التصويت التكتيكي والخطاب السياسي في الانتخابات البريطانية

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

بعد أيام يقرر الناخبون البريطانيون مستقبل بلادهم السياسي لعقود مقبلة، في انتخابات عامة استثنائية بكل المقاييس تجري في برد كانون الأول/ديسمبر للمرة الأولى من نحو 100 عام. بريطانيا ستختار بين الانفصال عن الاتحاد الأوروبي والانطلاق وحدها في عالم مضطرب، وبين العودة إلى مائدة المفاوضات من جديد بعد أكثر من ثلاث سنوات من المفاوضات الشاقة، مع خيار البقاء. الاستقطاب حول هذه القضية واضح الملامح بين المحافظين الداعين للانفصال، وبين تحالف البقاء بقيادة الأحرار الديمقراطيين، في حين أن موقف حزب العمال غير واضح الملامح، ويتوقف على قرار من الناخبين أنفسهم. وسط هذا الاستقطاب الحاد، يتقدم المحافظون، باعتبارهم الحزب صاحب الرؤية الأوضح والآلية العملية، التي في متناول اليد، متمثلة في اتفاق الخروج الذي توصل إليه بوريس جونسون الزعيم الحالي للحزب.

ومع ان العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي تمثل أهم أولويات أغلبية الناخبين، فإن هناك قضايا أخرى شديدة الأهمية، لدى قطاعات اجتماعية مختلفة، مثل خدمات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان بالنسبة لمحدودي الدخل، ومثل قضية تغير المناخ وحماية البيئة بالنسبة للشباب. وسوف يؤثر تداخل الأولويات على القرار النهائي للناخب البريطاني عند التصويت فعلا يوم 12 الجاري. الذين حسموا موقفهم لصالح أولوية بريكست (الخروج من الاتحاد الأوروبي) من المرجح أن يصوتوا للمحافظين، والذين حسموا موقفهم لصالح “التغيير” الذي وعد به حزب العمال سيصوتون لمرشحيه. وعلى جانب آخر سيصوت أنصار البقاء غير المشروط لصالح التحالف الذي يقوده حزب الأحرار الديمقراطيين، الذي يضم حزب الخضر والحزب القومي لإقليم ويلز، ومعهم الحزب القومي الأسكتلندي.

لكن النتائج النهائية للانتخابات لن تكون بهذه البساطة، وإنما سيحددها ترتيب الأولويات، والانحياز الطبقي والأيديولوجي، ومدى ثقة الناخبين في مصداقية الخطاب السياسي للأحزاب المتنافسة، وتأثير التصويت التكتيكي، وتقلبات التصويت في الدوائر المتأرجحة، إلى جانب تأثير استطلاعات الرأي العام.

ومن الواضح حتى الآن أن الحملات الانتخابية للأحزاب زادت من انقسام الناخبين، ووسعت الفجوة بين الخيارات المختلفة، كما إنها فشلت في الوقت نفسه في زيادة الثقة في وعود الأحزاب وبرامجها الانتخابية. الذين لا يثقون في الأحزاب السياسية، يفضلون عدم التصويت والبقاء في منازلهم. هؤلاء يمثلون نسبة تصل إلى ثلث الناخبين المسجلين في بريطانيا. وعلى الرغم من خطورة الانتخابات العامة هذه المرة فإن نسبة الإقبال على التصويت قد لا تتجاوز المتوسط العام للتصويت منذ عام 2015 حتى الآن. هذا يعني أن حوالي 66 في المئة من الناخبين المسجلين فقط من المرجح أن يصوتوا بطرق التصويت المختلفة يوم 12 كانون الأول/ديسمبر.

الاقبال على التصويت

 

في استفتاء عام 2016 بلغت نسبة التصويت حوالي 72 في المئة وهي نسبة مرتفعة ليس من المرجح أن تتكرر في انتخابات 2019. وبسبب النداءات التي وجهتها مفوضية الانتخابات للتسجيل لمن يحق لهم التصويت، فإن حوالي 1.7 مليون ناخب سجلوا أنفسهم فعلا. ومع ذلك فإن نسبة غير المسجلين ترتفع بمرور الوقت بسبب عدم الثقة في الأحزاب وفي النظام السياسي. وتشير بيانات التصويت في استفتاء 2016 إلى أن عدد غير المسجلين تجاوز 18 مليون شخص، أي ما يعادل نحو 28 في المئة ممن لهم حق التصويت، وهو ما يعني أن 62 في المئة ممن لهم حق التصويت لا يشاركون في الانتخابات إما لأنهم غير مسجلين أصلا 28 في المئة، أو لأنهم لا يدلون بأصواتهم 34 في المئة.

وتشير تقديرات مفوضية الانتخابات وجمعية الإصلاح الانتخابي إلى أن نسبة التصويت تنخفض بين الشباب إلى أقل من 50 في المئة وترتفع بين كبار السن إلى أكثر من 80 في المئة. كما إنها ترتفع بين المواطنين البريطانيين البيض إلى أكثر من 80 في المئة وتنخفض بين الأقليات العرقية إلى حوالي 50 في المئة خصوصا بين ذوي الأصول الافريقية والكاريبية، وإن كان يلاحظ أنها ترتفع بين ذوي الأصول الجنوب آسيوية إلى أكثر من 90 في المئة. هذه المؤشرات تعني أن تفضيلات الكتلة الانتخابية النشطة، وليس أغلبية المواطنين، هي التي تقرر نتيجة الانتخابات البريطانية.

الاستنتاج الكبير الذي نخلص إليه، هو أن تأثير الشباب والفقراء من ذوي الثقة المنخفضة في النظام السياسي ليس كبيرا، إما لأنهم إما غير مسجلين، أو لأنهم يمنعون عن التصويت. وهذا ما يضع علامة استفهام كبيرة على جدارة النظام السياسي في الديمقراطيات الغربية، حيث لا يشارك ما يقرب من ثلثي المواطنين الذين لهم حق التصويت في العملية السياسية. ومع انخفاض نسبة مشاركة الشباب عموما تحت 35 سنة، فإن هناك حاجة شديدة لمراجعة حال الديمقراطيات الليبرالية، التي تعاني من أزمة هيكلية حقيقية، يعبر عنها انتشار التيار الشعبوي اليميني، حيث تمثل الكراهية للمؤسسات القائمة، وعدم الثقة في النخبة، والمعاناة من التهميش أهم مصادر قوته.

التصويت التكتيكي

 

بالنسبة للناخب الذي يريد معاقبة مرشح بعينه، يكون التصويت التكتيكي هو الخيار الأرجح، حيث يصوت الناخب لمرشح قادر على هزيمة المرشح الآخر. وسوف يلعب التصويت التكتيكي دورا مهما في الانتخابات الحالية، نظرا لوجود تحالف بين ثلاثة أحزاب على استخدامه ضد كل من المحافظين والعمال. ولا يعتبر التصويت التكتيكي جديدا في الانتخابات البريطانية، إذ لاحظت دراسات ما بعد التصويت، أن نسبة التصويت التكتيكي تدور في العادة حول 10 في المئة لكنها هذه المرة قد تصل إلى 24 في المئة حسب استطلاع للرأي أجرته جمعية الإصلاح الانتخابي.

ومع أن حزب الأحرار الديمقراطيين هو من بادر إلى إعلان تحالف للتصويت التكتيكي بين الأحزاب المؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، فإن حزب بريكست، الذي يتزعمه نايجل فاراج، دخل في صفقة غير مباشرة مع حزب المحافظين، بقراره الامتناع عن المنافسة الانتخابية في 316 دائرة انتخابية فاز بها المحافظون عام 2016. هذا القرار سيمنع تفتيت أصوات المؤيدين للخروج بين الحزبين، مما يزيد من فرص فوز المحافظين. وقد زاد علي ذلك انضمام عدد من نواب الحزب في البرلمان الأوروبي إلى المحافظين.

أما حزب العمال فإنه سيتعرض لضغوط شديدة من داخله ومن خارجه، بسبب غموض موقفه من الاتحاد الأوروبي. ومع ان أغلبية الحزب تؤيد البقاء، فإن عددا مهما من الدوائر التقليدية للحزب صوتت بالأغلبية لصالح الخروج، بما في ذلك بعض دوائر شمال إنكلترا. ومن المرجح في حال انقلاب التصويت لصالح المحافظين بنسبة 7.5 في المئة أن يخسر العمال حوالي 32 مقعدا لصالح المحافظين في شمال إنكلترا، وقد يزيد هذا العدد إذا ارتفعت نسبة التحول في التصويت، ففي إحدى دوائر نيوكاسل فاز العمال في الانتخابات الماضية بأغلبية 30 صوتا فقط، ومن المتوقع ان يخسرها للمحافظين هذه المرة مع إنها أحد المعاقل التاريخية للحزب. انقسام العمال وغموض موقفهم من بريكست وصل إلى درجة أن معظم مرشحي الحزب يديرون حملتهم الانتخابية على أساس الدعوة للبقاء، بينما آخرون يدعون للخروج. ونظرا لان ذلك يحدث في دوائر متقاربة جغرافيا، فإنه سيترك أثرا كارثيا على شعبية العمال في معاقلهم التاريخية، وقد يمثل ذلك بداية انقلاب انتخابي يؤدي إلى إعادة رسم الخريطة السياسية لنفوذ الأحزاب في شمال إنكلترا.

كذلك سيواجه العمال مشكلة كبيرة في دوائر شمال لندن التي فازوا فيها في الانتخابات الأخيرة بأغلبية ضئيلة. ومن المتوقع ان يلعب الصوت اليهودي في هذه الدوائر دورا مهما، مما يزيد من احتمال خسارة العمال فيها. كما سيواجه العمال اختبارا مريرا في دائرة كينزنغتون التي تعتبر معقلا تاريخيا للمحافظين، واقتنصها العمال عام 2017 بفارق 20 صوتا فقط. هذه المرة، من المرجح أن يخسرها العمال.

استطلاعات

استطلاعات الرأي العام ما تزال تشير إلى تفوق حزب المحافظين بنسبة تتجاوز 40 في المئة من الناخبين، مقابل نسبة تدور حول 30 في المئة لحزب العمال، و10 في المئة للأحرار الديمقراطيين. ومع ذلك فإن الأيام التي تفصلنا عن يوم التصويت قد تأتي بمفاجآت غير محسوبة. ومن المرجح أن يخسر المحافظون ما يتراوح بين 15 إلى 20 مقعدا في الدوائر التي فازوا بها عام 2017 غالبا لصالح الأحرار الديمقراطيين في لندن وجنوب انكلترا، ولصالح القومي الأسكتلندي في الشمال. ولذلك فإن معركة وسط وشمال إنكلترا ستكون هي أرض القتال الحقيقية للمحافظين، إذا كسبوها فسيحققون الأغلبية.

ويلعب العامل السيكولوجي دورا مهما كلما اقترب موعد التصويت، وتبدو سيكولوجية الناخب البريطاني حاليا، أكثر استجابة لدعوة الخروج من المأزق الأوروبي، وأقل قبولا لشعارات التغيير وتوسيع دور الدولة. إذا استطاع المحافظون الفوز بأغلبية مريحة، فإنهم سيصبحون في موقف أقوى داخل مجلس العموم يساعدهم على تمرير التشريعات اللازمة لزيادة الإنفاق العام، وتخفيف قيود سياسة التقشف، كما سيعزز أيضا موقفهم التفاوضي تجاه الاتحاد الأوروبي. وإذا فشلوا فإن الأرجح هو تشكيل ائتلاف حكومي يضم العمال والقومي الأسكتلندي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية