التعديل الحكومي في اليمن: حاجة انتخابية ام ضرورة إصلاحية؟
عبدالله احمد العرشيالتعديل الحكومي في اليمن: حاجة انتخابية ام ضرورة إصلاحية؟ اجري الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في الشهر الماضي تعديلا واسعا علي حكومة عبد القادر باجمال الثانية.هذا التغيير الذي اطلق عليه بالتعديل دارت حياله العديد من التساؤلات والرواء عن ماهيته وحيثياته واهدافه والمقاصد والغايات الحقيقية المرسومة له في ظل معطيات الساحة السياسية اليمنية واجندتها القريبة والمتوسطة والبعيدة الاجل. الاوساط السياسية وخصوصا منها احزاب المعارضة لا تري في هذا التغيير اي جديد وتعتبره من قبيل التجميل الشكلي لوجه حكومة باجمال الممتلئ بالخدوش والثقوب حتي تتمكن من مواصلة السير باتجاه إنجاز الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية المنتظرة في ايلول/سبتمبر المقبل من العام الحالي وان مهامها مرتبطة بتلك الانتخابات وستنتهي عقبها، ومن ثم فإنه وفي ضوء هذا الربط تقول المعارضة إن هذه الحكومة قد صدمت التطلعات وخيبت الآمال، مستدلين علي وجهة نظرهم تلك بان هذا التغيير لن يترتب عليه اي تغيير ملتزم به قانونيا ودستوريا عبر برنامج حكومي وذلك وفقا للعرف الدستوري والقانوني المعمول به في الجمهورية اليمنية ومن ثم فإن برنامجها هو البرنامج الذي سبق ان قدمه رئيسها عبدالقادر باجمال وتشكيلة حكومته السابقة إلي مجلس النواب قبل ثلاث سنوات، هذا من الناحية النظرية اما من الناحية العملية فإن مضي فترة ثلاث سنوات علي برنامج حكومة يجعل مضامينه غير مستوعبة وغير قادرة علي تلبية التطلعات ومعالجة المستجدات القادمة، هذا ناهــــيك عن انها اي الحكومة قد فشلت خلال الفترة الماضية في الإيفاء بالحد الادني من برنامجها الذي التزمت به حينذاك امام مجلس النواب.اما الاوساط الحكومية ومن يدور في فلكها فإنها تري في هذا التغيير بمثابة انطلاقة جديدة ونقلة نوعية في مسيرة البناء والتحديث، وانه اي هذا التغيير هو من يعول عليه التجسيد الواقعي لملامح التغيير والتجديد والتحديث بصورة تعكس ان تغيير الوجوه يرتبط في الاساس بالتغيير نحو الافضل في الاداء، مدللة علي ذلك بما اسمته بدقة معايير الاختيار للجديد والبقاء للقديم في هذا التغيير والتي حددتها بمعايير الكفاءة والتخصصات العلمية إلي جانب الخبرات المكتسبة والإمكانيات المعرفية.وهناك راي ثالث وسط بين الرأيين مفاده بان هذا التغيير في اسوأ الظروف قد يلبي الحد الادني من التطلعات او علي الاقل هو مرضٍ، فالمنظر العام للتغيير مكامنه وشخوصه يوحي إلي حد ما بالافضل، كون بعض الوجوه التي خرجت كانت قد اوغلت في الفساد إلي حد كبير، كما ان الداخلين إلي الحكومة ولو ان غالبيتهم من الوجوه الجديدة التي يصعب توصيفها قبل تجربتها فإن الوجوه العائدة إلي الحكومة لم يسبق ان عرف عنها الفساد.اما الاوساط الشعبية غير المسيسة فإن إخفاق الكثير من الحكومات المتعاقبة في التخفيف من معاناة الحياة المعيشية والغلاء بصورة ملموسة يدفعها إلي التزام التحفظ والاحتفاظ برؤيتها حــيال هذه الحكومة وغيرها من الحكومات وربطها بما ستتمكن من تحقيقه باتجاه تحسين اوضاعهم المعيشية واجتثاث مسببات تدنيها.المراقب لتفاعلات الساحة اليمنية لا يمكن له نسف كل تلك الرواء او التسليم المطلق بها فجميعها لا تجافي الحقيقة ولكن يختلف مدي كل منها في ضوء المنطلقات السياسية والفكرية التي يعبر كل منهم عنها، فالذين اعتبروا ان التعديل مخيب للآمال لارتباطه باستحقاقات انتخابات الرئاسة القادمة لا يمكن نفي حجتهم هذه، كون الانتخابات حقيقة ويجري التحضير لخوضها في ايلول/سبتمبر المقبل والرئيس علي عبد الله صالح ولو لم يحسم شخصيا امر ترشحه فيها فإنه قد بات من المؤكد لدي كافة الاوساط ان الحزب الحاكم سيصر علي ترشيحه وانه اي الرئيس علي عبد الله صالح سيخوض فعالياتها، والحكومة واي حكومة في اي بلد نام فقير ذي ديمقراطية ناشئة لا يمكن ان يكون شكلها ووجوهها واداؤها ووجهة نظر الراي العام حيالها خارج اعتبارات مثل هذه الانتخابات، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو مدي مواءمة هذه الحكومة بين استحقاق إنجاح هذه الانتخابات بما ستحتاج إليه حملاتها من ذخيرة دعائية حية والتي ستمثل ابرزها واكثرها تاثيرا ما ستنجزه هذه الحكومة (إن عملت) من إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية وتحققه من تحسن في مستوي المعيشة وكبح جماح الإرتفاعات المتواكبة في الاسعار دون مبرر وقمع المفسدين في اجهزة الدولة والتخفيف من البطالة وغيرها من الإصلاحات التي باتت معظمها مطلبا شعبيا لا يمكن إغفال اعتباراتها في الحملة الانتخابية المقبلة للرئيس علي عبد الله صالح، وبين ديمومة مثل هذه التوجهات إن تمت وإذا استمرت هذه الحكومة في مرحلة ما بعد الانتخابات وهذا ما هو مشكوك فيه لاعتبارات عديدة ابرزها اعتقادهم بان الاجندة السياسية للرئيس علي عبدالله صالح ستختلف في مرحلة ما بعد الانتخابات عنها فيما قبل الانتخابات، كما ان عدم مصاحبة هذا التغيير الواسع في شخوص الحكومة لتغيير في برنامج عمل الحكومة قد عزز من الشكوك في الوظيفة الآنية والمؤقتة المرسومة في ذهنية الرئيس علي عبدالله صالح لمثل هذه الحكومة حتي وإن لم يتعمد اي الرئيس علي عبدالله صالح فعله بعد الانتخابات الرئاسية الماضية مباشرة، وكان استمرار حكومة الدكتور عبدالكريم الإرياني إلي ما بعد الانتخابات بعامين حتي دون التجديد لها بإجراء شكلي.كذلك الذين اعتبروا ان التعديل بمثابة انطلاقة جديدة ونوعية في مسيرة البناء والتحديث والإصلاح لا يمكن ايضا نفي حجتهم تلك لان التعديل قد اطاح برؤوس كبيرة اوغلت في الفساد ومن ثم فإن التخلص من مثل هذه الرموز سيمنح اداء الاجهزة الحكومية حيوية وفاعلية اكثر في السير نحو الإصلاح، بيد ان السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو مدي التحقق والتاكد من افضلية البديل وكفاءته في النهوض بعبءالمسؤولية التي القيت عليه، فإن كان مثل هذا قد انطبق علي القلة منهم إلا ان غالبيتهم لم ينطبق عليهم وهو ما عبر عنه الرئيس علي عبدالله صالح صراحة في الكلمة التي القاها في اول اجتماع للحكومة بعد التعديل بقوله معظم الوزراء لا اعرفهم، لكني اخذت معلومات عنهم من رئيس الوزراء ومن الجهات المعنية وعينّاهم دون ان اعرف صورهم واخترناهم علي بركة الله . واعتماد الرئيس علي غيره في اختيار الوزراء لم يثبت كفاءته للبعض منهم في التشكيلات الحكومية السابقة، فحكومة باجمال الاولي التي تشكلت في الرابع من نيسان/ابريل 2001م دخل بها 21 وزيرا جديدا خرج منهم بعد عامين من تشكيلها 12 وزيرا اي ان الاختيار للوزراء الجدد في تشكيلتها قد اخفق بما نسبته 57%، كما ان حكومة باجمال الثانية التي تشكلت في ايار/مايو 2003م خرج منها في هذا التعديل خمسة عشر وزيرا منهم سبعة وزراء من الوزراء الجدد، هذا مع الاخذ في الاعتبار ان الحزب الحاكم وتحالفات الحكم لم تتغير خلال تلك الفترة، ولعل الصعود السريع للمنصب الوزاري للبعض منهم دون ان يكون قد تدرج في المناصب الإدارية المختلفة التي تكسبه الخبرة الإدارية والنوعية هو سبب إخفاقهم في النهوض بمهام مسؤولياتهم الوزارية، وهذا لا شك قد وضع علامات استفهام كبيرة امام مثل هذا الاسلوب من الاختيار للوزراء، ومع ذلك يمكن القول ان الانطباع العام عن الاختيار في هذه المرة ربما كان افضل من المرة السابقة للاعتقاد بان معاييرها ربما كانت ادق من ذي قبل.وكذلك اصحاب الراي الوسط لا يمكن ايضا دحض حجتهم في اعتبار التغيير ملبيا للحد الادني من التطلعات، لانه وان كانت وجوه التغيير سواء كانت تلك التي خرجت من الحكومة او بعض التي دخلت قد نالت رضاهم إلاّ ان عدم وجود برنامج حكومي واضح ومحدد للإصلاح مدعوم بتوجه سياسي جاد يحد من التفاؤل المفرط في اوساطهم، وبالتالي فتساؤلهم يدور حول مدي قدرة الوجوه الداخلة للحكومة (علي افتراض كفاءتها ونزاهتها المطلقة) علي تبني وفرض سياسات وإجراءات إصلاحية بمبادرات ذاتية لا تنبثق مجرياتها من رؤية حكومية موحدة، ومن ثم قد لا تتناسق مع ما يجب ان تتناسق معه او قد تتقاطع مع اعتبارات اخري لا يجب ان تتقاطع معها، او ربما قد لا تحظي بدعم سياسي….الخ، صحيح ان المؤتمر الثامن للحزب الحاكم المؤتمرالشعبي العام الذي انعقد في كانون الاول/ديسمبر من العام الماضي كان قد اكد في البيان الذي صدر عنه علي ضرورة اتخاذ إجراءات إصلاحية فاعلة والتي في ضوئها جري هذا التغيير الحكومي، وان الرئيس علي عبدالله صالح خلال ترؤسه لاجتماع الحكومة الاول بعد التعديل كان قد اكد علي اهمية الإصلاح واجتثاث الفساد….الخ، بيد ان ذلك لا يعتبره البعض كافيا لخوض غمار فعاليات عملية إصلاحية واسعة وعميقة بمثل ما تحتاج إليه اليمن، وعليه فإن اصحاب هذا الراي وإن كانوا يحتملون العذر للتروي حيال العملية الإصلاحية في الوقت الراهن مراعاة لحساسية الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والمحلية المقبلة، إلا انهم ياملون في ان يمثل هذا التغيير الحكومي خطوة اولي في مسار إصلاحي جاد وعميق تستانف خطواته اللاحقة وتعد برامجه وتنعقد عزيمته بعد إنجاز العملية الانتخابية.كذلك الاوساط الشعبية غير المسيسة، لا يمكن نقد تحفظها ونظرتها للتغيير وكانه لا يعنيها، لان انشغالها بهموم ودوامة احتياجات المعيشة اليومية قد جعلها خارج دوائر الاهتمام بمثل هذه التغيرات، خصوصا وكما اسلفنا فإن التغيرات الحكومية المتعاقبة علي مدي اكثر من عقد من الزمن لم تلامس منجزات اي منها هم معيشتهم بصورة مباشرة او انها ازاحت عن كواهلهم عبئا بشكل ملموس بما يجعل من مثل هذا التغيير مثيرا للانتباه في اوساطهم، ومن ثم فإنهم يرون ان الاهتمام بامور كهذه ليس إلا من قبيل الترف الذي لا مكان لهم علي ارائكه، وعليه فالاجدي لهم ادخار وتوفير طاقات اهتماماتهم الذهنية لتدبير شؤون عيشهم واحتياجاتهم اليومية.عموما تلك الرواء كما اسلفنا لا يمكن دحض او الجزم المطلق باي منها او كلها فكل منها قد لامس الحقيقة من منظوره ومن منطلقاته الفكرية والسياسية وواقعه المعيشي وموقعه من الحكم ودوائره، حيث توافقت جميعها علي الحاجة للإصلاح، بيد انها ربما قد تكون غير متوافقة علي مفهومه ومجالاته وحدوده وعلاقة التعديل الحكومي به وبالاجندة المستحقة واولويتها….الخ، وهذا ما لا يمكن الجزم بمدي صائبة اي منها بشكل دقيق قبل تجاوز منعطف العملية الانتخابية القادمة، فهذه الانتخابات وإن كانت نتائجها العامة واضحة المعالم سلفا، فإنه سيكون لتفاصيلها تاثير في رسم توجهات وتحديد اولويات احتياجات ما بعدها.ابرز معالم التغيير الحكوميـ تشكيلة الحكومة السابقة كانت تتألف من رئيس واربعة وثلاثين عضوا منهم اثنان نائبان لرئيس الوزراء بالإضافة إلي حقائبهم الوزارية وسبعة وعشرون وزيرا يشغلون حقائب وزارية عاملة وخمسة وزراء دولة بدون وزارة.ـ آلت عملية التغيير إلي إلغاء وزارة المغتربين وضم مهامها وآلياتها إلي وزارة الخارجية، وفصل قطاع السياحة عن وزارة الثقافة لتصبح وزارة جديدة مستقلة ومن ثم فلم يتغير عدد الوزارات العاملة عن حجمها السابق حيث ظل 29 وزارة.ـ طالت عملية التغيير 22 حقيبة منها عشرون حقيبة وزارية عاملة معظمها من الوزارات السيادية والاقتصادية والخدمية الهامة ووزيري دولة، وبذلك يمكن القول ان عمليــة التغيير شملت ما نسبته 63% من اعضائها وما نسبته 69% من هيئاتها الوزارية العاملة.ـ ادت عملية التغيير إلي خروج خمسة عشر وزيرا ودخول خمسة عشر آخرين منهم ثلاثة عشر وزيرا جديدا ووزيران سابقان، كما تم نقل سبعة وزراء من وزارات إلي وزارات اخري.ـ تم سحب نيابة رئاسة الوزراء عن القطاعات الاقتصادية والسياسية وغيرها من القطاعات التي اعتادت تعزيز صلاحيات وزرائها بها، وعهد بصلاحيات مهامها وسلطاتها لوزير الداخلية، وهذه سابقة تجري لاول مرة في اليمن وتحديدا بعد الوحدة.ہ كاتب من اليمن8