موسوعة ساراماغوا نصف الواقعية عن الموت

حجم الخط
2

■ في تقديمه لكتابه «انقطاعات الموت» كتب جوزيه ساراماغو ناقلا عن ويتجنستاين: «تفكر في الموت كثيرا. سيكون مستغربا في الواقع ألا يكون عليك أن تعرف، بسبب هذا الواقع، حالات تشخيص جديدة، وميادين جديدة للغة».
ما يحاوله ساراماغو إذن هو تقليب الموت على كل وجوهه التخيّلية الممكنة. كان عليه، من أجل ذلك، أن يبدأ بنفي الموت، أي باختبار ما يمكن أن يتأتى من زواله وانتهائه. في الصفحة الأولى من الرواية يصدمنا وهو يعلمنا كيف أن التقارير الرسمية لم تسجل حالة موت واحدة حصلت في اليوم الفائت. لم يكن ذلك أمرا عاديا أو مفهوما، كما لا يمكن وضعه في خانة المصادفات، فالهيئات المختصة بمتابعة الموت لا تخطئ حتى في تقدير عدد الوفيات، حتى تلك التي ستسجّل في ما سيلي من الأيام. وقد استمرّ غياب الموت هذا في اليوم الثاني، ثم في الأيام وفي الأسابيع، كما في الأشهر التي تلت. كان على السلطات أن تتكيف مع هذا التغيّر غير المسبوق، الذي بيّن، منذ الأسبوع الأول، أن الكثير مما يفعله البشر في حياتهم شديد الارتباط بالموت وحتمية حصوله. ولا يقتصر ذلك على عمل شركات التأمين والمستشفيات ودور رعاية المسنين وشركات دفن الموتى والقيمين على الكنائس، هذه الأخيرة التي كانت الأولى في استنكار هذا الحدث الغريب، بل إن غياب الموت استجرّ تغيّرات لم تكن لتخطر على البال في الأيام الأولى لذلك الحدث. في طليعة ذلك كانت محنة أولئك الذين باتوا في نهايات أعمارهم الذين حيلَ بينهم وبين موتهم، كما أولئك المصابين بأمراض مستعصية أدت بهم إلى أن ينتظروا عند تلك الحافة الضيّقة. هؤلاء وأولئك جرى تأجيلهم، أو إبقاؤهم كما هم من غير أمل بأن يوقف الموت معاناة نزعهم. وقد أضيف إلى معاناتهم تلك، يأسُ مَن هم حولهم، حيث تبين أن الأهل راحوا يضيقون ذرعا، مع التحفّظ حيال مسألة مثل تبكيت الضمير، ببقاء مرضاهم مقيمين بينهم نصف أحياء نصف ميتين.
لكن أمكنَ لعصابات المدينة تدبير تلك المحنة العامة بتنظيمها رحلات يُنقل فيها المحتضرون إلى البلد المجاور ليقضوا فيه نحبهم، ما دام أن عطالة الموت وتوقفه لا تشمل ذاك البلد المجاور. لا يحتاج ذلك إلى أكثر من عبور الحدود ليحصل الموت، طالما أن من أُخذوا إلى هناك كانوا على ذلك القرب منه. كما تمكنت العصابات من تأمين دفن لائق لجثث هؤلاء، هناك في بلدهم ذاته، أي في الجانب الآخر، القريب، من الحدود التي أسلموا فيها أرواحهم، بل كان يمكن لهذه العصابات أن تتدبّر كل ما نتج عن ذلك الانقلاب الهائل، لولا أن قرّر الموت، بعد سبعة أشهر من اعتكافه وعطالته، العودة إلى العمل من جديد.

كانت الرسائل تصل، بلحظات قليلة، إلى من هي مرسلة لهم، باستثاء واحدة ارتُجعت. وهي ارتجعت مرة أخرى بعد أن كانت أرسلت مع بريد اليوم التالي.

هذه المرة، رأى الموت أن يُجري تحديثا على طريقة عمله، تتمثّل في أن يوجّه دعوات إلى من يشاء إماتتهم. هي أوراق بنفسجية اللون توضع في مغلّفات يحملها إلى المدعوين مَن يمكن أن يسمّى ساعي الموت. في كل صباح يقوم الموت بإعداد الرسائل جميعها، ويبعثها، بحركة سريعة من يده، إلى الساعي الذي من المؤكد أنه وجد طريقة ليوزع ما يزيد عن ألفي رسالة كل يوم. الموت، الذي لم يكن قد تجسّد في ما سبق من السنين، أو القرون، اتخذ هذه المرة هيئة امرأة. ذاك لأن الاسم الدال عليه في معظم اللغات، كما تبيّن لساراماغو، مؤنّث، وهذا ما دعا صالح علماني مترجم الكتاب إلى إبقائه الاسم مذكّرا، كما هو في العربية، لكن مع تأنيثه في الوقت ذاته كأن يَكتب مثلا: قالت الموت، أو أرسلت الموت دعواتها، إلخ.
كانت الرسائل تصل، بلحظات قليلة، إلى من هي مرسلة لهم، باستثاء واحدة ارتُجعت. وهي ارتجعت مرة أخرى بعد أن كانت أرسلت مع بريد اليوم التالي. ولأن ذلك مما لا يحدث عادة، بل لم يحدث أبدا، رأت الموت أن تتولّى الأمر بنفسها. أول ما قامت به هو زيارة ذلك الرجل، عازف الفيونسيل، في منزله. كان غارقـــــا في نومــــه، ولم تشــــأ الموت أن توقظه إذ كل ما كانت تريــــده هو أن تعـــرفه معتمدة على قواها التي تغنيها عن مخاطبته أو سماعه. وهي، بقواها ذاتها أقامت حوارا، صامتا تماما، مع الكلب الرابض إلى جانب صاحبه الموسيقي.
في الصفحات الأربعين الأخيرة تحوّل الكتاب، الذي سعى مؤلّفه إلى أن يكون مصنّفا موسوعيا للتهويمات البشرية عن الموت، إلى حكاية متردّدة بين الإماتة والإغواء. كانت الآمرة بالموت قد أظهرت نفسها على هيئة امرأة غاية في الجمال، ربما من أجل أن ترى كيف هي الحياة بين أولئك الذين يقصدون صالة الأوبرا ليستمعوا إلى العزف الموسيقي. ثم هناك عازف الفيونسيل، ضحيتها، الذي راح يظهر، مع تتابع حلقات الرواية وتتالي لقاءاتها معه، كحبيب محتمل. على مدى تلك الصفحات الأربعين كان ساراماغو ينقلنا خطوة خطوة لنحسّ بتحول الموت إلى امرأة عاشقة.
ولا ريب أن هذا الفاصل الأخير يحمل أكثر تخييلات الكتاب وتوهماته غرابة، لكنه، مع ذلك، الفاصل الذي أتاح له (للكتاب) أن يكون رواية. في الصفحات المئتين التي سبقت كان الاستطراد التخيلي، المتراوح بين الفلسفة والهذيان، أشبه بمحاكاة الشخص لنفسه غير آبه بكون من يستمع، أو من يقرأ، باق على انتباهه وتركيزه. فقط ذلك التهويم غير الفلسفي وغير التفكّري، في صفحات الكتاب الأخيرة، جعلنا نقرأ مأخوذين ومندهشين كيف يمكن لحكاية غرام عادية أن تُنحّي الأفكار التي تطلبت الكثير من الجهد لتخترع.
٭ «انقطاعات الموت» رواية جوزيه ساراماغو صدرت عن منشورات الجمل بترجمة صالح علماني (عن الإسبانية) في238 صفحة- 2019.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية