يقول حسنين هيكل في مقابلة له على السي بي السي الفضائية، … وهنا اقتباس حرفي: « نحن نقمع الصبا، كيف يمكن أن أتخيل طفلا في الرابعة عشرة من عمره خائفا من عذاب القبر، وكَيف بعد هدى شعراوي نرى النقاب «.
وفيما يخص عذاب القبر والخوف، وعلى سبيل المثال للحصر، كَيف يمكن أن نرى الحجاب على الفتيات اللواتي لم يتجاوزن الثانية عشرة والثالثة عشرة، كَيف نقوم بلفت أنظارهن مبكراً إلى أنهن بما هنَّ عليه « إناث « أنهن، يُشكلن خطأً فادحاً يجب تغطيته، ويجب أن يُستر.
وما النتائج المترتبة على هذا الأمر؟ وربما تكون النتائج، تتجاوز الشعور بالخلل الظاهري، إلى الوصول إلى خلل داخلي، يتمثل في انكفاء الطفلة على ذاتها، في تقييد حركتها وخروجها، في تقييد حركتها العقلية في التفكير فيما يمكن وفيما لا يمكن فعله أو التفكير فيه.
أن تنتبه إلى ثدييها، إلى جسدها، أن تنتبه وأن تبقى مركزة في الإنتباه إلى هذا العالم الذي تم إقحامها فيه عنوةً عنها، ولم يكن إقحاماً إيجابياً بقدر ما هو سلبي سينعكس على طفولتها وعلى شبابها أيضاً.
وماذا عن الطفل الخائف من عذاب القبر؟ يقول لي أحد الأصدقاء، أنه في إحدى الليالي في بيته، أتت إليه أخته الصغيرة، وهي خائفة ومرتعبة، وكان السبب وراء هذا الخوف الذي سبب لها عدم النوم والفزع، هو نار جهنم! إذ كانت المعلمة في مدرستها، تحدث هذه الطفلة الصغيرة وزميلاتها عن نار جهنم، والعذاب، وعن تعليق النساء وسلخ جلودهن، وعن احتراق الرجال وتمزقهم.
كان سؤال صديقي مباشرة: من أخبرها عن هذه التفاصيل؟ هل ذهبت إلى هناك؟ وكيف وبأي حق تجعل مخيلة الأطفال تمتلئ بهذه الصور البشعة عن نار جهنم، ، هل هذا ما يلزم الأطفال من الدين؟ لدي جملة واحدة في هذا السياق الخاص في الأطفال، أوجهها لكل من له شأن في هذا السياق، ارفعوا إيديكم وأفكاركم الدينية عن الأطفال، وهذا الكلام، موجه للجميع، بدءًا من القنوات المخصصة للأطفال، من طيور الجنة وغيرها ( إذا متم فأنتم طيور في الجنة! هذا اسم قناة تلفزيونية مخصصة للأطفال) ( أو لما نستشهد بنروح الجنة.
لماذا يجب دائماً أن نتحدث عن الموت؟ وماذا سيحدث لو لم نستشهد؟ سنروح النار مثلاً؟ ! )، ومن الجيد الإشارة إلى أن هذه القنوات، دعمها الأساسي وقوت يومها التلفزيوني من دول ترعى نشر الفكر الديني الخاص بها على قدم وساق وأينما كان.
ولن أقوم بتوجيه رسالة إلى المدارس، أو إلى الحكومات أينما كانت، إذ أني أعلم أن هذه الحكومات تجعل من الخوف وسيلة لحفظ أمنها، ليس فقط الخوف من الله، أو من الدين، أو من نار جهنم، بل من نار السجون، و ( العصي والأدوات المستخدمة في ضرب الأطفال في المدارس )، التي تلتهب بها مدارسنا.
هذا ليس حديث عن التربية، بل هو حديث عن الخوف المستشري أينما كان ، الخوف يتسلق أبوابنا، وينفذ إلينا من نوافذ بيوتنا، ويتسلل في الليل إلى أجسادنا حين نطالعها أمام المرآة، فيلجأ المراهقون إلى الأفلام الإباحية، التي تجعلهم مشمئزين من أنفسهم في نهاية الأمر، إن الجنس هو إحدى هبات الله للحكومات العربية، فمنه ومن خلاله، جعلت الحكومات العربية تبثُّ فيه وعنه الخوف، والتحريم والتحليل، وجعلته أداتها في ابتزاز المساجين، وفي اقتلاع الإعترافات منهم، وجعلته مرضاً يستشري في المجتمعات العربية، لأنه أمرٌ حرامٌ في العلن، وحلالٌ في السر.
العلاقات الجنسية المتعددة الأشكال والأنواع تلتهم المجتمعات العربية، فهي مبُاحة جداً في السر، ولكنها في العلن، أمر مشين. وهو مؤجل، مؤجل الحديث فيه، ومؤجل الكلام فيه، ومؤجل معالجته في المدارس والنوادي الثقافية والتربوية.
كل شيء في هذه البلاد مؤجل، ولذلك، تتراكم نتائجه السلبية، وتتراكم بواعث القلق من أن نكون مرضى فيه ومنه. ولنعد للخوف وللقمع المرافق للخوف.
إن بنية المجتمع السلطوية الذكورية، تجعل من التخويف والقمع، مسألة تراتبية، فهي تبدأ من هرم السلطة السياسية، لتنتقل إلى الأجهزة الأمنية والبيروقراطية المسؤولة عن إدارة شؤون الدولة وشؤون القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني ومؤسساته ثم تنتقل إلى البيوت والأسرة في نهاية المطاف. تخويف فتخويف فقمع فتخويف. ماذا سنجد في النهاية؟ ربما، سنجد داعش أو وجدناها وانتهينا.
لقد قمعنا كل شيء، المُصلح الديني قبل المتطرف الديني، خرج نصر حامد أبو زيد، فتم تكفيره وحمت الدولة المصرية من قام بتكفيره، ثم وضعت من قام بتكفيره في السجن وقمعته هو أيضا، ليس لأجل حامد أبو زيد، بل من أجل نفسها. فقمع المصلح، وقمع المتشدد. فزاد التطرف، وهرب المصلح ومات في هولندا.
وماذا قمعنا أيضاً؟ قمعنا المرأة، وقمعنا الفلاح، وقمعنا الفقير، وبقيت هنالك في قمة الهرم، النخبة المتلبرلة التي تعتقد أنها قادرة على وصف نفسها بالنخبة المثقفة. وهي قريبة من كل شيء عدا الثقافة.
ماذا تتوقعون من عقود وعقود من القمع؟ ربما لديكم إجابات كثيرة، ولكن في نهاية المطاف، وجدنا أن بقعة من أرض العراق وسوريا، عادت في ليلة وضحاها ألف و 400 عام إلى الوراء على يد داعش.
وسأختم هذا المقال، بفقرة صغيرة مقتبسة من كتاب سأخون وطني، لمحمد الماغوط يقول فيها: « ثم هل هناك أولاً وأخيرا، من يدلني بطرف أصبعه على جذور الخوف من الحرية، وفي أي غابة؟ وفي أي حرش؟ من يرويها ويسمدها كالزنبق ، لأذهب إليها وأرعاها كالماعز الجبلي».
أنس حسونة ـ رام الله ـ فلسطين