أنطاكيا – دير الزور – «القدس العربي»: بعد نهاية المعارك بين قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مدعومة بالتحالف الدولي، وبين تنظيم الدولة في شهر آذار/مارس من العام الحالي، الذي تحصن فيما يعرف بــ «جيب هجين» والذي يتكون من مناطق: مدينة هجين وبلدات السوسة والشعفة والباغوز، لا يزال الدمار الواسع يهيمن على المشهد، وباتت غالبية تلك المناطق عبارة عن ركام، بعد أكثر من سنة من المعارك والقصف المتبادل بين الطرفين.
وحسب سكان محليين تحدثت إليهم «القدس العربي» ، فإن أغلب الخدمات متوقفة، ولم يبذل المجلس المدني التابع لـ»قسد» جهوداً كافية لإزالة عشرات الجثث المتحللة من تحت أنقاض المباني المدمرة والتي يعثُر عليها الأهالي بين فترة وأخرى وتعود لمدنيين وعناصر من تنظيم الدولة، كما ان الألغام لا زالت منتشرة بكثرة، تحصد الأرواح كل فترة، فعدد من المدنيين وغالبيتهم من الأطفال، يتعرضون لانفجارات الألغام، وكما هو معلوم فإن عناصر تنظيم الدولة كانوا قد زرعوا مئات الألغام في المنطقة إبان المعارك مع «قسد»، جزء من تلك الالغام أزالته وحدات الهندسة التابعة لقوات «قسد»، بينما بقيت العشرات منها تحت الأنقاض وفي البادية.
أما أكوام القمامة فباتت أشبه بالجبال في هجين والشعفة والباغوز والسوسة، كل تلك العوامل إضافة لتلوث الجو والمياة نتيجة «حراقات النفط»، ادت لانتشار وباء «اللاشمانيا» في المناطق المذكورة، حيث سجل لغاية اليوم ما يقارب سبعة آلاف حالة إصابة باللاشمانيا وغالبية المصابين من الأطفال، بحسب الناشط زين العابدين العكيدي، الذي يؤكد ان الإصابة باللاشمانيا ليست مقتصرة على هذه المناطق في الريف الشرقي لدير الزور، فقد انتشرت كذلك في بعض مناطق ريف ديرالزور الشمالي في مدينة الصور وبلدات وقرى الرويشد والعزبة ومعيزيلة وعضمان وكشة، وجميع هذه المناطق لا يوجد فيها أطباء جلدية، ولا أي منظمات تقدم العلاج، وسبب انتشار اللاشمانيا هو تلوث المياه التي يتم بيعها عبر الصهاريج في القرى والبلدات المذكورة وهي مياه ملوثة، كون تلك المناطق لا يوجد فيها محطات تصفية، حالها كحال غالبية مناطق «قسد» في أرياف ديرالزور.
وأمام هذا الواقع المأساوي تقف مؤسسات «قسد» مكتوفة الأيدي عن تدارك الوضع، شح في الكوادر الطبية ونقص في الادوية مقابل ألاف الأصابات باللاشمانيا، الأمر الذي دفع اعدادا كبيرة من اهالي مناطق ديرالزور الخاضعة لقسد للذهاب لمعالجة أطفالهم في مناطق سيطرة قوات النظام في ديرالزور غرب الفرات.
نداءات استغاثة أطلقها ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي، مطالبين «قسد» بالتحرك لاستدراك الوضع، وطالبوا المنظمات الدولية بالتدخل لكن في الحقيقة لم يبق على الأرض أحد من تلك المنظمات، فغالبيتها تركت مناطق «قسد» بسبب الهجوم التركي على شمال شرقي سوريا.
الناشط محمد الشامي يقول لـ «القدس العربي» «تلك النداءات لقيت استجابة من منظمتين محليتين تعملان في مناطق «قسد» هما «فريق سواعد للتنمية» و «منظمة انعاش للتنمية» حيث قدمتا العلاج لعدد كبير من سكان الشعفة والسـوسة والبـاغوز وهـجين، لـكن للآن الاصـابات كثيـرة وجرعة واحـدة من عـلاج اللاشمـانيا لا تكـفي هــذا الـكم الهـائل من المـصابين».
وبينما كان الجميع ينتظر تدخلا حاسما من مؤسسات «قسد» الصحية لعلاج هذا الوباء جاء الرد من «قسد» باتهام الناشطين بالمبالغة في قضية «اللاشمانيا» ، حيث اتهم «المركز الإعلامي في ديرالزور» والتابع لقسد بمن وصفهم بــ «اعلاميي اللاشمانيا» «الانتهازيين» بتضخيم انتشار وباء اللاشمانيا في منطقة وادي الفرات سعياً لتحقيق مآرب ومكاسب مادية عن طريق خوضهم حرباً ضد «مؤسسات تعمل ليلاً نهاراً لإعادة بناء البنية التحتية والمجتمع على أكمل صورة» على حد وصف المركز، الذي نشر البيان عبر صفحته الرسمية على فيسبوك.
لكن الشامي يقول لـ «القدس العربي» أن الوضع المتردي في ريف دير الزور تحت سلطة «قسد» يعم مجالات عدة للحياة وليس فقط الامراض، اذ تشهد مناطق «قسد» في ديرالزور عامة، تدني مستوى الخدمات في غالبية المناطق كما ينتشر فيها الفساد والمحسوبيات، ويضيف الشامي « الكارثة الأكبر هي التلوث البيئي الكبير الذي تعيشه المحافظة، بسبب النفط، حيث تنتشر الاف «حراقات النفط» في ارياف ديرالزور والتي تستخدم لتكرير النفط بطريقة بدائية، كما باتت مياه نهر الفرات ملوثة بشكل كبير بسبب تسرب النفط في النهر والناتج عن عمليات تهريب النفط لمناطق النظام، وكما هو معلوم فإن كامل المحافظة تعتمد على مياه الفرات للشرب والزراعة، عدا قصة الاشعاعات الناتجة عن النفط والتي يتجاهلها العاملون بمهنة تكرير ونقل النفط بسبب قلة وعيهم عن مخاطرها».
ويعود الناشط زين العابدين العكيدي لانتقاد «قسد» لأنها حسب تعبيره «منذ سيطرتها على المنطقة بأواخر العام 2017 لم تقدم «قسد» للمنطقة أي خدمات مؤثرة ولازال سكان المنطقة يفتقدون لأساسيات الحياة من مياة وكهرباء وتعليم وبلديات، ومنذ وجودها في المنطقة باشرت «قسد» بالتصرف بنفط ديرالزور، دون الاكتراث لسكان المنطقة الذين باتوا يخرجون بمظاهرات شبه أسبوعية منددين بسياسة التهميش التي تطبقها «قسد» في أرياف ديرالزور الخاضعة لسيطرتها».