فايننشال تايمز: بعد اكتتاب أرامكو هل يستطيع بن سلمان تطوير الاقتصاد ؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده سايمون كير وأندرو إنغلاند وأنجلي رافال عن معنى اكتتاب شركة أرامكو في السوق العام وأثره على الإصلاح في السعودية. واشار التقرير لاجتماع عقده مصرفيون دوليون مع الأمير محمد بن سلمان، قبل أن يصبح وليا للعهد عام 2016 حيث حضر اجتماعا في فندق ريتز كارلتون الذي كان مسرحا بعد عام لعملية اعتقال جماعي نظمها الأمير نفسه ضد الأثرياء والأمراء من العائلة المالكة.
ووصف مصرفي حضر الاجتماع الجو بالحماسي خاصة أن السعودية قررت عمل ما لم تعمله دولة خليجية أخرى وهو فتح حسابات أهم شركة للمستثمرين الدوليين. وقال مدير مالي إنهم كانوا جالسين على “أكبر طاولة شاهدها في حياته”، وكان جزءا من مجموعة مصرفيين جاءوا لمناقشة دور في طرح 5% من أسهم الشركة التي قيمها السعوديون بتريليوني دولار. وقال إن “بعض الأشخاص كانوا متشككين، ولكنني قلت ماذا؟ علينا التركيز على الإيجابيات”. وبعد ثلاثة أعوام مضطربة قررت الرياض المضي بالفكرة ولكن على قاعدة أصغر، ووضع نسبة 1.5% بناء على تقييم 1.7 تريليون دولار في السعودية حيث أدى التداول الذي بدأ الأربعاء إلى جمع 25.6 مليار دولار وبمشاركة محدودة جدا للمستثمرين الأجانب.
واعتبرت الخطوة علامة مهمة على الطريق ودليلا على أن محمد بن سلمان ماض في خططه لتحديث الاقتصاد والبلاد. وبالنسبة للممولين الذي بذلوا جهودا في العملية منذ عام 2017 فالمزاج كان يشير لحالة إحباط وذهول بعد اكتشاف أن الأجور التي سيحصلون عليها من الطرح العام لن تحدث. وقال مصرفي كبير “لا يقومون بعمل ما قالوا إنهم يريدون عمله وهو جذب المال الأجنبي” مضيفا “ليست هذه صفقة حقيقية، ولكنها سياسية”.
وتقول الصحيفة إن اكتتاب أرامكو هو مجاز عن الرحلة الصاعدة والهابطة للسعودية منذ أن عزز محمد بن سلمان سلطته وهز المملكة بطريقة لم تشهدها منذ إنشاء جده الملك عبد العزيز لها قبل 86 عاما. وهي قصة بدأت بطموحات عالية وشكوك. والآن وقد اقتربت المرحلة الأولى من رؤية 2030 للإصلاح من نهايتها في ظل الأهداف الإقتصادية الضائعة وتأجيل الأهداف مما يكشف عن تناقض ظاهري في ضوء الإصلاحات الاجتماعية والديكتاتورية المتزايدة. وهو وضع أثار سردان متناقضان واحد متفائل داعم لولي العهد وآخر متشائم يرى أن سياسات الأمير القاسية تزيد من الأضرار أكثر من الفوائد.
وقال مدير تنفيذي إن ما يجري في السعودية هو تعبير عن “طموحات صحيحة ومدخل خاطئ”. وأضاف “عندما تحاول عمل الكثير في وقت واحد تنتهي بدون أي إنجاز. وهناك مئات الأشياء التي يجب أن تذهب لسموه مما يخلق مناخا من العمل المتزايد والجمود”. ومن هنا كان الأمير حريصا على إكمال اكتتاب أرامكو بسبب غياب التقدم الاقتصادي، وهو بحاجة إلى انتصار. وقال مدير أجنبي بزبائن سعوديين “قبل اكتتاب أرامكو كان هناك نوع من الخيبة بشأن المشاريع التي لم يؤدي أي منها لنتائج واقتصاد في وضع سيء. وتساءل الناس: ماذا حدث لرؤية 2030”. وباكتتاب أرامكو “يمكنهم القول إنهم فعلوا شيئا وأنهم يقومون بعمل شيء”. وتقول الصحيفة أن تحولات حدثت لم يكن أحد يتوقعها، مثل السماح للمرأة بقيادة السيارة وإلغاء قانون الوصاية ورفع الحظر عن سفرها بدون إذن الولي وفتح دور السينما وقوانين للإفلاس وملكية الأجانب والرهن العقاري. وقامت الحكومة باتخاذ القرارات الصعبة من إلغاء الدعم على الوقود. وعندما قررت أرامكو تقديم تفاصيل عن حساباتها هذا العام كان لحظة “مدهشة” في منطقة لم يكن فيها الكشف عن التفاصيل الدقيقة معروفا. ولكن النتائج الإيجابية تغلبت عليها السلبية من قتل الصحافي جمال خاشقجي وتقطيعه العام الماضي وحملة اعتقال رجال الأعمال قبل 11 شهرا. ففي هذه الحملة تم سجن 300 رجل أعمال وأمير بفندق ريتز كارلتون. مما هز ثقة رجال الأعمال بالحكومة وسياسات التقشف والتأخر في دفع الفواتير المستحقة عليها. كما أن القمع وملاحقة الصحافيين والناشطين والمدونين عزز الفكرة أن السعودية أصبحت ديكتاتورية في ظل محمد بن سلمان أكثر من أي وقت. ومنعت الحملات النقاش حول مزايا طرح أرامكو أو السياسات الحكومية في مجال التقشف. وبالتأكيد لم يتدفق المال الأجنبي الذي راهن عليه بن سلمان لكي يحقق من خلاله المشاريع التحديثية. وانخفض حجم الإستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.4 مليار دولار عام 2017 وإلى 3.2 مليار دولار عام 2018 حسب بيانات الأمم المتحدة. وهذا نصف المبلغ الذي تم تأمينه في عام 2016. وفي الوقت نفسه زاد الاستثمار الخارجي بنسبة الضعف إلى 21.2 مليار دولار في الفترة ما بين 2017- 2018. وهذا انعكاس للنفقات التي تقوم بها مؤسسات الدولة مثل هيئة الاستثمارات العامة، الصندوق السيادي والمؤسسات الخاصة التي تحول المال من داخل المملكة إلى الخارج.
وقال مدير تنفيذي يعرف بالوضع السعودي “كان بإمكانه استخدام طاقة الأمل بدلا من طاقة الخوف ولم يحط نفسه برجال يقولون نعم. وكان بإمكان القطاع السعودي الخاص تجميع ما بين 200- 300 مليار دولار وما كان ناقصا ليس رأسمال لكن الثقة” وأضاف معبرا عن مظاهر قلق رجال الأعمال السعوديين “رأينا اصدقاءنا يجرون إلى ريتز وشاهدنا فواتيرنا لم تدفع ويقولون الآن علينا الاستثمار”. ويعترف السعوديون بارتكاب أخطاء لكنهم يقولون إنه تم تجاهل ما قام به الأمير محمد بن سلمان من مواجهة نظام اقتصادي غير مستدام قائم على البترودولار.
وقال مسؤول سعودي بارز “لا جدال أننا مررنا بمرحلة صعبة للوصول إلى ما وصلنا إليه وكانت أصعب مما توقعنا”. وأضاف أن الحكومة تقوم بالعمل على تحقيق الأهداف في وقت يتم فيها الحكم عليها. وتشير الصحيفة أن انهيار أسعار النفط والعجز في الميزانية دفع إلى خطة التحول الوطني عام 2016 التي هدفت لتخفيض مستوى البطالة من 11.6 إلى 9% وخلق أكثر من 450.000 وظيفة جديدة في القطاع الخاص وزيادة الموارد من القطاعات غير النفطية وتخفيض رواتب العام من 45% إلى 40% بحلول عام 2020. ومن الواضح أن معظم الأهداف غير واقعية حيث تم تعديل خطة التحول الوطني وتأجيلها لعشرة أعوام. ولكن الميزان اليوم يبدو مختلفا ودور الحكومة أصبح سائدا أكثر من ذي قبل. ولا تزال نسبة البطالة 12.2% بعدما زادت إلى نسبة 12.9% العام الماضي. وزادت فاتورة الرواتب إلى 50% من النفقات العامة. ويتوقع أن يزيد العجز في الميزانية بـ 50 مليار دولار العام المقبل أي ضعف ما تم جمعه من اكتتاب أرامكو. وزادت الدولة من الموارد من خلال فرض ضريبة القيمة المضافة وضريبة إقامة على الأجانب، وكانت هذه مضرة في الأعمال التي تعتمد على العمالة الأجنبية. ورغم ترحيب الإقتصاديين بخفض الدعم عن الوقود إلا أنها أضافت كلفة على الشركات وقللت من الطلب. وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته للناتج القومي العام هذا العام إلى 0.2% بسبب انخفاض أسعار النفط. ومن النجاحات التي تحققت هو رؤية المرأة أكثر في سوق العمل لكن الطموحات تظل قليلة ولم تتحقق. وتشير الصحيفة إلى أخطاء محمد بن سلمان الذي حاول منع تضمين أي شيء سياسي في حساب المخاطر المتعلقة بطرح أرامكو في الدليل الخاص بالإكتتاب. وعبر المسؤولون السعوديون عن غضبهم من حديث المستثمرين الدوليين أن الطلب على الإكتتاب يعتمد على تقييم للشركة أقل من 1.5 تريليون دولار. وأشارت الصحيفة أن ما تعبر عنه قصه أرامكو أن التغير يحصل في السعودية. ونقلت ما قاله عبد الرحمن الراشد أن السعودية ليست بحاجة لبيع أي سهم من الشركة والتغير يحصل في كل مجالات الحياة بالمملكة. ومع ذلك فالحكم لا يزال لم يصدر عن أثر تخفيض مستوى اكتتاب أرامكو. وقال مصرفي في الخليج “مقل الأموال ( السعودية) من مكان إلى آخر وما يقلقني هو أنها ستستخدم للإستثمار في الخارج مثل سوفت بانك مع أنه يجب استخدامها لخلق القطاع المحلي”. وكل شيء يعتمد على هيئة الإستثمار العامة التي سينقل إليها كل عائدات اكتتاب أرامكو وأصبحت أداة شخصية بيد محمد بن سلمان للإصلاح. ويدير الهيئة ياسر الرميان المقرب من ولي العهد والذي حل محل خالد الفالح كمدير لأرامكو. وأوكلت إلى الهيئة بمهمة إنشاء صناعات محلية والإشراف على مشاريع كبرى مثل نيوم التي ستكلف 500 مليار دولار. واستثمرت 45 مليار دولار في سوفت بانك الياباني. إلا أن دورها مثير للجدل ويقول الداعمون لها إن عليها تطوير صناعات جديدة بالقطاع الخاص، فيما يقول نقادها إنها تزاحم القطاع الخاص وتزيد من سيادة الدولة. وقال رجل أعمال سعودي إن “هيئة الإستثمار العامة تشفط كل الهواء” من القطاع الخاص. وما يتفق عليه النقاد والمؤيدون هو أمر واحد، فبعد اكتتاب أرامكو فالمرحلة القادمة ستكون بمثابة امتحان لمحمد بن سلمان وإن كان قادرا على تنمية الإقتصاد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية