إشكالية النص الشعري الدلالية: عندما تُلغي الشعرية من الخطاب الأدبي
كريم ناصرإشكالية النص الشعري الدلالية: عندما تُلغي الشعرية من الخطاب الأدبيإنها لمفارقة مؤلمة أن نجد أنفسنا دائماً منحازين في قول الشعر، والسبب كما يري ذواقة الشعر ومحترفوه، أنَّ الخلل لا يكمن بالضرورة في عملية النقد، مثلما يؤكد ذلك كثيرون، بل يكمن في تراجع الشاعر نفسه، لكونه أصبح عاجزاً عن امتلاك ناصية اللغة الموازية لثقافة العصر، ويمكن القول أيضاً: إنَّ الشاعر الذي لا يحمل في داخله جيناً ثقافياً وراثياً مركباً من سلالات جينية مؤثرة، ترفعه إلي دائرة (الوعي الإنساني) إنّما يبقي علي المستوي الشعري هشّاً ـ تقليدياً ـ لا يستوعب معطيات التغيير، ولا يجسّد حقيقة وجوده كمنتج للإبداع. السؤال المنطقي الذي يشغلنا دائماً: كيف يستطيع الشاعر أن يهزّ العالم من أذنيه كما فعل آرثر رامبو علي حد تعبير هنري ميللر ، فأين تكمن العلّة يا تري هل في لغته أم في مخيلته ليصوغ نصوصه علي هذا المنوال؟ فمهما اختلفت خصائص النصوص وتباينت عناصر تكوينها من تركيب ودلالة، ومن معرفة كلّية ومن وحدات زمنية متباعدة، المهم كيف شغل هذا العاقّ بشعره أمماً بكاملها؟ وما هي الأسس التي اعتمدها في كتابة نصوصه؟ ألأنه امتلك أحد مفاتيح الإبداع الشعري؟ كيف يتيسر للشاعر أن يقلق قارئه، ليجعله متفاعلاً كلّياً مع نصه، ويحرمه بمجرّد لفتة عابرة من نومه ليالي طوالا؟ هل الابتعاد عن السياسي وعن الوصايا والانفعالية هي بحق السبب الكافي لإنتاج النص المرتجي؟يبدو أنَّ عدم ظهور ملامح النص الشعري الكبير، لم تكن مرجعيته الرئيسية عائدة إلي تراجع النقد الأدبي، وهذا الأمر قد تمّ التسليم به، ولا يحتاج إلي تفسير مفصّل يؤكد مدي صحته أو خطأه، فلقد تبين أنَّ العلّة تكمن بالدرجة الأساس في قاموس الشاعر نفسه، لكون هذا الأخير قد تخلّي مبكراً عن مشروعه الثقافي، وعجز تلقائياً عن كتابة النص الحاسم بسبب ضعف إمكانياته اللغوية، أو ربّما لعدم توفر الشروط الأساسية فيه، شروط الكتابة وأسبابها، خصوصاً عندما تُلغي (الشعرية) من الخطاب الأدبي، ويكون التعامل مع اللغة من دون وعي مسبق، باعتبار أنّ اللغة في آن واحد الجوهر والوسيلة كما يجتهد فاليري في هذا المضمار.pوقد تصيبنا الدهشة أيضاً عندما يمتنع المثقف العربي كلّية عن الاندماج في الثقافة العالمية، اعتقاداً منه بأنّ عملاً كهذا من شأنه أن يستهدف ثقافته الوطنية التي بني عليها جلّ منجزه الشعري، وإذا كنا قد نعتبر أنّ التكامل مع الثقافات (الأُخَر) والتماهي معها يمثل خيانة عظمي للموروث العربي، وتجنٍّ علي حضارتنا وثقافتنا، فنحن نؤكد وبالحرف الواحد، أننا لا نمتلك في الحقيقة حضارة راقية بالمعني الكلي لمصطلح الحضارة، وأنه لمن الوهم كلياً الاعتقاد بمفهوم معين هو في نظرنا مفهوم ملتبس، فما يجري الآن علي مستوي التوثيق برأينا لا يبتعد عن كونه أكذوبة، بيد أنّ الهالة التي أضفاها المؤرّخون من قبل علي العصور السحيقة لم تكن سوي أوهام، فنحن فارغون ومتخلفون في الآن ذاته، وفراغنا متأتٍ في الواقع من اتكاليتنا، واعتمادنا علي دراسة الماضوية وتمجيدها. المؤرّخون خدعونا، والأنكي من ذلك كلّه أنهم أقدموا حتي علي خدع أنفسهم في عملية تخدير متواصلة، بينما أضحت ذاكرتنا مثل قوقعة فارغة.هذا الواقع المرّ ساهم بدوره في عملية الاستخفاف بالمنجز وتأجيله إلي أجل غير مسمّي، دون الالتجاء إلي العمل في الورشة الحقيقية والاندماج في العصرنة. إنَّ التلاقح بين الثقافات يعتبر من أقصي الحالات الحضارية من أجل التقدم والارتقاء بالأجناس الأدبية إلي المستويات العليا، بدل الرتابة والجمود والقبول بالاستبداد..وقد يأخذ مثل هذا الأمر في (أوليات معاييره) انتظام دفع عجلة الثقافة إلي الأمام، في محاولة لتثبيت الركائز الأساسية واكتشاف طرائق جديدة للحؤول دون السقوط في فخ السائد وأمراضه وعصبياته..السؤال الذي نوجهه للجميع هو كالتالي: هل يمكننا في هذه المرحلة التعويل علي مبدعي الحداثة كمنتجين حقيقيين في صناعة النص الشعــري، في (البنية وقيمة العمل)؟ وبما أنَّ الشعراء الشباب أصبحوا اليوم يؤلفون جيل العصر ونواة مستقبله، لذلك فإنّ من غير المنطقي الاستخفاف بهم والتعالي علي منجزهم الشعري، والنظر إليه من زاوية ضيّقة، ما دام الاهتمام بالحداثة والعصرنة أصبح الشغل الشاغل للأجيال الجديدة، لقد ولدت مؤخراً في أوساطنا تجارب شعرية ناضجة تستحق جهد المتابعة لمبدعين شباب حملوا عن جدارة نفس سمات الرموز الشعرية الكبيرة، لننتظر إنه مجرّد وقت ليس إلاّ. يقتضي أن يتمثل النص الشعري بجسد الإنسان الذي له وظائف وسياقات متعدّدة، فمثلما يحتوي الجسد علي أعضاء فسيولوجية مختلفة تساهم في بلورته وتنشيط بنيته الإنسانية، فكذلك يحمله النص، وإذا خلا هذا الأخير من مكوّنات وجوده الأساسية، معناه أنَّ النسق سيظهر للواقع خديجاً مشوّه الملامح ثقافياً. إنَّ النص الشعري الإبداعي كما نلاحظه، يتكوّن من أعضاء وظيفية حية، تُشكّل بنيته الرئيسة، وإذا أصيب أحد هذه الأعضاء مثلاً بعطب في سياقه التقني أو اللغوي أو الدلالي، تفسّخ النسق وفسد، أو ربما مرض.. يمكن القول إنَّ النص الحديث لا يكتفي بتقديم نوع معين واحد وسياق محدّد واحد، بمقدار ما يسعي إلي بناء وحدات نصية متعدّدة البني والتراكيب هدفها الإبداع والمغايرة، بعيداً عن سلطة التأسيس والتنظير كعنوان للحداثة.. إذاً، علي الشاعر أن يفهم المعني، وأن يضع في قائمة أولوياته بأنّ الشعر هو عملية خلق وليس مجرّد كتابة. فالحرص علي النص الشعري يجب أن يوازيه بالمقابل حرص الشاعر علي أدواته مفهوماً وتكويناً وتجليات ، للتخلص من حالة البؤس التي تعانيها القصيدة الحالية، نحن نحتاج إلي أن ننهض بشعرنا إلي ما وصلت إليه الأمم المتحضّرة علي مستوي الإنتاج الإبداعي، نحتاج إلي شاعر كبير يلهمنا، وكذلك إلي متلق حاذق يتحمّل قلق وجودنا ونمط تفكيرنا، وما دام الأمر هو كذلك، فإنه يتطلّب بادئ بدء العمل علي تثقيف أنفسنا بلغة العصر مستفيدين من عملية التطور التي حصلت في مجمل البني، وأن نفكّر جيداً، كيف وبأية وسيلة يمكننا إنتاج عمل إبداعي ضخم عميق الدلالة؟فلو نظرنا إلي إبداع الأمم المتطوّرة ـ علي سبيل المثال ـ لانبهرنا بلا أدني شك، لما حققته هذه الأمم من إنجازات ضخمة علي صعيد الأدب، علاوة علي تجاربها المستمرة في ميداني العلم والتكنولوجيا، هذه العملية بكل تمظهراتها ستجعلنا من دون أية مواربة نعيد النظر بكل ما أنتجناه خلال العقود المنصرمة. ما هي (المسلّمة العامة) التي تؤدي إلي خلق النص الإبداعي؟ أهو بالاعتماد علي ناصية اللغة وحدها، أم بالاعتماد علي الجملة الشعرية الصارمة؟ بالاعتماد علي آلية التحديث اللغوي الشعري، أم علي استكناه المحتوي غير التقليدي ـ الجديد؟ علي الاستنساخ أم علي التناص؟ وبهذا المعني فلن يكون أمام الشاعر إلاّ التأكد من مقدرته علي العملية الثقافية وتفرعاتها، وذلك احتراماً للمنجز الشعري.. ومثل هذا الفهم يجعلنا أيضاً في موضع ألاّ نهتم بما يتناقله الآخرون، ويجب ألا ترعبنا آليات التطور المهيبة لتشعرنا بدونيتنا أو بعجزنا عن إتيان البديل الحضاري.. وعلي هذا النحو يتعيّن علي الشاعر الاكتشاف والمغامرة، ولابد هنا من (كلمة تنبيه ضرورية)، فإنه من غير الممكن تحقيق أيّ فعل إبداعي واعتباره تطوراً دون خلق بؤرة شعرية، أو وسط ثقافي بمستوي إبداعه وليس أقله. ومن هذا المنظور فإنّ الاعتماد علي لغة العصر الحداثوية تعتبر من أهم الاستعمالات التي تحقق للشعر حضوره ـ اللغة المستمدة من جمالية الكلمة واللغة المستحدثة (من حيث الآلية والأسلوب).شاعر من العراق0