ثورات الوعي الخالص

حجم الخط
0

الملاحظ أن الثورات العربية الحالية، هي ثورات وعي خالص بامتياز. بمعنى أنها قامت وولدت قيصريا بسبب الاستبداد الشديد ووصول الحالة الإنسانية إلى مرحلة لا يمكن معها استمرار النفس البشرية في التعايش مع الظروف فاستوى بالتالي عندها الرحيل والبقاء، وهي نقطة تعادل بقاء الروح أو خروجها على خط سواء. لذلك الحديث والمؤشرات على إرتدادات وعراقيل وتراجعات واردة بلا شك، لأن الوعي وحده لا يستطيع أن يدفع أكثر من ذلك، لا يستطيع أن يستمر وعيا خالصا يلتزم بقيم خالصة، ثمة فرق بين الوعي الخالص والوعي الممارَس، الأخير أكثر ثبوتا من الأول وأكثر تأسيسا منه. الثورات عادة قامت على الوعي الممارس وليس الخالص، فالوعي الخالص وعَي رسولي يأتي بة الانبياء والرسل، أما الوعي الممارَس فتأتي به الشعوب والمجتمعات. ثوراتنا وعي رسولي بلا نبوة أو رُسل لذلك مهمتها عسيرة وشاقة والمحافظة على قوة دفعها وتقدمها إلى الامام أكثر مشقة وصعوبة. الوعي الممارس يكون نتيجة لتحولات في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية تتلوهما ثورة مؤسسة على رؤية جديدة كخلاصة لهذه التحولات قد يرتد المجتمع ولكن لا يتراجع وانما هي اشبه بالتوازن المطلوب لأن التغييرات السابقة للثورة ذاتها أسست لاستمرارها وثبوتها كما حكى لنا التاريخ عن نمو البرجوازيات الوطنية والطبقة الوسطى ودورها ووما إلى ذلك من أدبيات الثورات التاريخية الكبرى. وهو ما نفتقدة فيما حولنا اليوم من ثورات لذلك نرى المعالجات والتوسطات ومحاولات التوافق تقوم على تعديل شروط الوعي الخالص لسبب بسيط كونه لايقوم على تحولات حقيقية في البنية الاقتصادية والاجتماعية تجعل منها ‘أي هذه التحولات’ أساسا مكاسب غير قابلة للتراجع. فالحديث اليوم والخوف من بقايا النظام خوف مشروع وحقيقي لأن البنية لا تزال موجودة، والدليل صعوبة الرؤية السياسية وضبابيتها للدولة القادمة في كل من مصر وتونس فما بالنا بالغير، لو أن الثورات ثورات وعي ممارس لوضحت الرؤية السياسية ولتشكلت ملامح الدولة مبكرا، لا يزال هناك من يخاف الارتداد للدولة الدينية عندما يختطف الدين الوعي الخالص ويعمل على تديينه، لا يزال هناك من يخشى من العودة إلى الطائفة والعائلة والقبيلة لأن استمرار الوعي خالصا دون تشكل أمر قد يستحيل، لان الوعي الخالص أساسا لحظة تاريخية لها شروطها ترنو بنظرها إلى بؤر وقيم إنسانية مثالية تقوم على قوة الدفع ولا ينقصها التماسك مع الوقت. الصعوبة التي ستقابلنا كيفية إرساء الممارسة بعد الوعي ونتيجة لشروطه وهي حالة استثنائية رسولية كما سبق وأن أشرت. يبدو أن هذة المنطقة لها خصوصية دينية ليس فقط في كونها مهبط الاديان ولكن حتى في طريقة خلاصها من الاستبداد هذا على افتراض أن الاستبداد هو الأصل وأن الثورة هي الاستثناء.

عبدالعزيز الخاطر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية