بعد حين من الرحيل: فدوى طوقان بين الشعر والسياسة

في مقدمة كتابها «الرحلة الأصعب» 1993 وهو تتمة سيرتها الذاتية «رحلة جبلية رحلة صعبة» (1987) كتبت الشاعرة فدوى طوقان (1917- 2003) صاحبة «وحدي مع الأيام» (1952) تقول «لن تبرح مخيلتي صورة ذلك اليوم المشؤوم، يوم الاثنين 5 يونيو/حزيران 1967 كنتُ في عصر اليوم السابق قد مضيت إلى القدس استجابة للنداء التلفوني من الصديق الغريب (1) «هناك حيث اقترح عليّ المغادرة إلى عمان، أو بيروت، فالحرب وشيكة الوقوع. وهذا شيء مؤكد. ولكنني أعلنت رفضي القاطع لفكرة الهروب، فنصحني بالتزود ببعض الخبز، والأطعمة المعلبة والبن والسجائر».
ومن يقرأ هذا الجزء من سيرة الشاعرة، يلاحظ أنها – وهي الشاعرة الرقيقة التي لم تكن من قبل تحفل بالسياسة إلا نادرًا، وإنما قصارى ما تحتفي به هو العواطف الرومانسية والحب، والمشاعر الجياشة التي تتمخض عنها التأملات في الحياة والوجود – تتغير تغيُّرًا كبيرًا على نحو مفاجئ غير متوقّع، فكأن ذلك اليوم الذي أبلغت فيه بضرورة المغادرة، لأن المحتلين قادمون، أحدث في نفسها هِزَّة، وانقلابا على الذات، كأي انقلاب عسكري يؤدي إلى تغيير النظام من وراثي إلى جمهوري، أو العكس، فلطالما ضلت طريقها، وسعت سعيا حثيثا للبحث عن ذاتها، فوجدتها أخيرًا في هذا الاتجاه الجديد، الذي طُبعَ به شعرُها، وعبقت به قصائدها بعد يونيو/حزيران المشؤوم، ونعني به الاتجاه السياسي.
فعلى وقْع الصدمة ـ صدمة الاحتلال – تلتقي للمرة الأولى بتوفيق فياض، وهو من الوجوه الأدبية التي عرَّفنا بها غسان كنفاني في كتابه الرائد «أدب المقاومة» (1966). وتتكرَّر بعد ذلك اللقاءات بمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران وراشد حسين وحنا إبراهيم وإميل حبيبي وغيرهم.. من الرموز الوطنية التي تجسِّد المقاومة، وتغدو في سرعة قياسية واحدة من الكتاب المثابرين على النشر في جريدة «الاتحاد»، وفي «الغد» وفي مجلة «الجديد»، التي نشرت فيها فصولا من كتابها «رحلة جبلية»، قبل أن يُصار إلى نشره في مٌصنفٍ صدر عن دار الشروق. وفي حيفا، التي أتيحت لها زيارتُها بعيد الاحتلال بأشهر، تتعرف بعصام عباسي وسلمى ماضي، وهما من الوجوه البارزة في الوسط الثقافي الحيفاوي. وتلقي في ندوةٍ قصيدَتها «لن أبكي» التي تحيّي فيها شعراء المقاومة، وتقبسُ من شعرهم جمرة. مؤكدة أن التفاعل المثمر مع ذلك التيار الشعري سيؤدي حتمًا إلى نقلة جديدة في عطائها الشعري، وهو العطاء الذي يصدُق فيه قول محمود درويش في ردِّه الفوري على تلك القصيدة:
نحن يا أختاهُ من عشرينَ عامْ
نحن لا نكتُبُ أشْعارًا
ولكنا نقاتلْ
ولذا لم يتفتّتْ حبُّنا
بيْن السلاسلْ
وتتابعَتْ قصائد فدوى النارية، لأن الشعر يختلف عن الأنواع الأدبية الأخرى؛ فهو يستجيب للأحداث، ولردود الفعل الفوريَّة بسرعة لا تقاس بها سرعة استجابة الفنون الأخرى، من قصة أو رواية أو مسرحية. ولهذا فإن دوْر الشعر في مقاومة الاحتلال أكبر حضورًا، وأكثرُ تأثيرًا، من غيره، وإلى ذلك تشير الشاعرة. فعندما أحيت أول أمسية شعرية لها في بيت جالا، اسْتُدعيَ على إثرها عدَدٌ من الحضور للتحقيق بتهمة التحريض، لأنهم، مثلما قيل، رحبوا بشعرها، وصفقوا لها طويلا. وهذا التصفيق يعني لدى الاحتلال التحريض. وفي الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1968 اجتمع دايان ـ وزير الحرب الإسرائيلي- بعددٍ من رجالات نابلس، وخاطبهم مُحذِّرًا من أنَّ شاعرةً لديهم تكفي قصيدةٌ واحدةٌ من قصائدها لتفريخ عشْرة «إرهابيّين». وتلك إشارة تمهِّد- وفقا لروايتها – للّقاء (المُفخّخ) الذي جمعها بالوزير الإسرائيلي، وابنته يائيل دايان، في منزله في تل أبيب.

نجحت فدوى طوقان في إقامة بعض العلاقات مع كاتباتٍ، وكتّابٍ يهود، ومحامين يتعاطفون مع وجهة النظر العربية، كالمحامية فلتسيا لانجر، التي نشرتْ عددًا من الكتب تتضمَّن شهاداتٍ عن الأسرى في سجون الاحتلال، وما يتعرَّضون له من ألوان التعذيب البدني والنفسِيّ.

ويتَّضحُ، من المجريات، أن الشاعرة لم تعد تكتفي من دورها بالشعر وحسب. فقد تورَّطتْ في النشاط السياسي إلى جانب الشعري، وإلا فما معنى أن تلتقي بموشيه دايان وابنته يائيل. مؤلفة رواية «للموْت ابنان»؟ وما معنى أنْ ينشرَ خبر ذلك اللقاء على الرغم مما يشوبه من ريبة، في زمن كان السياسيون يرفضون فيه الجلوس مع المحتلين؟ وما معنى أن يُحمِّلها الوزير الإسرائيلي خطابًا شفويًا للرئيس الراحل جمال عبد الناصر؟ وما معنى أن توافقَ على إقناع الرئيس المِصْري بضرورة التفاوُض، والاعتراف، أي إلغاء لاءات الخرطوم الثلاث؟ وتجيبنا الشاعرة عن هذه التساؤلات بقولها «استمرَّ اللقاء ـ مع عبد الناصر- ساعتين إلا عشرين دقيقة- ولكنني لم أتطرق لموضوع دايان، ولم يتطرَّق لهُ هوَ أيضًا، وخرجتُ منْ ذلك اللقاء مَشْحونة بالأمل والتفاؤل». واللافتُ أنّ الشاعرة لا تفتأ تذكُر لنا في هذا الكتاب المُمْتع حكاية كلّ قصيدة كتبتها بعد الاحتلال. فهذه القصيدة كتبتها بعد نسف أحد البيوت، وتلك القصيدة كتبتها بعد استشهاد مازن أبو غزالة، وأخرى كتبتها بعد اغتيال وائل زعيتر في روما، وأخرى بعد أن مرَّت بتجربة العبور من جسر الملك حسين باتجاه عمَّان، وتعرضها لاستفزازات المجندات والمجندين الإسرائيليين. والقصيدة الأخرى كتبتها بعد أن تسلمت رسالة من أسيرةٍ تقبعُ في السجن، وتقاسي آلام التعذيب. ولا يفوتها أن تعْرض لنا فيه بعض ما يقوله الآخرون.. وما تنشرُهُ عنها صحف كصحيفة «دافار» العبرية، أو «يديعوت أحرونوت». ولا تجدُ حرجًا في أن تخاطب الإسرائيليين من صحافيين ومثقفين، حاولوا الحديث إليها، فتروي ما دار بينها وبينهم من جدلٍ، مؤكدة أن هذه البلاد بلادُنا، وأنهم جاءوا إليها مُحتلين، وأن الكراهية التي يدَّعونَ نبْذَهُمْ لها هم من زرعوها في هذه التربة المقدَّسة، وأنَّ عليهم أن يجنوا ثمارَ ما زرَعَتْ أيديهم، وأن يحصدوا نتيجة ما فعلوا، فهل كانوا يتوقَّعونَ منا أنْ نستقبلهم بالورود والأغاريد؟
وردًا على بعض المتصهْينين توردُ في الفصل الرابع عشر قصيدة لشاعر عبري يُدعى أبشلوم كور، يقول في جزءٍ منها مُعبرًا عن تلك العقلية الشوفينية المتغطْرسَة:
توصَّلنا إلى نتيجة
أننا يجبُ أنْ نقاتل
أنْ نقْتُلَ
كلَّ الذين يبحثونَ عنْ وطَنٍ لَهُمْ
يجبُ أنْ نقتلَ
حتى يكونَ لنا وَطنٌ
من البَحْر إلى النَهْر
ونستخلصُ من هذا الكثير الذي يتضمَّنُه الكتابُ أنها، في الوقت الذي كانت تكتب فيه شعرها المقاوم، تتابعُ ما يقولهُ الآخر، وأنها لا تصم أذنيها عما يتردد في أوساطهم من دعايات مضادة. وتقتبسُ في «الرحلة الأصْعَب» نتفا من قصيدة أخرى لشاعر إسرائيلي هو أفرايم تسيدون يرفض فيها أيّ موقف تصالحيٍّ مع الفلسطينيين:
لو تخلى الفدائيون عن أسلحتهم
وأرسلوا بطاقاتِ التهْنئة لكلِّ بيتٍ يهوديّ
حتى لو شاركتنا المنظمة بناءَ المستوطنات
للمهاجرينَ الجُدُد
واستقبلوا جماعة غوش إيمونيم*
فلن نجالسَهُم أبدًا
ولنْ نحاور
ولا ريب في أنَّ فدوى طوقان نجَحَتْ في إقامة بعض العلاقات مع كاتباتٍ، وكتّابٍ يهود، ومحامين يتعاطفون مع وجهة النظر العربية، كالمحامية فلتسيا لانجر، التي نشرتْ عددًا من الكتب تتضمَّن شهاداتٍ عن الأسرى في سجون الاحتلال، وما يتعرَّضون له من ألوان التعذيب البدني والنفسِيّ. ومنها كتاب «بأمِّ عيني» وكتاب «أولئك إخواني» وكتاب ثالث بعنوان «منْ مفكرتي»، وهي كتبٌ تفضحُ بالكلمة والصورة، ممارسات الاحتلال الذي طالما ادعى أنه احتلالٌ نظيف ادّعاءَ (الحرامي) أنه لصٌ شريف. ويتضحُ من هذه الإشارة، ومن غيرها، لمن يقرأ شعر فدوى طوقان، ونثرها في سيرتها الذاتية، ولاسيما الجزء الثاني «الرحلة الأصعب» إنها- وهي الشاعرة التي عرفت في الماضي بتجربتها الرومانسية، وبإغراقها في التأملات، والإحساس بالوحدة – أصبحت في السنوات الأخيرة من تجربتها الإبداعية، والأدبية (1967 – 1993) شاعرة تنخرط في الحياة السياسية، ولا تكتفي بقصائدها المُقاومَة، وتوثيق ما يَجْري على الأرض، بقصائد حماســيَّة تارة، أو بالمراثي المُفجعة تارة أخرى.
وهذا شيءُ يغفل عنه كثيرون ممن يكتبون عنها، وينشرون عن شِعْرها المقالاتِ والدراسات.
1. وهو الذي خاطبته الشاعرة في أول قصيدة لها بعد النكسة بعنوان إلى الصديق الغريب، وتمنت لو أن العنوان (لو) وفيها تـقول:
ولو أنَّني يا صديقي كأمْسِ
أدلُّ بقوْمي وداري وعزّي
لكُنْتُ إلى جنْبِكَ الآنَ
عِنْدَ شواطِئ حُبِّكَ أرْسي
سفينة عمْري
وكنَّا كفرْخيْ حمامْ
*غوش إيمونيم جماعة متطرفة تزعَّمها الحاخام مئير كهانا وتدعو لطرد الفلسطينيين لإقامة إسرائيل الكبرى.
*توفيت الشاعرة في 12 / 12/ 2003

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية