«بْنين»: رواية التيه في المكان والزمن

تدور رواية «بْنين» (Pnin) للروائي الروسي فلاديمير نابوكوف (ت 1977) حول ثيمة التيه في المكان والزمن، عبر التركيز على تقلبات المهاجر الروسي «بْنين» في أنحاء أوروبا وأمريكا، بعد ثورة 1917 البلشفية.
مع بداية الرواية، نصادف البطل مثيرا للشفقة، مضطربا، يركب القطار الخاطئ ليصل إلى مدينة صغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية. وحين اكتشف ذلك، اضطر إلى ركوب شاحنة، ذكرتنا بتجربة المهاجرين السريين. هذه التجربة التي خاضها «بْنين» عدة مرات، منذ أن ترك روسيا، فارا بعد هزيمة الجيش الأبيض، الذي انخرط فيه لمحاربة البلاشفة. فكان مروره بإسطنبول، وصولا إلى براغ، حيث أكمل دراسته. وأمام المد الشيوعي هناك، اتجه صوب باريس، التي قضى فيها سنوات طوالا توَّجها بزواجٍ، ثم هروب مرة أخرى نحو أمريكا مع بداية الحرب العالمية الثانية، حيث تبين له أن زوجته استغلته لتهَجِّر معها عشيقها، وزوجها المستقبلي.
وحتى حين أصبح «بْنين» أستاذا جامعيا للغة الروسية هناك، ضمن جامعة عادية، في مدينة غير معروفة تدعى «واينديل»، فقد ظل غير مستقر مهنيا ونفسيا، لأنه كان ملحقا بشعبة اللغة الألمانية، ورغم مجهوداته العلمية، ومحاولاته التأقلم مع محيطه الاجتماعي، إلا أنه سيترك الجامعة سنة 1954 بعد تخليها عنه، فارا إلى وجهة مجهولة، ورافضا العمل مع صديق طفولته السارد، الذي تبعه هناك ليترأس شعبة اللغة الروسية المستحدثة. الجديد في هذا التيه الأخير، أن «بْنين» كان رفقة كلب متشرد، فضَّل صُحبته على صحبة أصدقاء سخروا منه طوال سنوات عمله، نظرا لجديته في بحثه العلمي حول الفولكلور الروسي، ولبساطته وزهده، ولتأملاته الفكرية العميقة الرصينة، بدون أن نغفل تعجبهم من تنقله المستمر بين الغرف المستأجرة، خاصة تلك التي كانت لفتيات ومراهقات.
بحث «بْنين» طوال سنوات تيهه وضياعه في الأرض عن حب يُنسيه موت زوجته الأولى، وخيانة الثانية، وسخرية الأصدقاء بمن فيهم السارد، ليكتشف في الأخير أن من أحبهُ حقيقةً كان والداه، و«ميرا» عشق شبابه، التي فرقت بينهما الثورة، وقتلها النازيون في معتقلات الموت. الملاحظ أن هذا الحب، مع حالات حزنه، وأزماته القلبية المتكررة، هي التي جعلته يفر من وطأة المكان وقسوته، مُهلوِسا نحو ماضٍ جميل في روسيا القيصرية. فهناك كان والداه يبتسمان له بعد إلقائه قصيدة لـ«بوشكين» في المدرسة، رفقة أصدقاء قُتلوا ونُفوا، تتقدمُهم «ميرا» الفاتنة، بجمالها الهش الرقيق الخالد. هذا الجمال الذي لم يختف، رغم التعذيب والتسميم، والحرق الذي عانته، ذلك أنها أضفت على هذا المكان الرهيب بهجة، بابتسامتها وصمتها، وعدم قلقها، مع مساعداتها اليهوديات المعتقلات المضطهدات، لتكون نجمة مضيئة في سماء مدينة «فيمار» التي عاش فيه كبار المفكرين الذين أحبهم «بْنين»، كغوته. في هذا الماضي المستعاد، عاش والد «بْنين» الطبيب، الذي أشرف على علاج تولْستوي. لقد كان بارعا في ملاعبة والد «ميرا» الشطرنجَ في منتجع سياحي هادئ، تحلو فيه أصناف الفواكه والألبان والشاي والمملحات اللذيذة. والدٌ لم ينس الاهتمام بتعليم ابنه حتى تفوق في الرياضيات والتمثيل، والكتابة، والرياضة. فأصبح جديرا بزواج «ميرا» الشغوفة بفن التصوير، وصاحبة الفستان الذي يتداخل لونه الأبيض بلون ورود نبات التبغ، وهي تتسلل للقائه. كثيرا ما يتذكر «بْنين» أيضا طبيعة روسيا الخلابة، بأشعة شمسها التي تُحيي أشجارَ الكرز المثمرة، فيتقاطر نداها على أعشابها الطويلة، ثم يتبخر. أما غاباتها التي يطالع كتبه فيها، فليست جرداء، بل تعدو في طرقها الخيول، محركة شعرها الفضي، فتتحول إلى بهاءٍ رومانسي حُر محبوب.

افتقد «بْنين» كل ما سبق حين حلَّ في أمريكا، فهناك في مدينة «نيويورك» عاش في غرفة أنيقة، لكن بمبنى «معروف بالأوراق المهملة المتدحرجة على رصيفه، وأثر ظاهر لبُراز كلب انزلق فوقه أحدهم، وفتى لا يتعب من قذف كرة إلى الشرفة البُنِّية العالية».

لقد افتقد «بْنين» كل ما سبق حين حلَّ في أمريكا، فهناك في مدينة «نيويورك» عاش في غرفة أنيقة، لكن بمبنى «معروف بالأوراق المهملة المتدحرجة على رصيفه، وأثر ظاهر لبُراز كلب انزلق فوقه أحدهم، وفتى لا يتعب من قذف كرة إلى الشرفة البُنِّية العالية». وحين حل في مدينة «واينديل» للعمل في جامعتها، وجد بحيرتها اصطناعية غير طبيعية، بمرافق قليلة، حتى كأنها «رسم طفل ذي مشهد بدائي، خال من أي عمق خيالي». أما الأمريكيات، فكن «قططا عجائز بذيئة»، لا يفقهن في المحاضرات شيئا. وهن في ذلك يشبهن الطلبة الجامعيين الكسالى الذين لا يعرفون الجغرافيا. لم لا، وأساتذتهم مدعون نمَّامون، يُشبِّهون مكان عملهم بالحفرة المتعفنة، ويبدو أن هذه الرتابة انتقلت إلى حيواناتهم الداجنة والبرية، فأضحت بشعة المنظر، ناكرة للجميل.
وبمروره بمدينة «ويتشتورتش» صُدم بشمسها الحارقة في شهر أكتوبر/تشرين الأول البارد عادة، وبإسمنتها الفاتر، وهندستها الفارغة، بل كاد يغمى عليه في حديقتها التي تشبه حديقة مقبرة رسمية، بورود كئيبة، وأشجار مرشوشة دائما بالمبيدات. التحامل نفسه يحضر في وصف الأقطار التي مرّ بها «بْنين» قبل حلوله بأمريكا. فأزقة القسطنطينية (إسطنبول) ضيقة قديمة، مياهها نادرة غالية، وحميرها بائسة، يختلط فيها السجاد بالمآذن، والسياح والبطيخ، والضوضاء. وكانت غرف مدن أوروبا الوسطى قديمة مغبرة. أما سكناه في باريس، فكانت في عمارة وضيعة، حارستها امرأة فاسدة، تتسمع لنقاشاته الصاخبة مع زوجته، لم تتورع عن التشفي منه حين تركته هذه الزوجة لأجل معشوقها. غير أن تحولا بدأ يطرأ على ذكريات «بنين» عن وطنه روسيا. فمع تقدمه في السن، ومحاولاته التأقلم في أمريكا، وبتحوله من عادة استئجار غرف، إلى عزمه ابتياع منزل صغير في مدينة عمله، أحسسنا بأن نظرته لروسيا القديمة بدأت تتغير، إذ لم تعد ذلك المكان الجميل الرومانسي، بل أضحى «بيت تعذيب»، شيده القيصر «نيكولاي الأول»، يسجن فيه الثوريين الأوائل الذين حلموا بالعدالة طوال قرن من الزمن، فوصلوا إلى يأس استمر أكثر من ثلاثين سنة بعد الثورة الحمراء.
تبدَّى لنا أن «بْنين» المهاجر ـ الذي قضى خمسا وثلاثين سنة متشردا تائها في المكان ـ حاول التغلب على هذه الوضعية الانتقالية الطويلة في حياته، عبر تيه آخر في الزمن الماضي، مؤمنا بما سماه «ديمقراطية الأشباح». أشباح الأحباب المقتولين والمطاردين والمنفيين الذين يراقبونه، ويهدونه سُبُل السلام، في فترة الحرب الباردة، وحملة السيناتور ماكارثي، ضد كل من ثبتت علاقته بالشيوعية التي لا علاقة لـ«بْنين» بها.
بهذا، تصبح هذه الرواية ـ التي صدرت باللغة الإنكليزية سنة 1957– شاهدة على معاناة مثقف فرَّ من وطنه الأم، فلم يجد موطئ قدم وراء المحيط الأطلسي. كما تذكرنا بمعاناة مشابهة يعانيها آلاف الناس، ومنهم المثقفون الذين يُرحَّلون ـ اليوم ـ قسرا من أوطانهم، أو يفرون بعيدا عنها، بحثا عن استقرار قد لا يجدونه. ليضحوا «بْنينيين»، تائهين ضائعين بدورهم، بين حنين إلى أوطانهم وأهلهم، ومحاولات الــــتأقلم الذي قد لا تجدي نفعا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية