حكومة اولمرت تعيد اخطاء حرب لبنان وترفض الاستجابة للاشارات القادمة من حماس

حجم الخط
0

هناك شيء يبعث علي الغضب في دموع التماسيح التي يذرفها الفلسطينيون: هم يتوجهون الي مجلس الأمن طالبين تدخله لوقف العمليات العسكرية الاسرائيلية. أبو مازن يصل الي غزة مناشدا الفصائل المسلحة بأن تُعيد الهدوء. الناطقون بلسان حماس لا يرفضون اقتراحات اطلاق النار، والانطباع هو انهم تذكروا بأن عليهم ايقاف النار بعد الضربات التي تلقوها من الجيش الاسرائيلي.

لم تكن أي دولة لتمر مرور الكرام علي المس بسيادتها، كما تفعل حماس مع اسرائيل من خلال صواريخ القسام علي سديروت ومحيطها. لم يكن أي جيش ليمتنع عن السعي الي تكريس نجاحه الأولي كما يلوح من العمليات العسكرية في غزة. يبدو أن حماس قد شعرت بالضغط من الهجمات الاسرائيلية، وهي تظهر كمن يبحث عن طريقة لانهاء التصعيد الحالي حتي عندما تتعالي منها التصريحات الحماسية الشعواء. للوهلة الاولي يفترض باسرائيل أن ترفض تلميحات حماس: من حقها أن لا تقبل بوضع تكون فيه لحماس القدرة علي تحديد موعد اطلاق الصواريخ باتجاهها. إلا أن لهذا المزاج، مهما كان مشروعا، خطر يتربص به: للصراع العنيف ديناميكيته الخاصة إذ يمكنه أن يخرج عن نطاق السيطرة، وقد تجد اسرائيل نفسها في وضع تأسف فيه لانها فوتت الفرصة لانهائه الآن. حرب لبنان الثانية جسدت هذه الشرعية: كانت لرئيس الوزراء عدة فرص منذ الايام الاولي للانعطاف نحو المسار السياسي، إلا أنه قرر التعريج عنه، وكلما تواصلت المعركة أكثر كلما كان من الأصعب عليه أن يستخلص مشهد الانتصار الصارخ منها. الاعتقاد أنه أسف علي ذلك جدا في وقت لاحق.

الحكومة التي تعرف طريقها، حكومة ذات رؤية سياسية واضحة، كانت ستستغل مؤشرات الضيق التي تصدر عن حماس محوّلة إياها الي رافعة للتفاوض حول التسوية الشاملة. ليست لذلك احتمالية في الظروف الحالية: هذه الحكومة مقيدة برفضها الاعتراف بحماس، وأضعف من أن تشرع في المفاوضات حول مستقبل الضفة الغربية أو هضبة الجولان. من الأفضل اذن الاكتفاء بالقليل: تقصير الدورة الدموية الحالية قدر المستطاع وتحقيق الهدوء علي حدود غزة ـ ولو لفترة مؤقتة، هذا لان تواصل المجابهة العنيفة سيؤدي الي تصعيد لا يعرف أحد حجمه ومداه، كما أنها قد تتعقد بعد حدوث خطأ عسكري، والأهم من ذلك ـ انها تحدث علي ظهر سكان سديروت، بينما كانت لدي سكان الشمال ملاجيء يلوذون اليها خلال الحرب، وكانت لديهم جاهزية مسبقة للبقاء فيها لمدة طويلة، لا يوجد لدي سكان سديروت مثل هذا الخيار، وهم مكشوفون تماما لضربات القسام.

يتوجب الاعتراف بأن سكان سديروت يمرون بصدمة الحرب، ولن يُخفي أي مسحوق تجميلي هذا الواقع. هم يتصرفون كما قرأوا في الكتب التي تتحدث عن هذه الاوضاع: عندما يكون السكان في خطر وجودي يُصابون بالفزع والجزع. هذا رد فعل طبيعي وشرعي. مواجهة الضائقة تستوجب إضفاء شعور بالسيطرة علي الوضع لهؤلاء الناس. المواجهة الفعالة مع الظروف الناشئة هي مفتاح التغلب علي الصدمة. عندما يكون الرد سلبيا يتعاظم الشعور بالعجز ويزداد الضعف الداخلي. السكان الذين يمرون في خطر وجودي يحتاجون الي قيادة، وعندما لا تؤدي هذه القيادة دورها يتزعزع التضامن الداخلي. هذا ما يحدث الآن في سديروت، واعادة هذه البلدة الجريحة الي وضعها الطبيعي تتطلب قبل كل شيء اقامة بنية تحتية أساسية مانعة. الابحاث التي أُجريت علي سكان الشمال إبان عمليات الحساب والعقاب (1993)، و عناقيد الغضب (1996) تمخضت عن عِبر هامة. أهمها أن اخلاء السكان لفترة قصيرة ليس ذي قيمة. وبالمناسبة، يمكن أن يكون ضارا اذا أعاد الناس الي الظروف التي فروا منها. وأهم وسيلة هي تعزيز التضامن الداخلي والتركيز علي قدرة السكان علي الصمود والتحمل. نجاح سكان سديروت في مواجهة قوة المعركة ومخاوفها، يستوجب توفير المناعة والحماية الأساسية لهم، ووقف اطلاق النار هام لهذا الغرض من اجل تنفيذ عملية اقامة غرف محصنة وملاجيء في البلدة. لشدة الأسف ليست حماس وحدها هي التي تحتاج الي فترة من الراحة والهدوء في التصعيد الحالي، وانما اسرائيل ايضا.

عوزي بنزيمانكاتب رئيس في الصحيفة(هآرتس) ـ 27/5/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية