مراكش – «القدس العربي»: الإنسان يكون دائما متعلقا بأصوله حتى ولو أخذته ظروف معينة بعيدا عن هذا الوطن انه ارتباط وجداني يختزل أفكارا راسخة يختزل لحظات من الطفولة يختزل كل التفاصيل التي تكون شخصية هذا الإنسان فالبيئة والبدايات دائما تؤثر في الإنسان وتصقل شخصيتهم وتجعله يرتبط في كل إبداعاته بالجذور
والقضية الفلسطينية أنجبت الإبداع من قلب المعانات. ودفعت طيورا للهجرة بعيدا عن الوطن ليس حبا في ذلك، ولكن قساوة الاحتلال وقهره ومحاصرة الطموح والإبداع، جعل بعض الطيور تحلق في سماء الاغتراب. ومنها المخرج الفلسطيني الدنماركي ماهر حشاش. والذي التقيناه على هامش مهرجان مراكش الدولي للسينما في دورته الحالية، فكان معه الحوار التالي:
□ماهر حشاش هل يمكن أن تعرف القراء بشخصيتك؟
■ أنا مخرج وسينارست ومنتج سينمائي، خريج المعهد العالي للسينما في مصر. لي أعمال فنية عدة من أفلام تسجيلية ووثائقية، بالإضافة الى حضوري في العديد من المهرجانات العربية والعالمية، وكذا تأطيري لعدة ورشات سينمائية، سواء في المغرب أو بعض البلاد العربية، كما كان لي شرف ترؤس بعض المهرجانات السينمائية.
□ماهي أهم الأعمال السينمائية، التي قمت بإخراجها أو إنتاجها؟
■ هناك العديد من الأفلام الوثائقية القصيرة وفيلم «من الموت إلى الحياة»، بالإضافة إلى كليبات فنية في مصر والدانمرك. وقد قمت بصناعة تقارير إعلامية، تم عرضها على معظم القنوات في الدانمرك. وكذالك تم عرضها على قناة «الجزيرة» والفضائية الفلسطينية وقناة «القدس»، وكذا إحدى القنوات التلفزية الأردنية وأخرى أوروبية، إضافة إلى تصوير نقل مباشر للكثير من المهرجانات الفلسطينية، بالإضافة إلى هذا فإنني قمت بتقديم محاضرات وورشات في السينما في العديد من الدول.
□ من خلال تجربتكم كيف ترى السينما العربية والمغربية على وجه الخصوص؟
■ إن نشأة هذه السينما العربية ارتبطت بالحركة الوطنية في مصر، وذلك بداية القرن العشرين، حيث شكل هذا نوعا من توحد السينما المصرية مع هذه الحركة ومبادئها وشعاراتها، وكان لهذا الأمر إيجابيات، كما كانت له سلبيات، تجلت هذه الأخيرة في حصول نوع من التركيز على ما هو مصري، فلا يمكن الحديث عن السينما المصرية بدون ذكر أسماء عربية وغير عربية صنعت هوية السينما في مصرية منذ بداياتها.
وقد ظل هذا الأمر يحدث حتى وقت متأخر وكمثال على هذا يمكن ذكر المخرج محمد خان، الذي ظل حتى آخر حياته يساهم في ذلك دون أن يحصل على الجنسية المصرية، رغم كونه واحدا من أهم المخرجين الذين تظهر الهوية المصرية واضحة في كل أفلامه.
وهذا لا ينفي وجود عثرات وعوائق في مسيرة السينما العربية، خصوصاً في مصر، ولا يمكننا نسيان دور مصر والسينما المصرية، التي تركت ثروة فنية مدهشة وأفلاماً تعلمنا منها الكثير.
أما بخصوص السينما المغربية فأنا عندي إعجاب بها، لأنني عضو في لجنة تحكيم العديد من الأفلام المغربية، حيث شاركت في مهرجان فاس ومكناس وورزازات.
ما أثار إعجابي أيضا هو وجود المركز السينمائي، الذي يدعم الأفلام. حقيقة هذا الأمر غير موجود في الكثير من الدول وأضيف أن السينما المغربية لديها شقان، الأول متمثل في اتجاه متأثر في السينما المصرية وآخر متأثر في السينما الغربية في اتجاهاتها المتعددة، وقد وصلت في الأعوام الأخيرة إلى هضم هذين التأثيرين للوصول بالتدريج لمحاولة خلق هوية خاصة بها.
□ما هي الإضافة التي يمكن أن تقدمها السينما في نظرك للبشرية؟
■ هي فن جامع للفنون والموسيقى والشعر والرقص، فهي مرآة النفس الإنسانية تحرك وتؤثر وتجذب الأحاسيس والمشاعر بغية الارتقاء بالنفس فكرا وثقافة لتسمو بتطلعاتها وآمالها لتطوير حضارة الإنسان وإقامة حوار حقيقي بين ثقافات الشعوب المختلفة لعولمتها في منظومة ثقافية ليست لها حدود مكانية ولا زمنية، تخدم لتطور ولترتقي بالقيم الإنسانية في هذا الكون.
السينما فن جميل غني بالتجربة الجمالية بما يولد وينتج من الخبرة، فهو أنقى نماذج الفن بما يتمتع من تجارب في متعة الخيال والإثارة وما يثير الإنسان في العالم الخارجي، وان نشاطه الحر ما يجعله فنا ممتعا يثير الدهشة فينا جماليا، وهنا تكمن قيمته فيستحق وصفه بالفن (السابع) لا بتصنيفه الزمني بل بكونه جامع الفنون ورمز الكمال الفني بل رسالة جامعة لا يعلى عليها .
□ تترأس المهرجان الدولي الوثائقي لحقوق الإنسان في العاصمة المغربية الرباط. ماذا يمكن أن تقول لنا عن هذه التجربة؟
■ اشتغالي على هذا النوع من الأفلام لأن طبيعة الأفلام الوثائقية، التي تهتم بحقوق الإنسان تملك مقومات قد لا تمتلكها أنواع أخرى من أشكال الإعلام المختلفة، لأنها توثِّق شهادات حية للناس وأعتقد أن المهرجان الدولي الوثائقي لحقوق الإنسان في الرباط له القوة والطاقة، لأنه مدعوم من طرف الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وهي هيئة لها حضور قوي، لذلك في استطاعة المهرجان أن يكون مشهورا عالميا وله قوة استقطاب دولية. وللهيئة محور مهم لأنها تلعب دورا مزدوجاً في خدمة حقوق الإنسان. يتمثل ذلك في رصد ما يتعرض له بعض البشر من معاناة في حياتهم، وذلك من خلال الأفلام التي تعكس أحوالهم.
أما الارتباط مع ثيمة حقوق الإنسان، فيحتاج إلى السينما الوثائقية لأنها الأكثر قربا لذلك بحكم طبيعتها من خلال تواصلها المباشر مع المواطن لأجل الاستماع لنبض الشارع والتطرق لهموم الناس سينمائيا عن طريق الشريط الوثائقي للتأثير على سلوك الأفراد بإظهار واقع ما يحدث، والعواقب المترتبة على أفعال بعض المنتهكين لحقوق البشر.
□كيف يمكن للفيلم الوثائقي أن يساهم في التحسيس والتوعية في قضايا المجتمع؟
■ الفيلم الوثائقي له دور مهم في تنوير الرأي العام، لأنه يرصد ظواهر وأحداثا بعينها، سواء كانت تاريخية أو ثقافية أو علمية. ويحاول بطريقته التصويرية أن يثقف المجتمعات عبر الصورة. الفيلم الوثائقي إذا هو نوع من البحث والتتبع والمساءلة وتحديد فكرة الرسالة المراد تحقيقها، والفئة المستهدفة من خلال هذا العمل. إنها الأسئلة التي حينما تبنى بشكل علمي دقيق، يحقق من خلالها المخرج متعة جميلة وقوية ودالة للمتفرج.