حقبة جديدة من حكم المحافظين تقودها سياسات لإنعاش الاقتصاد وإعادة صياغة التحالفات الخارجية

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

حقق حزب المحافظين انتصارا تاريخيا، وفاز زعيم الحزب الجديد بوريس جونسون بتفويض قوي من الناخبين لإنجاز بريكست والعبور ببلاده إلى فضاء سياسي أرحب يعج بالتحديات في نظام عالمي مضطرب، وخريطة جيوسياسية متغيرة للقوى الرئيسية في العالم تفرض تحديات أخطر على الدور العالمي لبريطانيا، خامس أكبر قوة اقتصادية في العالم، والتي تلعب أيضا على المسرح العالمي دور الحليف الرئيسي للولايات المتحدة بصرف النظر عن اسم الرئيس أو الحزب الذي يسيطر على مقاليد القوة في البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس.

بوريس جونسون فاز في انتخابات شديدة الصعوبة، جرت في برد الشتاء للمرة الأولى منذ قرن من الزمان تقريبا، وفي ظروف سياسية شديدة الغموض، تجاذبت الناخبين فيها عوامل متناقضة أدت عمليا إلى استقطاب حاد في المجتمع بين معسكرين غير متكافئين، هما معسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي بقيادة المحافظين، في مواجهة معسكر البقاء في الاتحاد بقيادة ائتلاف من أحزاب الأحرار الديمقراطيين والخضر والحزب القومي لإقليم ويلز، ومع هذا الائتلاف اصطف ضمنا الحزب القومي الاسكتلندي الذي خاض الانتخابات على أساس أجندة تتكون من قضيتين رئيسيتين هما البقاء في الاتحاد الأوروبي وتحقيق استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة. أما حزب العمال البريطاني، ثاني أكبر القوى السياسية في بريطانيا فقد خاض الانتخابات على أساس مانفيستو يرفع شعارات التغيير وزيادة خدمات الرعاية الاجتماعية والقضاء على رأسمالية المليارديرات، والعودة بقضية الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى المربع الأول، وذلك بإعادة التفاوض على شروط الخروج، ثم إعادة طرح نتيجة التفاوض على الناخبين في استفتاء عام، يجري فيه التصويت على الاختيار بين الخروج وبين البقاء.

نتيجة الانتخابات تحمل معها حكم الناخبين على القيادات السياسية للأحزاب البريطانية، كما تحمل أيضا تفضيلاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبمقتضى هذه النتيجة فإن المحافظين حققوا فوزا تاريخيا، هو الأفضل منذ نحو ثلاثين عاما، بينما تعرض العمال لعقاب تاريخي وهزيمة مريرة هي الأسوأ منذ العام 1935 ستظل ماثلة أمام أعضاء الحزب وقياداته لعقود طويلة مقبلة، فقد برهنت الخسائر التي تعرض لها العمال على حماقة القيادة وجهلها بالواقع وعدم شعورها بنبض الشارع السياسي. أظن أن حقبة كوربن والتيار اليساري داخل حزب العمال قد انتهت، وأن الحزب سيخوض معركة داخلية كبرى لإعادة رسم خريطة النفوذ لأجنحته السياسية المختلفة، وانتخاب قيادة جديدة بروح جديدة بعيدة عن روح كوربن-ماكدونال التي لفظت أنفاسها الأخيرة، وشيعها الناخبون إلى مثواها الأخير، ويبقى أن يقيم لها الحزب سرادق للعزاء.

مسألة الخروج

بإمكان بريطانيا أن تضع مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي وراء ظهرها، وتنطلق. الآن يتوقف القلق وعدم اليقين وانعدام الثقة السياسية والاقتصادية، بما يفتح الطريق أمام بوريس جونسون لإعادة رسم خريطة القيادة السياسية للحزب، وتعزيز نفوذه، وتعبئة قوته الضاربة داخل مجلس العموم لتمرير عدد من التشريعات السريعة، وتقديم صورة جديدة لبرلمان بريطانيا باعتباره التعبير السياسي عن أمة يقودها حزب المحافظين. هذا يعني عمليا إنهاء ظاهرة الانقسام الحاد داخل المجلس، وتحويله من جسم سياسي عاجز ومشلول إلى قاطرة للتغيير، تحصل الحكومة من خلاله على التشريعات الضرورية لتحويل الوعود التي أطلقتها القيادة السياسية إلى واقع. بوريس جونسون أصبح في إمكانه تحقيق الخروج من الاتحاد الأوروبي مدعوما بأغلبية كبيرة داخل مجلس العموم.

هذا يعني أيضا انه يقف على أرضية منصة سياسية تفاوضية قوية جدا في مواجهة الاتحاد الأوروبي. ولن يكون رئيس الوزراء البريطاني في الجولة الجديدة من مفاوضات الخروج مشلولا أو مقيدا بالأغلال كما كان عليه الحال في السنوات الأربع الماضية منذ استفتاء الخروج، الذي راح ضحيته اثنان من رؤساء الحكومات، وفقد فيه المحافظون أغلبيتهم في مجلس العموم حتى الانتخابات الأخيرة التي قلبت ميزان القوى. سيكون جونسون قويا في مفاوضات عقد اتفاق تجاري جديد يضمن مصالح بريطانيا التجارية مع الاتحاد الأوروبي، على أساس حقوق والتزامات متوازنة بين الطرفين، تشمل إلى جانب التجارة السلعية، الخدمات مثل النقل البحري والطيران والاتصالات والتمويل، وحقوق الصيد في المناطق الغنية بالثروة السمكية، وضوابط التنقل للأفراد عبر الحدود وغيرها من القضايا.

انطلاق الاقتصاد

 

الأغلبية البرلمانية التي حصل عليها المحافظون بقيادة بوريس جونسون، تمنح الحكومة ترخيصا واضحا من الناخبين لتنفيذ إصلاحات اقتصادية وعد بها جونسون، تشمل تعزيز قوة البنية الأساسية التكنولوجية، بما يساعد المناطق الصناعية التقليدية في شمال إنكلترا ووسط بريطانيا على التحول إلى صناعات تكنولوجية متقدمة، قادرة على جذب الاستثمار من كل أنحاء العالم.

ولا شك أن تركيز جونسون خلال حملته الانتخابية على انتزاع عدد كبير من مقاعد العمال في الدوائر الانتخابية في الشمال الشرقي والشمال الغربي من بريطانيا، قد أثمر وأتى أُكُلَه، وهذا يلقى بمسؤولية تاريخيه عليه، تفرض ضرورة تحويل التقدم السياسي إلى تقدم اقتصادي واجتماعي بما يساعد على حدوث تغيير جوهري في خريطة توزيع النفوذ السياسي في إنكلترا. جونسون الآن يتمتع بفرصة تاريخية نادرة، لتحويل الحزام الأحمر العمالي في شمال إنكلترا إلى حزام سياسي أزرق، يستطيع فيه المحافظون أن يقرروا مسار الحياة السياسية بعيدا عن الضغوط السياسية لحزب العمال. ولن يتمكن المحافظون من تحقيق ذلك يغير إعادة بناء الاقتصاد على أسس تكنولوجية متقدمة، بما يضع بريطانيا في موقع أفضل على خريطة التنافسية العالمية.

تنظيم الهجرة

 

تعاني بريطانيا من نقص في مهارات بشرية كثيرة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وقطاعات الخدمات الاجتماعية خصوصا قطاع الرعاية الصحية. وقد وعد المحافظون في حملتهم الانتخابية بزيادة عدد الأطباء والممرضين في القطاع العام للرعاية الصحية. ولن تكون الحوافز التي قدمها جونسون لزيادة عدد هيئات التمريض بحوالي 50 ألف ممرض كافية بدون فتح باب الهجرة لاستقدام مهارات متخصصة في هذا القطاع وغيره من القطاعات. ولذلك فإننا سنرى في السنوات المقبلة، تطبيق سياسة جديدة للهجرة، تقوم على أساس انتقاء المهاجرين، بما يلبي احتياجات النمو، ويساعد على سد الفجوة الحالية في المهارات البشرية.

ومع تراجع مسألة الخروج تتقدم أولويات زيادة الإنفاق وممارسة الدولة لدور اقتصادي واجتماعي أكبر في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والأمن.

من التقشف إلى الإنعاش الاقتصادي

 

التحدي التالي بعد الشروع في التصديق على وثيقة الخروج من الاتحاد الأوروبي هو البدء في إعداد وتمرير تشريعات يتم بمقتضاها التحول من سياسات التقشف التي تسببت في أضرار شديدة اجتماعيا واقتصاديا، إلى سياسة جديدة للإنعاش الاقتصادي وإصلاح منظومة الخدمات العامة، تلبية لاحتياجات القطاعات الجديدة التي صوتت للمحافظين وانتقلت من معسكر تأييد العمال تاريخيا. الناخبون في مناطق شمال غرب وشمال شرق إنكلترا في حاجة شديدة إلى المزيد من خدمات الصحة والتعليم والأمن والمواصلات وإتاحة المزيد من فرص العمل الملائمة.

بوريس جونسون قدم تعهدات برفع قيمة الحد الأدنى للدخل الخاضع لسداد مساهمات الأفراد في نظام الضمان الاجتماعي إلى ما يعادل قيمة الدخل المعفى من الضرائب. هذا يعني زيادة الدخل القابل للإنفاق، تدريجيا من حوالي 8500 جنيه سنويا إلى 12500 جنيه، وهو ما يكلف الخزانة العامة حوالي ملياري جنيه إسترليني سنويا.

وللمساعدة على زيادة الإنفاق العام، بدون الإفراط في الاقتراض، فإن جونسون قرر تأجيل تنفيذ التخفيضات الضريبية للشركات، بما سيتيح للخزانة العامة ما يقرب من 6 مليارات جنيه استرليني سيتم تخصيصها لزيادة الإنفاق على قطاع الرعاية الصحية. ورغم خريطة التخفيضات الضريبية في القطاعات المختلفة، فإن الحصاد النهائي لزيادة الإنفاق وتخفيض الأعباء على الأفراد والشركات لن يسفر عن زيادة العجز في الميزانية حسب تقديرات المحافظين. الإنفاق الحكومي سيرتفع إلى ما يعادل 41 في المئة من اجمالي الناتج المحلي، وسوف تتضمن الإيرادات الضريبية للمرة الأولى إيراد الضريبة على شركات التكنولوجيا العالمية مثل أوبر وغوغل وفيسبوك، وهو ما قد يثير صعوبات في المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة. وستعرض الحكومة على مجلس العموم تشريعا جديدا بفرض ضريبة سنوية بنسبة 2 في المئة على الجزء من ايرادات شركات التكنولوجيا الذي يتم توليده داخل السوق البريطانية اعتبارا من بداية السنة المالية الجديدة في نيسان/إبريل 2020.

التحديات التالية للانتخابات بالنسبة لحكومة حزب المحافظين تتضمن أيضا كيفية التعامل مع صعود التيار القومي في اسكتلندا وايرلندا الشمالية وويلز، وكيفية إدارة ملف المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، إضافة إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية البريطانية بأكملها، كي تتناسب مع مكانة بريطانيا الجديدة في النظام العالمي كوحدة سياسية مستقلة عن الاتحاد الأوروبي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية