الناتو: كيف ينقذ ترامب أوروبا من نفسها؟

حجم الخط
0

ليس هناك أسباب وجيهة كثيرة تبرر الفرح لزعماء دول الناتو الـ 29، ممن يجتمعون في لندن في قمة احتفالية إحياء للذكرى السبعين لتشكيل الحلف العسكري عابر الأطلسي الذي أقيم كمظلة دفاع عن غرب أوروبا في وجه التهديد الشيوعي–الروسي. وهو اليوم في إحدى الساعات الصعبة. وبعد سنتين من إعلان الرئيس الأمريكي ترامب بأن الناتو “قديم” وطلب من أعضائه زيادة مساهمتهم المالية في المنظومة العسكرية للحلف، أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون بأن الناتو يعاني من “موت دماغي” بسبب غياب التنسيق بين أعضائه.

 منذ انهيار الكتلة الشيوعية والناتو يتردد في طرق تكيفه مع الظروف الأمنية المتغيرة في العالم. فقوات الناتو تواصل المراوحة في المستنقع الدموي في أفغانستان وفي حرب استنزاف ضد ميليشيات إسلامية في غرب إفريقيا والقرن الإفريقي. فاتساع الناتو شرقاً أثار غضب موسكو ودفع روسيا لاجتياح أراضي اثنتين من جيرانها، جورجيا وأوكرانيا، اللتين طلبتا الانضمام إلى صفوف الناتو. وكان رد الحلف العسكري الغربي على العدوان الروسي هزيلاً، لدرجة أن مزيداً من الدول “الفاصلة” –أستونيا، لتفيا، ليتا، وحتى بولندا– تخشى اليوم من المس الروسي بها. تركيا هي الأخرى تغيظ حلفاءها في الغرب بشراء منظومة صواريخ اس 400 من روسيا، باجتياح شمالي سوريا، وباشتراط موافقتها على زيادة الوجود العسكري للناتو في دول البلطيق، باعتراف أعضاء الناتو بالمنظمة الكردية في شمال سوريا (YPG) كمنظمة إرهابية.

 يواصل الرئيس ترامب مطالبة الأعضاء الأوروبيين في الحلف بالإيفاء بالتعهدات التي أخذوها على أنفسهم منذ 2002، ومرة أخرى في 2004، لزيادة ميزانياتها العسكرية إلى 2 في المئة من الناتج القومي الخام لديها. قبل بضعة أيام من مؤتمر لندن، أعلنت إدارة ترامب عن تقليص التمويل الأمريكي لميزانية الناتو المباشرة. أما الرئيس ماكرون، رغم ضعفه السياسي في الداخل، فإنه يصبح المحرك المتصدر لأوروبا، فقد ثار غضبه على إصرار ترامب على التركيز على المسألة المالية، وهو يطالب بداية بأن تتوفر حلول للعلاقات الإشكالية مع روسيا وتركيا.

 تستطيب أوروبا كراهية ترامب، مثلما كرهت قبله جورج دبليو بوش ورونالد ريغان، ولكن هذه الكراهية ليست مبررة؛ فمثلما تعاملت أوروبا بنكران للجميل مع ريغان، الذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفياتي، فهي ترفض الاعتراف بأن نهج ترامب يستوجب من الأوروبيين التعاطي بجدية مع التحديات الأمنية التي تهددهم. ففي الواقع الناشئ في أثناء الحرب الباردة الأولى، والذي لم يتغير تماماً منذئذ، ألقى الأوروبيون كامل المسؤولية عن أمنهم على كاهل الولايات المتحدة.

 تقليص الدول الأوروبية ميزانياتها الأمنية، وتقليل جيوشها، واعتبار الاتحاد الأوروبي “مجلس سلام”، اقتصادياً وأخلاقياً، هذه تعمل على إضعاف قوة الولايات المتحدة في مناطق معينة في العالم (ولا سيما في الشرق الأوسط) ويسمح الاتحاد لنفسه بتوبيخ الأمريكيين على أساليب عملهم العسكري. فما هكذا يكون الحلف، فكل ما فعله ترامب الإيضاح للأوروبيين: أوروبا اليوم ليست أوروبا 1949. القوة الاقتصادية لأوروبا، ولا سيما أعضاؤها البارزون –ألمانيا، فرنسا، إيطاليا– يجب أن تجد تعبيرها في زيادة الميزانيات الأمنية، في صالح أوروبا. للولايات المتحدة مشاغلها الاقتصادية الخاصة بها.

 لقد أثار الخروج الأمريكي المفاجئ من شمال سوريا أجراس تحذير في أرجاء أوروبا: إذا كان بوسع واشنطن أن تترك حلفاء كالأكراد لمصيرهم، فيمكنها أن تهجر حلفاء آخرين أيضاً. وفي نظرة إلى الوراء، هذه الشبهات غير مبررة. فمنذ دخل ترامب البيت الأبيض، ازداد الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وتعزز التعاون العسكري مع بعض الشركاء الأوروبيين البارزين، بينهم ألمانيا. فضلاً عن ذلك، استوعب الأوروبيون بأنهم ملزمون بأن يستثمروا المزيد في جيوشهم، وهم يفعلون هذا منذ الآن، وهذه حقيقة تفتح أمام الصناعات العسكرية الإسرائيلية المتطورة فرصاً عديدة أيضاً. حتى لو نجح ترامب في أحيان قريبة بأسلوبه الفظ بإغاظة الأوروبيين، فسيتعين عليهم في وقت ما أن يشكروه على أنه أيقظهم من سبات الأحلام الطويل، وألزمهم بأخذ المسؤولية عن أمنهم.

بقلم: الداد باك

 إسرائيل اليوم 4/12/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية