لندن-“القدس العربي”:اكتشف فريق من الباحثين الهولنديين أن القشرة الدماغية ليست مسؤولةً بمفردها عن قدراتنا الإدراكية، وأن أدمغتنا الصغيرة المعروفة بـ “المخيخ” تؤدي دورًا مهمًّا في العمليات الإدراكية. وتشير مجلة “ساينتفك أمريكان” إلى أنه “يقع المخيخ في الجزء الخلفي السفلي من الدماغ، ويؤدي دورًا مهمًّا في التحكم الحركي”. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، يعتقد العلماء أن دور المخيخ يتجاوز فكرة التحكم في الحركة ليصل إلى بعض الوظائف المعرفية الأخرى، كتنظيم الاستجابة في حالات الخوف على سبيل المثال. إلا أن ذلك لم يتجاوز التكهنات، لكن دراسة جديدة أشارت إلى “احتمالية أن يكون المخيخ ركيزةً أساسيةً يعتمد عليها الدماغ في الإدراك الاجتماعي”.
ومن المحتمل أن تساعد الدراسة في “فهم الأضرار التي تلحق بالمخيخ، والتي لن ينجم عنها ضعفٌ في الحركة فقط، بل ستؤدي إلى تغيرات في سلوك الأفراد على المستوى الاجتماعي”.
ويقول الكاتب العلمي محمد منصور: “تخيل رؤية شخص عجوز يلتقط صندوقًا. وشابًّا يلتقط صندوقًا مشابهًا. بمجرد النظر إلى الحركتين، يمكنك معرفة الفارق بينهما. فالقوة والمرونة والثقة التي يتمتع بها الشاب تبدو جليةً للعيان والدماغ مقارنةً بالشخص العجوز.”
وكان العلماء يظنون أن “المنطقة المسؤولة عن هذه القدرات الإدراكية العليا في الدماغ القدرة على استكشاف الفوارق بين الأفعال وتصنيفها والتفرقة بينها، هي القشرة الدماغية، وهي الطبقة الخارجية للدماغ. وتتكون تلك الطبقة من ملايين العصبونات المتشابكة التي تُكسب الدماغ قدرته على الإدراك”.
وكان المعتقد السائد، أن المخيخ يشارك في ضبط الحركة وتنسيقها، والتوازن، وتخفيف ضغط وزن الجسم على الأطراف، دون الاشتراك في وظائف الإدراك، لكن الدراسة التي نشرتها دورية “برين” تشير إلى عدم صحة ذلك.
وقالت فاليريا جازولا، أستاذة العلوم العصبية في كلٍّ من المعهد الهولندي للعلوم العصبية وجامعة أمستردام، والمؤلفة الرئيسية في الدراسة في تصريحات لـ”للعلم”: إن الورقة البحثية، التي استغرق العمل عليها نحو 4 سنوات، تقدم الدليل على أن المخيخ أكثر ذكاءً مما كنا نظن سابقً”.
وافترض الفريق أن المخيخ يُشارك في عملية الإدراك العقلي، أي “قدرة الشخص على التفاعل مع محيطه الخارجي عبر استقبال المثيرات الخارجية وترجمتها وتأويلها بصفة ذاتية”.
وجمع الفريق البحثي عددا من المتطوعين، و”طلب منهم مشاهدة تصرفات البشر المحيطين بهم” ثم راقبوا نشاط أدمغتهم ووجدوا أن عملية مراقبة تصرفات البشر والتفاعل معها أدت إلى ظهور نشاط في المناطق المعروفة من القشرة الدماغية، إلا أن المثير للدهشة أن “النتائج أظهرت وجود نشاط ممنهج في منطقة المخيخ.”
وقالت جازولا: “يعني هذا أن دور العقل الصغير يتجاوز عمليات تنسيق الحركة، وأن وجود قدرات إدراكية للمخيخ أصبح الآن مثبتا بصورة علمية”.
وأضافت: “تعني تلك النتائج أن المخيخ جزء مهم من النظام الإدراكي، وهو أمر يُفسر أسباب ضعف الإدراك عند هؤلاء الذين تعرَّضوا لمشكلات أو إصابات في المنطقة الخلفية للدماغ. وبالتالي يُمكن أن يؤدي ذلك الأمر إلى فهم أفضل للاضطرابات المرتبطة بالمخيخ، والتي من شأنها التأثير على سلوكيات الإدراك الاجتماعي”.