ستكون الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في الجزائر الخميس المقبل، محطة حاسمة في السباق الجاري على حكم البلد، بين قيادة الجيش من جهة والحراك، الذي يرفض استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة، من جهة ثانية.
ولم تعرف الجزائر منذ الاستقلال في 1962 انتقالا سلميا وديمقراطيا للحكم، في إطار تداول منظم وخاضع لميقات دستوري. فالرئيس الثاني هواري بومدين انتزع الحكم بالقوة من الرئيس الأول أحمد بن بللة، بواسطة انقلاب أبيض، وحبسه ليستأثر بعد ذلك بجميع المناصب العليا. ولما توفي بومدين في 1978، اختار الجيشُ من خلال الحزب الواحد “جبهة التحرير الوطني” العقيد الشاذلي بن جديد خلفا له، بوصفه أعلى ضباط الجيش رتبة. وعندما أجبر بن جديد على الاستقالة، بعد الانتخابات التي فازت بالشوط الأول منها “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” في 1992، جاء الجيش بأحد قادة حرب التحرير، محمد بوضياف، من منفاه بالمغرب وسماه رئيسا، قبل أن يغتاله أحد حراسه في عملية مُدبرة للتخلص منه.
من زروال إلى بوتفليقة
وبعدما تولى مجلس رئاسي قيادة الدولة مؤقتا، أمكن انتخاب وزير الدفاع اليمين زروال رئيسا، في 1997 في انتخابات غابت عنها الشفافية وتكافؤ الفرص بين المرشحين. غير أن الضابط الصارم زروال ما لبث أن استقال رافضا أن يكون رهينة بين أيدي المخابرات العسكرية. وغرق البلد مجددا في أزمة سياسية، لم تنته إلا مع انتخاب عبد العزيز بوتفليقة، الساعد الأيمن لهواري بومدين، رئيسا في العام 1999 بعدما انسحب منافسوه الستة احتجاجا على انعدام شروط الشفافية والتكافؤ. ثم أعيد “انتخابه” لأربع ولايات متتالية، في خرق للسقف الذي حدده الدستور للولايات الرئاسية، فكان بذلك أطول الرؤساء الجزائريين مكوثا في سدة الحكم (عشرون سنة).
حاول بوتفليقة استمالة المؤسسة العسكرية وتفكيك نفوذها السياسي بتقريب الموالين وإبعاد غير المنسجمين، فعين اللواء أحمد قايد صالح (79 عاما) قائدا للجيش في عام 2004 ثم مساعدا لوزير الدفاع، وهي الوزارة التي كان يتولاها بوتفليقة شخصيا. ومع إصابة الرئيس بجلطة دماغية أقعدته عن الحركة اعتبارا من 2013 بات قايد صالح شخصية محورية في النظام. وزاد دوره أهمية مع إعلان بوتفليقة اعتزامه الترشيح لولاية خامسة، في الانتخابات التي كانت مقررة ليوم 18 نيسان/ابريل الماضي، إذ أعطى مباركة الجيش للولاية الخامسة.
لعنة الولاية الخامسة
على هذه الخلفية اندلعت مسيرات شعبية سلمية في العاصمة ومدن عدة، بمشاركة مئات الآلاف من الغاضبين، احتجاجا على ترشيح بوتفليقة، الرجل المُقعد والبالغ من العمر 82 عاما، لولاية خامسة، وهو ما رأى فيه الجزائريون ضحكا على عقولهم واستفزازا لمشاعرهم. وكانت المسيرات تُطالب، منذ البداية، بما هو أبعد من تنحية بوتفليقة، إذ كان الشعار المشترك على اللافتات وفي المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، هو رحيل “النظام” بأكمله. لذلك أعلن رئيس أركان الجيش، في 26 آذار/مارس الماضي، عن ضرورة تطبيق المادة 102 من الدستور، التي تُجيز إقالة الرئيس بسبب اعتلال صحته. وأتى ذلك الموقف إذعانا لإرادة المتظاهرين، وتجسيدا للشعار المتداول في ميادين الربيع العربي: “الشعب يريد”. وكانت إرادة الشعب، مثلما عبر عنها المتظاهرون يوم الجمعة التالي، هي رحيل جميع رموز النظام، إذ كتبوا على اللافتات “المادة 102 هي نصف الاجابة، وعلى العصابة أن ترحل بأكملها”.
من هنا كان قرار الفريق صالح بالتخلي عن رئيسه، وإعلانه أن الجيش “منحاز” لتطلعات الحراك الشعبي، مؤشرين على الاعتراف بضرورة اتخاذ إجراءات جذرية لإنقاذ النظام، ففي يوم استقالة بوتفليقة، تم إلقاء القبض على رجل أعمال بارز، مرتبط بمجموعة سعيد بوتفليقة، الشقيق الأصغر للرئيس، الذي كان يتمتع بنفوذ واسع، كما صودرت جوازات سفر آخرين، ومنعوا من مغادرة البلاد، قبل أن يُحالوا على المحاكم بتهمة الفساد.
محاولات الاحتواء
لم تكن قيادة الجيش ولا السياسيون يتوقعون أن تتحول الاحتجاجات في الشوارع، إلى سيل جارف لا يمكن احتواؤه ولا كسرُهُ بالقوة، مع تكرار المسيرات الحاشدة كل جمعة. لذا اضطر قائد الجيش إلى الاعلان عن حلول رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح، محل بوتفليقة المستقيل، رئيسا مؤقتا، إلى حين إجراء انتخابات رئاسية. وشكل هذا القرار ضربة قوية للمربع المحيط ببوتفليقة، سواء من الدائرة الأسرية أم من رجال الأعمال الفاسدين. وفي السياق انطلقت حملة اعتقالات لرموز الفساد في النظام، لم تستثن سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس، ومحمد مدين قائد المخابرات العسكرية السابق، المعروف بالجنرال توفيق، ورئيسي الحكومة السابقين عبد الملك سلال وأحمد أويحيى.
كانت تلك الاعتقالات، وما أعقبها من محاكمات، مؤشرا على ضرورة اتخاذ إجراءات جذرية لإنقاذ النظام، فيما خطط الرجل القوي قايد صالح لتوجيه الحركة الاحتجاجية نحو القبول بإصلاحات لا تقوض بنية المنظومة التي تشكلت عند الاستقلال، وحكمت البلد على مدى خمسة عقود، بُغية الابقاء على الدولة في قبضتها.
خمسة مرشحين
من هنا تم تحديد ميقات لإجراء انتخابات رئاسية في 12 الجاري، لن يشارك فيها سوى خمسة من المنتمين للنظام السابق، في فترات مختلفة، وهم رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، الذي تولى أيضا منصب الأمين العام لحزب بوتفليقة (جبهة التحرير الوطني)، ورئيس الحكومة الأسبق عبد المجيد تبون، ووزير الثقافة السابق عز الدين ميهوبي، إلى جانب عبد العزيز بلعيد، وهو أحد كوادر جبهة التحرير، وعبد القادر بن قرينة المُقرب من التيارات الاسلامية. واعتُبر الاتجاه إلى انتخابات، لم يطلبها قادة الحراك، محاولة من الجيش للمحافظة على دوره المحوري في الدولة، من خلال المجيء برئيس جديد، تستخدمه المؤسسة العسكرية واجهة مدنية لها.
وبينما رحب بعض المتظاهرين بإقدام الجيش على تنظيم انتخابات رئاسية، ارتفعت أصوات أخرى كثيرة في المسيرات، لتقول إن “مكان الجيش في الثكنات”، في رفض واسع النطاق لمحاولة المؤسسة العسكرية السيطرة على مسار الانتقال الديمقراطي. وكان الاتحاد العام للعمال وتنظيمات أخرى قريبة من الدولة العميقة، في مقدم الداعين للمشاركة في الانتخابات، بمسيرة ساهمت وزارات عدة في نقل المشاركين فيها مجانا، من مناطقهم الداخلية إلى العاصمة. ولوحظ أن من بين “المتظاهرين” سفير الصين لدى الجزائر.
من هذه الزاوية حذر الباحث الأكاديمي طيب ولد لعروسي من “مساعي الدولة العميقة لإفشال الحراك” قائلا إنها “ستفعل أي شيء عن طريق أساليب التخوين والتخويف، وأن النظام سيحاول الإبقاء على قبضته في الحكم من خلال المجيء برئيس يستخدمه كواجهة” مشيرا إلى أن رجال الأعمال والمسؤولين “الذين سيطروا (على الاقتصاد) على مدى 20 عاما، لن يتراجعوا بسرعة إلى الوراء”.
نقلات اجتماعية وسياسية
من هنا فإن هذا الحراك بعمقه وطول نفسه وآفاقه الواعدة، يمهد لنقلات اجتماعية وسياسية كبيرة قد تُخلخل أسس الدولة العميقة، وتُحلُ محلها تدريجيا نظاما ديمقراطيا، أسوة بالتجارب الانتقالية التي عرفتها أوروبا الشرقية والوسطى، والتي يُعتبر النظام الجزائري مقتبسا منها. وهناك مؤشرات كثيرة إلى أن الحراك لن يهدأ بعد الانتخابات، وسيستمر بالزخم نفسه. ومن تلك المؤشرات الوعدُ الذي قطعته زبيدة عسول، إحدى ناشطات الحراك، بأنها ستكون مع رفقائها يوم 13 الجاري في الشارع مجددا، أي بعد يوم واحد من الانتخابات الرئاسية، في رسالة للسلطات مفادها أن الحراك لن يتوقف بعد الانتخابات، أيا كانت النتائج.
بالمقابل حض الفريق قايد صالح على المشاركة في الانتخابات الرئاسية، وحمل بقوة على البيان الذي أصدره الاتحاد الأوروبي، مُنتقدا انتهاج القوة في التعاطي مع الحراك، لكي يلعب على المشاعر الوطنية، قائلا في خطاب ألقاه من وهران “سيعرف الشعب الجزائري كيف يَرُدُّ على هؤلاء المتربصين به والمتآمرين على وطنه، من خلال إقباله بقوة على صناديق الاقتراع لاختيار رئيس للجمهورية بكل نزاهة وحرية وديمقراطية”. وهنا تكمن أهمية الاستحقاق الانتخابي، إذ أن الرهان الأساسي هو هل سيُقبل الجزائريون على مراكز الاقتراع أم سيهجرونها؟ وأيا كان الفائز من المرشحين الخمسة، فإذا كانت نسبة الاقبال تافهة وغير جديرة بالاعتبار، سيقلب جمهورُ الحراك الطاولة على القيادات السياسية والعسكرية للنظام، وبذلك تدخل الجزائر برمتها في مسار جديد، لن تتبوأ فيه الدولة العميقة (أو ما تبقى منها) المكانة نفسها التي حظيت بها على مدى ما يقارب نصف قرن.
تحديات اقتصادية وتنموية
يتنزل هذا السباق بين الحراك والنموكلاتورا الحاكمة (النخبة الحاكمة) في سياق وضع اقتصادي متدهور، ومرشح لمزيد من التراجع. ويقول خبراء اقتصاديون إن الانتفاضة السلمية ليست بعيدة عن ملف النفط، فقد ظهر اسم مجموعة النفط الوطنية “سوناتراك” في الشعارات التي رفعها الحراك ضد الفئة الحاكمة. وتعتبر “سوناتراك” العامود الفقري لاقتصاد البلد، غير أن كثيرا من مدرائها ومن وزراء النفط في عهد بوتفليقة، دينوا بالفساد، ويمثل بعضهم حاليا أمام القضاء.
ويتميز باطن الأرض في الجزائر بتنوع الثروات الطبيعية، وخاصة منها مصادر الطاقة، بما يمكن أن يُوفر العيش الكريم والرفاه لأهلها. وهي تتبوأ الرتبة الخامسة عشر بين البلدان التي تملك أكبر احتياطات نفط مؤكدة بـ12.2 مليار برميل. إلا أن الحُكام هم الذين جمعوا ثروات طائلة، على مدى العقود الماضية، فيما بقيت الغالبية تعاني من صعوبة العيش، وخاصة الشباب، وبالأخص خريجو الجامعات العاطلون عن العمل. فبالرغم من موارد البلد الخصيبة، من النفط والغاز، تؤكد الاحصاءات الرسمية أن شابا من أصل كل ثلاثة شباب جزائريين لا عمل له.
ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، منذ العام 2014، سيترك آثارا سلبية على الوضع العام، مما يجعل الرئيس الذي سيفوز في انتخابات الخميس المقبل، أمام تحديات اقتصادية واجتماعية من الصعب السيطرة عليها.
من هم المرشحون الخمسة؟
علي بن فليس من مواليد باتنة (شرق) سنة 1944. محام شغل منصب وزير العدل، ثم ترأس الحكومة في عهد بوتفليقة من 2000 إلى 2003 قبل أن ينضم إلى المعارضة ويُنافس بوتفليقة في انتخابات 2004 و2014.
عبد العزيز بلعيد من مواليد باتنة سنة 1963. طبيب، ترأس الاتحاد العام للطلاب من 1986 إلى 2007. انضم للبرلمان على قائمات حزب جبهة التحرير على مدى دورتين. ثم غادره ليؤسس حزب “جبهة المستقبل” في 2012. ترشح للانتخابات الرئاسية في 2014.
عز الدين ميهوبي من مواليد عين الخضراء (شرق) سنة 1959. أديب وشاعر ووزير سابق للثقافة. تقلد عدة مناصب إعلامية من بينها مدير الاذاعة ثم مدير المكتبة الوطنية، فرئيس المجلس الأعلى للغة العربية. سياسيا يشغل منصب نائب رئيس “التجمع الوطني الديمقراطي” الذي يقوده أحمد أويحيى.
عبد المجيد تبون من مواليد مشرية (جنوب غرب) سنة 1945. شغل منصب رئيس الوزراء في أواخر عهد بوتفليقة وتم عزله بعد أقل من ثلاثة أشهر من تسميته على رأس الحكومة. كما شغل قبل ذلك منصبي وزير الجماعات المحلية ووزير السكن والعمران. ينتمي إلى حزب بوتفليقة (جبهة التحرير الوطني).
عبد القادر بن قرينة من مواليد ورقلة (جنوب) سنة 1962. رئيس “حركة البناء الوطني”، التي تنتمي إلى التيار الإخواني، غير أن الأحزاب الاسلامية لا تدعمه. شغل منصب وزير السياحة.