضمها هي تلك المتعلقة بهجوم جسر لندن والذي استخدمه كوسيلة في حملته الانتخابية رغم رغبة عائلات الضحايا التي حثته على عدم الدخول بمزايدة سياسية. ففي يوم الأحد عندما قابله أندرو مار ببرنامجه حاول الترويج لأربع أو خمس من هذه الأكاذيب، بما فيها الزعم بأن جيرمي كوربن، زعيم العمال، سيقوم بحل مؤسسة الأمن الداخلي (أم أي فايف) وأخرى قال فيها إن حزب العمال مسؤول عن هجوم جسر لندن يوم الجمعة لأن المهاجم أفرج عنه بشكل مبكر.
We will end the automatic early release system for serious and violent offenders so they serve their full term in prison. pic.twitter.com/FjCYXmQQUQ
— Boris Johnson (@BorisJohnson) December 1, 2019
ويقول أوبورن إن مار، مقدم البرنامج، لم يحاول مواجهة هذه الأكاذيب ولم تدع “بي بي سي” جونسون إلى البرنامج إلا بعد الهجوم حيث قالت إن الدعوة “من أجل الصالح العام”. وظل جونسون يرفض الظهور في مقابلة مع أندرو نيل الذي نزع أحشاء كلا من نيكولا ستيرجين زعيمة استكتلندا، وكوربن. ولم يحاول مار التحقيق أو مساءلة جونسون عن الكذبة الكبرى وهي “لننتهي من البريكسيت”، فالموقف السخيف لحزب المحافظين وهو أن البلد سيترك الاتحاد الاوروبي في 31 كانون الثاني (يناير) وأن الفترة الانتقالية ستنتهي في كانون الأول (ديسمبر) 2020 ولم يتم الحديث عنها أو حتى التلميح لها وإن كانت فعلا ستتحقق.
لو كان هناك رئيس وزراء غير جونسون لما بقي في الحكم يوما واحدا إلا أنه ينتعش على الأكاذيب
في وقت ظهرت الكثير من التصريحات العنصرية لجونسون منها ما كشف عنه أن الأطفال الذين تربيهم أمهاتهم جهلة وعدوانيون وأبناء سفاح.
ولكنه لا يزال يواصل رفض الإجابة أو التعليق على هذه كما فعل مع أندرو مار وكلامه المؤذي عن النساء المسلمات التي صورهن بلصوص البنوك، ولو كان هناك رئيس وزراء غير جونسون لما بقي في الحكم يوما واحدا إلا أنه ينتعش على الأكاذيب. والسبب كما يقول أوبورن إنه يجمع بين انتمائه للمؤسسة البريطانية التقليدية والنجومية في داخل الحلقات الإعلامية: فهو خريج إيتون ونادي بلينغدون وحزب المحافظين ورئيس تحرير مجلة “سبكتاتور” وعمدة لندن وهو يعرف ما يقول ولمن يقول. وتدعم أقوى ثلاث مجموعات صحافية (تلغراف وإعلام ميردوخ والصحف الإلكترونية) حزب المحافظين في الوقت الذي كرست كل جهودها لتدمير كوربن.
والغريب أن صحيفة “التايمز” التي تقدم نفسها على أنها صوت الحرفيين في بريطانيا عبرت وبشكل مستمر عن تأييدها لجونسون. إلا أن الصحافة المكتوبة غالبا ما عبرت عن دعمها للمحافظين، ولكن الحزب وجد في الانتخابات الحالية حليفا غير متوقع وهو “بي بي سي”. فهذه المؤسسة مقيدة بشروط قاسية تطالبها بالحيادية. ولهذا السبب اتهمت من قبل هذه الصحف بأنها متحيزة مع اليسار. ففي حملة انتخابات 2019 تصرفت “بي بي سي” بطريقة جعلتها تحابي المحافظين. وبعدما ظهر جونسون في حالة مهلهلة وهو يضع إكليلا يوم الأحد في ذكرى قتلى الحرب العالمية بثت “بي بي سي” صورة له وهو في هندام جيد يضع إكليلا أخضر على نصب قتلى الحرب تعود إلى عام 2016 وعندما كان وزيرا للخارجية. وأكدت “بي بي سي” أن اللقطة كانت بالخطأ.
وهناك قصة أكثر خطورة عندما قطعت القناة ضحك المشاهدين على جونسون أثناء مساءلة قادة الأحزاب، عندما سئل إن كان قول الحقيقة مهما. ولم تظهر اللقطات التي تم تحريرها سوى التصفيق. وكما قالت ليدي براكنيل: “أن تخسر أبا هو سوء حظ ولكن أن تخسر الأب والأم يبدو لامبالاة”. وحدث أكثر من سوء حظ كلها أخطاء ولكنها ساهمت في تأكيد المنظور أن “بي بي سي” هي قناة تضع إصبعها على شقة ميزان الحكومة.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) كشفت جيل راتر الزميلة في معهد “جينينغ يوروب” الطرق التي يقوم فيها الصحافيون بمن فيهم المراسلة السياسية لبي بي سي لورا كوزنبيرغ بالاعتماد على المعلومات الورادة من مسؤول إستراتيجيات جونسون دومينك كامينغز. وقالت: “الطريقة التي يعملون فيها لا تخدم الرأي العام” و”تسمح لدوانينغ ستريت بأن يمرر رسالته بدون تحمل المسؤولية عنها”.
وعندما أعلن جونسون أمام مستشفى في شرق لندن “لا صحافة هنا” في الوقت الذي كان فيه أحد الآباء القلقين يسأل عن ابنته جاءت كوزنبيرغ لإنقاذه، حيث أرسلت تغريدة قالت فيها إن الأب كان ناشطا من حزب العمال. ولكن ليس من العدل استهداف كوزنبيرغ، فالأبحاث التي قامت بها جاستين شولزبيرغ من جامعة بيركبيك كشفت عن الطريقة التي أعطت فيها “بي بي سي” و”أي تي في” بمنح الاهتمام الكبير إلى نائب عمالي مغمور الدعم للمحافظين. ولكنها لم تهتم كثيرا عندما أعلن أحد عمالقة المحافظين كينث كلارك أنه لن يصوت للمحافظين. ولاحظت شلوزبيرغ عدم التساوي في طريقة تغطية إعلان الحزبين للبرامج الانتخابية. وأصدر معهد الدراسات المالية ردا مباشرا على برنامجي المحافظين والعمال ولكن رد المعهد على برنامج العمال تم التركيز عليه عشرة مرات في بي بي سي فيما ينتقد برنامج المحافظين إلا مرة واحدة بنفس الفترة وهي يومان.
ويقول أوبورون إنه لا يعتقد أن مدير “بي بي سي” توني هول والمدراء التنفيذيين يدعمون جونسون بشكل نشط. ولكن المشكلة هي أن “بي بي سي” وإن لم تحمل تحيزا نحو حزب من الأحزاب ولكنها متحيزة نحو الحكومة التي تحكم في 10 داونينغ ستريت. وقبل عقدين كان هول مديرا للأخبار وشؤون الساعة في “بي بي سي”. وفي ذلك الوقت سمحت المؤسسة لنفسها بالتسامح مع بلطجة حكومة العمال الجدد. ولم يجد حزب المحافظين بزعامة ويليام هيغ أي فرصة مثل كوربن اليوم. والمذكرة من بيتر هوركوس محرر برنامج “نيوز نايت” إلى فريقه عام 1997 دعا فيها إلى تحليل هادئ للعمال الجدد تظل مثالا واضحا.
ويقول أوبورن إن “بي بي سي” هي أهم مؤسسة بريطانية بعد “الخدمة الوطنية” (أن أتش أس) وأنشئتا في القرن العشرين، وكلاهما يدعمان الأمة. و”بي بي سي” تدافع عن الصدق والإبداع للشعب البريطاني. ومثل بقية المؤسسات كالبرلمان فقد اهتزت بسبب البريكسيت، وهذا مفهوم ولكن أخشى ما يخشاه الكاتب هو أنها تخيب آمال الناس الذين آمنوا بها. ويأمل الكاتب ألا تقوم “بي بي سي” بالتحيز مع المحافظين خوفا من انتقام حكومة محافظة. ولكن على المؤسسة معرفة أن جونسون وحلفاءه لا يحبون شيئا أكثر من تدمير المؤسسات العامة في بريطانيا. وقد مضى الوقت الذي كانت فيه بي بي سي مؤسسة يثق بها الناس حول العالم نظرا لتغطيتها المحايدة والنزيهة.