الانتخابات البريطانية 2019: مشهد سياسي جديد وانهيار عمالي ومصير بريطانيا في خطر

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

انتجت الانتخابات العامة البريطانية نهاية عام 2019 واقعا سياسيا جديدا ومرحلة أخرى من حكم المحافظين التي بدأت بديفيد كاميرون عام 2010 إلا أن هذه المرحلة لا تشبه انتصار المحافظين الناقص في تلك الانتخابات بل تؤذن بعصر جديد يشبه ما فعلته مارغريت تاتشر في عام 1987 وحصولها على الغالبية التي مكنتها من قيادة حركة تغييرات جديدة في الحياة البريطانية، ولا تزال آثارها بادية اليوم على سكان شمال بريطانيا الذي كانوا الوقود هذه المرة في فوز بوريس جونسون وتدميره معاقل حزب العمال أو ما يعرف بـ “الجدار الأحمر”.

وأنهى الناخبون من الطبقة العاملة ولاءهم الطويل لحزب العمال ومشوا في موكب بريكست الذي بشر به بوريس جونسون وأدى لهزيمة جيرمي كوربن ونموذجه القائم على إعادة رسم العلاقة بين الدولة والشعب وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحدي طبقة الأثرياء والإعلام وأصحاب المصالح الذين عادوه واتحدوا معا لوقفه ومنعه من الوصول إلى مبتغاه.

وستكون انتخابات عام 2019 التي عقدت قبل احتفالات الكريسماس محلا للنقاش في الأجيال القادمة باعتبارها لحظة ضائعة للتغيير (أي فرصة عمالية) أم أنها فرصة لفك العلاقة العضوية مع أوروبا مرة وللأبد (حسب جونسون).

أطول الأحزاب حكما

وكما تقول صحيفة “الغارديان” (13/12/2019) فقد استطاع حزب المحافظين بنتيجته الباهرة (365 مقعدا) استعادة موقعه في الخريطة السياسية البريطانية كأطول حزب مستمر في الحكم. كما انها انتصار شخصي لجونسون الذي بات يقود أغلبية بـ 80 مقعدا ما يجعله يحكم بدون اعتراض ويحقق ما يريد. لكن هذا لا يعني في حساب النسب أن بريطانيا لم تتخلص من انقسامها. وهو ما بدا من تصريحاته الأولى بعد الفوز حيث قال إنه يريد توحيدها. وما يهم في الأمر أن جونسون صار له تفويض لكي يكمل المهمة التي بدأت باستفتاء عام 2016 وينهي إجراءات خروج بريطانيا من أوروبا. ومع أنه خاض المعركة وانتصر فيها إلا أنه لم ينتصر في المعركة التي يحصل فيها على شروط لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي هذه المعركة لم يحدد هدفه ولا قام بالتفاوض على صفقة. ومن الصعب تخيل قدرته على إنجاز هذا في مدى 12 شهرا كما وعد. وهذه قضية مهمة ولا ترتبط بالمواعيد وعليه الآن أن يقبل فكرة التأجيل إن رأى أنها في صالح صفقة جديدة ولديه السلطة لتحدي أي اعتراض من داخل حزبه. كما أن فوز جونسون الساحق لا يعني أن مشاكله انتهت، فهو يواجه تحديات نابعة من طبيعة التحول السياسي الذي نشأ بسبب بريكست، فالانقسام أكبر من أن يتم تجاوزه بدون استراتيجية تتعامل مع بريطانيا الجديدة التي بات حزب المحافظين قائدا لها، وتضم طبقات عاملة لم تكن في وارد تفكير المحافظين أبدا. وهي القطاعات التي دعمت فكرة بريكست ويئست من حالة الاحتراب في البرلمان حول كيفية الخروج والشروط والثمن. وبانتخابات يوم الخميس أصبح الخروج حقيقة وليس محلا للنقاش ولا تكهنات حول استفتاء ثان، فالأحزاب التي ترددت في دعم الفكرة خسرت مثل تلك التي طالبت باستفتاء ثان. كل هذا لا يعني أن بريكست قد تحقق أو أن الخروج سيحصل سريعا كما تقول صحيفة “نيويورك تايمز” (13/12/2019) بل وستفتح الانتخابات الطريق أمام المرحلة التالية والأكثر تعقيدا لحل رابطة بريطانيا الاقتصادية الواسعة والمعقدة مع الاتحاد الأوروبي. وهي المرحلة التي تجنب جونسون طوال الحملة الانتخابية الحديث عنها وكيف سيمضي في تنفيذها، وهي واحدة من الأمور التي لم يتحدث عنها كثيرا بعدما حصل على تفويض ساحق للحكم في الخمسة أعوام الماضية بدون منازع. وعلينا القول إن جونسون كان في أثناء النقاش حول بريكست عمدة لمدينة لندن وكرس معظم وقته بعد ذلك للوصول إلى 10 داونينغ ستريت. وفي هذه الفترة كان موزعا بين البقاء أو الخروج وانتهى من دعاة الخروج الصعب وأرفق ذلك بشعبوية مخزية وأكاذيب وسخريات من منافسيه.

إلى أين؟

 إلا أن التعليقات المباشرة على فوزه تحدثت عن طبيعة بريطانيا التي سيقودها وفيما إن بقيت موحدة خاصة بعد تدفق المشاعر القومية في اسكتلندا التي حصد فيها الحزب الوطني الاسكتلندي على معظم المقاعد المخصصة هناك. وهو ما سيؤكد أن مطالب نيكولا ستيرجن وحزبها بالاستفتاء على الاستقلال لن تختفي من النقاش السياسي في ويستمنستر وكذا الوضع المتعلق بأيرلندا الشمالية التي لا يبدو مصيرها واضحا في خطة جونسون للخروج. وهناك سؤال يتعلق بقدرة رئيس الوزراء على إنجاز ما وعد من زيادة النفقات على الخدمة الوطنية والمدارس والبيئة وهي تعهدات ساعدته على سرقة أصوات الطبقة العاملة من العمال. وأمام جونسون تحديات كبرى، فالحديث عن أمة واحدة لا يفهم منه أمة المحافظين بل أمة تضم قطاعات فقيرة تأثرت بالتقشف ولا تريد ضرائب وتحتاج لنفقات كبيرة لأنها الكثيرين من أفرادها يعتمدون على الدولة. وعليه والحالة هذه إن أراد الوفاء بالوعد من خلال وقف التقشف، وإنهاء التمزق، التخلي عن السياسة الانقسامية التي شابت مسيرته السياسية والتقليل من شأن الأقليات التي اتخذها مطية للمضي في طريقه نحو 10 داونينغ ستريت. وقد نجح جونسون في استراتيجيته لاختراق مناطق العمال التقليدية وتدمير قوته الداخلية.

إرث كوربن

وهو الذي أدى إلى الخسارة الفادحة لجيرمي كوربن الذي قورنت نتائج حزبه بما حصل عليه عام 1935 وهو ما دعاه للقول إنه لن يقود الحزب في الانتخابات العامة المقبلة تمهيدا لخروجه من الساحة السياسية. وستشهد الأيام المقبلة ضغوطا عليه لتعجيل خروجه بعدما ثبت أن نموذجه لم يكن جذابا للناخبين. فقد كان موقفه المتردد من بريكست التي دعمها قطاع واسع من الطبقة العاملة وعدم شعبيته بين أفرادها سببا في خسارة الحزب الانتخابات.

والمشكلة كامنة ليس في الحملة الحالية ولكن في طبيعة العلاقة بين اليسار والوسط داخل الحزب وعدم قدرة كوربن على توحيدها أو الاستجابة للتغيرات داخل الطبقة العاملة. ولهذا السبب انهارت العلاقات الجغرافية والديمغرافية والاجتماعية التي حافظت على التماسك ولأجيال. وعلينا الانتظار لنرى إن كانت هناك فرصة لاستعادة الأمور. ومن الصعب التكهن في حكومة تعتبر الأكثر تطرفا في تاريخ بريطانيا ورئيس وزراء غير منضبط يقود غالبية ساحقة مما يعني أن التخلص منه يحتاج لجيل. وكما يقول غاري يونغ في “الغارديان” (13/12/2019) “ليلة أمس كانت سيئة ولكن الأسوأ لم يأت بعد”. وعلى اليسار أن يجد المكان للندب والتفكير في وقت واحد “لأن الأمر لا علاقة له بنا ولكن بمجتمع الأمل الذي نريد بناءه والناس الذين يريدون خلقه والعالم الكابوسي الذي يريد المحافظون بناءه ولن نكون قادرين على الفوز إلا في حالة بحثنا عن السبب الذي قاد لهزيمتنا”. ويرى يونغ إن من السهل تحميل كوربن والإعلام وبريكست المسؤولية ولكن المسألة أعقد من هذا، صحيح أن بريكست لعب دورا في المسألة، حيث كان على العمال التعامل معها لمدة 3 أعوام وفشلوا في الوقوف أمام مباهاة المحافظين. ولم يساعد العمال وقوفهم في الوسط بين دعاة البقاء والخروج. وعرف العمال أن بريكست سيكون موضوع الانتخابات وحاولوا حرف النقاش إلى الخدمات العامة وفشلوا. ولم يكن هناك خطأ في المانفستو العمالي، فما وعد به من نفقات وإعادة توزيع الثروة والتأمين ليس مستحيلا ويمكن تحقيقه. وفشل العمال نابع من عدم تحضير الناس أولا وطمأنتهم بأن حياتهم لن تتأثر بفعل السياسات التي يقترحونها، ولهذا ضاعت الرسالة وتزايدت الوعود كل يوم. ولم يكن كوربن شعبيا أو قادرا على فهم لماذا لا يحبه الناس، فبعضهم كانوا لا يحبونه فقط، وآخرون رأوه متطرفا يساريا، معاد للسامية أو صديقا للإرهاب. ولا يمكن فصل الصورة هذه عن الإعلام الذي ظل يردد الصورة السلبية عن الرجل، فلا يمكن والحالة هذه أن تحب رجلا لم تسمع عنه خيرا. ولكن الإعلام لم يخترع الصور النمطية عن كوربن الذي كان أداؤه فقيرا، فقد سنحت له الفرصة بعد الأخرى لمهاجمة جونسون وكشف خدعه وأكاذيبه لكنه رفض مثل رفضه الاعتذار عن معاداة السامية وهي التهمة التي لم يتركها الإعلام طالما لم يعتذر. والمشكلة هي أن كوربن أصبح رمزا للتحول نحو اليسار وهذا فهم خاطئ لأن كوربن ظهر في لحظة كان الحزب يعاني فيه من حروب داخلية وفي ظل سياسات تقشف حادة. ولم يؤد انتخابه إلى أزمة بل كان نتاجا لأزمة في داخل الحزب. ويرى يونغ أن إعلان كوربن عن استقالته أمر جيد ولا حاجة لأن يظل حتى يشرف على حوار سيتمحور حوله. وسيحرف وجوده عن المهمة التي تنتظر الحزب الذي عليه ألا يعتذر عن الهزيمة بل ويعترف بها. ولكن رحيله سيخلق أزمة لتيار الوسط داخل الحزب الذي كان ينتظر هذه اللحظة منذ انتخابه، وعليهم والحالة هذه التقدم بمرشحين وبرامج والتعامل مع قاعدة شعبية كبرت وإن لم يعد لديها تأثير على السياسة في البلاد. وعليهم مواجهة حقيقة أن رحيل الناخبين التقليديين للعمال لم يكن نحو الوسط بل لليمين المتطرف أو الحزب الوطني الاسكتلندي. وعلى تيار الوسط فهم أن آلاف الناشطين الذين جالوا البلاد وسط المطر والبرد لتوصيل رسالة الحزب لن يتخلوا عن رسالتهم بسهولة مع أن الإيمان بالقضية لا يكفي لإقناع الناخبين وهذا هو درس الانتخابات الأخيرة.

أتباع جدد

فعلى خلاف العقائديين في داخل حزب العمال نرى أن الذين صوتوا لصالح جونسون دفعوا بعدم الرغبة للتصويت إلى كوربن وببريكست، ومن هنا فلا يمكننا وصفهم بالمحافظين النموذجيين. فهؤلاء كما يقول رافائيل بيهر في “الغارديان” (13/12/2019) لديهم توقعات اقتصادية واجتماعية وثقافية من الحكومة، والتي يفتقد حزب المحافظين القديم المقدرة على توفيرها. ولن يرضي الشكاوى والاحباطات التي أدت إلى دعم قوي لبريكست عام 2016 مجرد مغادرة الاتحاد الأوروبي في كانون أول (يناير). ومع أنه يمكن جونسون أن يكون واثقا من تحقيق المتطلبات الفنية “لإنجاز بريكست” إلا أن علاقته مع المصوتين الجدد، الذين صوتوا بناء على مغادرة الاتحاد الأوروبي قد تتوتر بسرعة بواقع ماذا سيكسبون وماذا سيقدم لهم من بريكست. فالتشكك العميق من المحافظين كفكرة ليس من السهل محوه عن طريق الزعيم، حتى لو تجاوز بوريس بنجاح التحفظات التي منعت الناس من تأييد سلفه.

تيارات أخرى

لقد أطلقت الحملة الأخيرة العنان لتيارات أخرى في المجتمع البريطاني حيث ضربت الهزيمة معاقل الليبراليين الذي ضيعت زعيمتهم جو سوينسون فرصة تاريخية. وكانت ليلة حزب الديمقراطيين الأحرار سيئة جدا أيضا. وسيكون مستقبل اسكتلندا موضوعا مهما. مع أن جونسون ركز على الفوز بدون الالتفات للتفاصيل وكسب مصوتين جدد بدون خسارة الكثير من المصوتين المحافظين التقليديين في أماكن أخرى.

درس لأمريكا

وترى صحيفة “نيويورك تايمز” أن الأمريكيين، خاصة الديمقراطيين قد يتعلمون من ليلة الخميس في بريطانيا. وتعديل رؤيتهم الهادفة للإطاحة بالجمهوريين. ومن اللافت أن رئيس الوزراء جونسون الأشعث الشعبوي قورن بترامب، وهو ما لم يفت على صحيفة “إندبندنت” (13/12/2019) في افتتاحيتها التي اعتبرت فوز جونسون انتصارا للترامبية التي أصبحت علامة للسياسة البريطانية حيث انهار فيها المركز. وكان لافتا أن يرسل ترامب تغريدة يهنئ فيها جونسون على الفوز العظيم ويعد بمعاهدة تجارية أكبر من أي اتفاق تجاري مع دولة أوروبية. وهنا مكمن الفرق بين رئيس أمريكا الذي يدير البلاد من خلال “تويت” وجونسون الذي يفهم السياسة الداخلية البريطانية والقارة التي قاتل من أجل الخروج منها. وفي النهاية لم تعد المسألة شعارات خروج ومنجز لم يتحقق، بل تحديات ومطالب ومساءلة وإن ظل جونسون مع الزمرة التي جلبها معه وواصل سياسته الانقسامية فالكارثة التي حلت بالليبرالية ليلة الخميس ستتفاقم وستكبر الفجوة والانقسام داخل المجتمع البريطاني، وجونسون لا يستطيع تجاهل ما يسري في داخل بريطانيا من توقعات منه ولو فشل فلا عزاء للمنهزمين، كما حدث مع كوربن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية