محمد نصر كروم القاهرة ـ مكتب ‘القدس العربي’: الدكتور ناجح إبراهيم أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية ومن قادتها التاريخيين ومنظرها ورئيس تحرير موقعها الالكتروني قضى أربعة وعشرين عاما من عمره في سجون مبارك، وذلك بسبب ضلوعه وجماعته في الترتيب والتخطيط والتنفيذ لاغتيال الرئيس السادات والذي فتح لهم الباب على مصراعيه للعمل والدعوة ونشر أفكارهم ومنهجهم لدرجة أن عهد السادات كان بمثابة العهد الذهبي للجماعة الإسلامية، ولكن ما أن اشتد عودها حتى خططت للإطاحة به وبنظامه في محاولة فاشلة منهم للاستيلاء على مقاليد الأمور في البلاد، ولم تكتف الجماعة بصراعها مع السادات ونظامه بل اشتعل الصراع أيضا بينها وبين مبارك ونظامه ولكنه كان أطول وأعنف وأشرس، وأيضاً أسبابه تختلف كثيرا عن اسباب صراعها مع السادات ليس هذا مجال ذكرها، وما أود أن أشير إليه هو أن سجون مبارك التي جمعت وضمت بين جدرانها أعضاء الجماعة الإسلامية كانت عبارة عن قطعة من جهنم، ولم تتحسن الأحوال بها إلا بعد تفعيل مبادرة وقف العنف عام 2001 التي أطلقتها الجماعة الإسلامية، ولم يكن يخطر ببال أحد أن تكون هذه نهاية أعتى نظام ديكتاتوري في الشرق الأوسط.
فكيف يرى الدكتور ناجح إبراهيم سجن مبارك وأولاده وما كان يميز عهد مبارك بالنسبة له، ونظرا لاصطدامه بالسادات ومبارك ما الفرق بينهما وأيهما كان أرحم، وما الذي أضاع مبارك من وجهة نظره، وكيف ينظر إلى أن قتلهم السادات هو الذي جاء بمبارك الى الحكم وأمور أخرى عديدة طرحناها عليه من خلال حوارنا معه.
ـ كيف ترى سجن مبارك وأولاده؟
ـ قرار سجن مبارك لم يكن لمثلي ولا أحد ممن سجنوا في عهده أن نتصور حدوثه على الإطلاق لأنه كان معروفا بالقوة والعناد والجبروت وعدم الرحمة كل ذلك مع امتلاك اسباب السلطة، وهذه أول سابقة في التاريخ العربي تقريبا يحاكم فيها رئيس عربي قوي من قبل شعبه الذي ظلم منه، فقد سمحت ثورة 23 يوليو للملك فاروق بمغادرة مصر ولم تحاكمه أو تقتله أو تسجنه، وصدام حسين عندما حاكمه الاحتلال الأمريكي أظهر جلدا ورجولة منقطعة النظير أثناء المحاكمة وتنفيذ حكم الإعدام وأظهر تدينا واضحا لا يخفى على أحد، مما جعل المسلمين وخاصة السنة يتعاطفون معه ويثنون على محاولته بعث الدين الإسلامي في نفوس العراقيين في آخر عهده وتركه لأفكار حزب البعث التي تتصادم مع الشريعة الغراء وألزم كل أعضاء حزب البعث بالمواظبة على الصلاة وصيام النوافل وذلك حسب شهادة الكثيرين من خصومه السابقين وعلى رأسهم الدكتور عبدالكريم العلوجي الذي كان معارضاً له ومهاجراً إلى مصر منذ ثلاثين عاما، ولذلك نحن أمام أول سابقة في التاريخ العربي الحديث يحاكم فيها شعب رئيسه السابق بل ويسجنه هو وأسرته، وقد تفكرت كثيرا في هذا الأمر العجيب لعلي اهتدي الى تفسير دعوي ديني لا سياسي فاهتديت الى أن حسني مبارك عومل بنفس قصده وذاق من نفس الكأس التي أذاقها لعشرات الآلاف من الأسر.
ـ ماذا كان يتميز به عهد مبارك من وجهة نظرك؟
ـ أهم ما كان يميز عصر مبارك هو السجون والمعتقلات للإسلاميين فقط فالسجون كانت مليئة ومكدسة بهم طوال فترة حكمه بلا انقطاع فضلا عن المعاملة المهينة التي عومل بها أبناء الجماعة الإسلامية في السجون قبل المبادرة من ضرب وتعذيب وسحل وإهدار للكرامة الدينية والإنسانية الذي كان يتم بشكل يومي ومنع حتى المصاحف عنهم ولم يرحم الأمهات اللاتي كن ينتظرن بالساعات على أبواب معتقلات الوادي الجديد والفيوم ووادي النطرون ودمنهور وشديد الحراسة بطرة في حر الشمس وبرد الشتاء لتزور ابنها خمس دقائق فقط من وراء الأسلاك حتى إن بعض الأسر كانت تبيت أمام باب المعتقل.
فقد اعتقل مبارك أسرا كاملة وكان يوزعهم على سجون مختلفة دون أي داع يمنع جمعهم سويا في سجن واحد وكان بالسجون معوقون بل أنني وجدت أحدهم مقطوع القدمين وكنت أتعجب كيف يدخل دورة المياه، فكيف تحمل مثل هذا الرجل سنوات المعتقل العصيبة الطويلة.
ـ السادات زج بمعارضيه الى السجون ومبارك نكل بالإسلاميين فما الفرق بينهما في ذلك؟
ـ السادات كان رحيما بالمقارنة بحسني مبارك وذلك لأنه ذاق السجون في شبابه ولاقى فيها من العنت والتعب الكثير والكثير، وعندما قال له بعض حاشيته أن الجماعة الإسلامية جاوزت حدها وتعدته وأرى أن تعتقلهم لفترة قال له ‘أنا جربت السجن ومرارته ولا أريد أن أذيقه لأولادي، وهؤلاء هم أولادي’. ـ لكن مبارك رغم ما فعلتموه من أحداث عنف واغتيال رموز نظامه ومحاولة اغتياله شخصيا خرجتم من السجون في عهده؟
ـ هذا تم بفضل الله أولا ثم تحرك بعض الضباط الوطنيين المخلصين مثل اللواء أحمد رأفت رحمه الله الذي غامر بمنصبه لإنهاء هذه المأساة ولولا ذلك لاستمرت هذه المأساة الى نهاية عهد مبارك.
والآن فقط سيعرف مبارك ما عاناه شعبه طوال عهده بالكامل، سيعرف معنى السجن وتشويه صورة الإنسان في كل الصحف وتحويل حسناته إلى سيئات، حيث لا يجرؤ أحد اليوم على ذكر أي حسنة من حسنات مبارك، بل ويسعى البعض الى تحويل حسناته الى سيئات وكلهم ممن أكلوا على موائده وسيأكلون على موائد غيره، وسيعرف كيف ستذهب زوجته وأسرته لزيارة ابنيه في سجون طرة ليتقابلوا في الطريق مع أسر الجنائيين وتجار المخدرات والحرامية وقد ينتظرون مائة اذن وتصريح كي يظفروا برؤية أولادهم.
ـ أرى الشماتة والتشفي في كلامك عن الرئيس السابق مبارك هل هذا مرجعه لما لاقيته أنت وأفراد جماعتك في السجون؟
ـ أنا لا أشمت في الرئيس السابق حسني مبارك، فليس هذا من خلقي، بل انني لا أحب أن يسجن حتى خصومي ومن ظلموني من قبل لأني أعرف مرارة السجن جيدا ولكني أتفكر في الأمر جيدا حتى لا يظلم بعضنا بعضا ولا يتجبر بعضنا على بعض، كما لا أريد أحدا أن يظلم حسني مبارك كما ظلمنا، بل أريد أن نحارب الظلم بالعدل ولا نواجه الظلم بالظلم.
ـ ترى ما السبب الرئيسي الذي آل بالرئيس السابق إلى هذا الوضع السيئ والمخزي في نهاية حياته؟
ـ الذي أضاع مبارك في الحقيقة هم أولاده وخاصة جمال إذ أنه استهتر استهتارا كبيرا بمنصب والده ومكانته مما دفعه للاستهتار بالدولة المصرية كلها وبدلا من أن يختلط بالناس ويرتبط بالمجتمع المصري الحقيقي وينزل إليه من برجه العاجي، إذا به يتكبر عليه ويحيط نفسه بشلة فاسدة من رجال الأعمال شجعته وشجعها على نهب ثروات مصر وتسخيرها لصالحهم الشخصي.
ولقد أضاع علاء مبارك سمعة أبيه في فترات الرئاسة الأولى ثم أضاعها جمال في فترات رئاسته الأخيرة، وكانت أسرة مبارك هي العدو الأول والرئيسي له.
ـ نظرا لما فعله القذافي في ليبيا وبشار الأسد في سورية هل مبارك يختلف عنهم؟
ـ رغم كل ما صنع الرئيس السابق مبارك من مظالم للإسلاميين فاني أذكر ما قاله بعض المرضى الليبيين الذين جاؤوا إلى الإسكندرية فقد قالوا ‘إن حذاء حسني مبارك برقبة معمر القذافي’ فقلت لهم كيف، قالوا يكفي أنه استقال فورا عقب طلب الجيش منه الاستقالة، واستقال في هدوء دون أن يدمر مصر أو يعرضها للاحتلال أو يحولها الى خراب كبير، أو يدمر جيشها وأسلحته، أو يقتل كل من في ميدان التحرير بالحرس الجمهوري، فلن تعرفوا قيمة هذا الرجل إلا إذا شاهدتم بعض الخراب الذي تعيشه ليبيا الآن وأن البترول الليبي سيصل إسرائيل قريبا وسيكون ملكاً لأمريكا للأبد.
قلت في أحد تصريحاتك أن مبارك ‘رئيس الفرص الضائعة، ماذا تقصد بذلك؟
ـ أقصد بذلك أنه يشبه الجماعة الإسلامية فأنا أسميها ايضا جماعة الفرصة الضائعة لأنها ضيعت الكثير من الفرص الحسنة عليها، فمبارك أكرمه الله بأنه نجا من حادثة المنصة الذي قتل فيها السادات، وكان يمكن بعدها أن يفتح صفحة جديدة مع الإسلاميين ويختار أفضلهم لكي يعاونوه على الصلاح والخير والرشد ولكنه فعل العكس تماما، كما أضاع فرصة الوساطة الأولى سنة 1992 قبل إراقة الدماء في التسعينات، وكان يمكنه تعديل شروط الوساطة لصالحه تجنيبا للبلاد من حمامات الدم، ولكنه لم يفعل وأطاع اللوبي اليساري المتطرف في الصحافة والحكم والثقافة المعروفة بألد الخصومة حتى وإن كان على حساب الوطن فخسر حكمه الكثير والكثير، بل انه نسي في غمرة عدائه للجماعة الإسلامية أنها كانت السبب في مجيئه للحكم وكان عليه حتى على الأقل أن يرحمها أو يخفف من عداوته لها أو يتفاهم معها مبكرا وكان هذا الأمر سهلا وميسورا عليه، ولم يكن يتطلب سوى الإفراج عن المعتقلين أو بعضهم وإعطاء مساحة بسيطة للدعوة الى الله دون عنف، ومحاسبة من يخرج على ذلك فقط دون الوقوع في تعميم العقاب والعذاب.
ـ تقول إن الجماعة هي التي أتت بمبارك رئيساً بسبب قتلكم للسادات هل معنى ذلك أنه لولا قتل السادات لما وصل مبارك الى الحكم؟
ـ نعم كان الرئيس السادات ينوي إقالة نائبه مبارك وتعيين منصور حسن بدلا منه وكانت زوجته جيهان تلح عليه في ذلك، ولكن بقتل السادات جاءته الرئاسة على طبق من ذهب ولم يكن يتخيل أنه سيصبح رئيساً لمصر بهذه السرعة والغريب أن الجماعة الإسلامية التي أذاقها الويلات كانت هي السبب غير المباشر بأن يأتي الى السلطة ولكنه لم يحمها ولم يشفق عليها طوال فترة حكمه واعتقل حوالي خمسين ألفا من أبنائها طوال فترة حكمه وقتل منها وأعدم الكثير، صحيح أنها أخطأت عندما استخدمت العنف ضده ولكنه عاملها بقسوة وشدة وعنف شديد لدرجة أنه كان بين المعتقلين أقزام ومعاقون ورجل مبتور القدمين وعجبت حينما رأيت ذلك وقلت ما كان ينبغي لهؤلاء أن يأتوا الى هنا.
ـ هل كنتم تريدون من مبارك أن يعترف بفضلكم عليه لأنكم قتلتم السادات وكنتم سببا في صعوده الى الحكم كما تعتبرون أنتم وتلك هي وجهة نظركم وحساباتكم الخاصة بكم؟
ـ لا هي جاءت قدرية ولكن على الأقل كان المفروض أن يكون رحيما بالجماعة وأن يكون عطوفاً معها وإن لم يكن عطوفا على الأقل أن يكون عادلا معها وألا يقسو عليها هذه القسوة وألا ينكل بها هذا التنكيل الذي حدث لأنه أكبر تنكيل حدث في التاريخ المعاصر فقد أعدم منا مائة وقتل ألفين وعذب عشرات الآلاف، وأؤكد أيضا ان الجماعة أخطأت حينما استخدمت العنف ضده للوصول الى حقوقها مثل السماح لها بالدعوة، أو الإفراج عن معتقليها ولكن كان يجب عليه ان يتعامل مع هذه الأخطاء بالقانون ولكنه تجاوز القانون وظلم وبغى وعذب.
ـ معنى كلامك الآن عن قتل السادات أنك تؤيده وهذا مخالف لآرائك السابقة لاغتياله؟
ـ لا أؤيد قتل السادات فقتله كان خطأ من بداياته واعترفنا بذلك ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما قتلناه وهذا أمر محسوم لدينا ولا تراجع عنه، والسادات كان أرحم من حسني مبارك كثيرا وكان عنده أريحية اكثر منه ولديه حب للعفو أكثر منه أيضا.
ـ تقول أن السادات كان رحيما فلماذا التسرع في قتله؟
ـ كنا شبابا وكان الواضح لنا وقتها إبرامه معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل وكان يشتم العلماء ويسب الدعاة.
وتطاول على الشيخ حافظ سلامة والشيخ المحلاوي وسجنهم واعتقل جميع طوائف المجتمع وكل ذلك في شهر واحد مما أثارنا إثارة شديدة جداً واعتقاله لكل هذه الاعداد جعلنا نفكر في قتله وقد كان وندمنا على قتله بعد ذلك.