سياسة عزله تتم من دون قرار حكومي ومن دون نقاش جماهيري
ان كانت هناك حقيقة في صيغة الانسحاب احادي الجانب المسماة خطة الانطواء من الان فصاعدا فبامكان 7.500 مستوطن الموزعين علي 26 مستوطنة في غور الاردن ان يبدأوا بحزم متاعهم. من مجمل ما يقوله اولمرت حول توسيع غوش عصيون وغيرها من الكتل الاستيطانية يمكن ان نفهم ما ينويه بصدد مستوطنات غور الاردن. القائم باعمال رئيس الوزراء ورئيس حزب كديما شهّر اجابة مبهمة جاهزة علي سؤال متوقع حول مصير غور الاردن: حدودنا الامنية ستكون علي امتداد النهر. ولهذه المسألة اعتبارات استراتيجية لا نستطيع التنازل عنها ( هآرتس 10/3) هكذا من دون توضيح. هل ستستوجب هذه الاعتبارات الاستراتيجية وجودا عسكريا فقط أم أن تقاليد السور والبرج ما زالت سارية المفعول عندما يتعلق الامر في المستوطنات التوراتية؟ وهل ينوي اخلاء المستوطنات وهل سيسمح للفلسطينيين بالاقامة في المنطقة وفلاحة الاراضي؟
ليس مصير غور الاردن وحده هو المصاب بالغموض. حكومات اسرائيل تقوم بخرق أمل قانون ممكن طوال 40 عاما تحت ستار الاعتبارات الاستراتيجية الكثيف، سواء كان هذا القانون اسرائيليا أم اردنيا أم دوليا. طرف الخيط يختفي خلف كتاب سميك اسمه ـ تقرير مراقب الدولة لعام 2005. المراقب يكشف النقاب عن ان الحكومات خصصت للمستوطنات الاسرائيلية في غور الاردن اراض فلسطينية في اواخر الستينيات وبداية السبعينيات. بكلمات اخري يسمي ذلك نهبا للاراضي كما قال ميني مزوز امام لجنة التحقيق في احداث عمونا. في غور الاردن كان الوزراء وموظفو الحكومة الكبار والمسؤولون في قسم الاستيطان في الهستدروت من يقفون وراء عمليات النهب خلافا لما حدث في عمونا وامثالها حيث تم الاستلاب بصورة فردية.
ما لم يكتبه المراقب هو أن الحكومة اتخذت قرارا سريا بضم اسماء اصحاب الاراضي الذين طردوا /هربوا للاردن الي قائمة المحظورين من الدخول للمناطق حتي تحول دون قيامهم بالتوجه للقضاء. الشركاء في هذا السر اسموا القائمة قائمة الـ 100 ولكن العدد ازداد مع السنين ووصل الي 2000 وأكثر. طلبات هؤلاء الفلسطينيين لجمع الشمل في المناطق والزيارات خلال اجازة الصيف رفضت علي الفور وكل ذلك بذريعة الاسباب الامنية بطبيعة الحال. في اواخر 2004 فقط وبعد أن قام مراقب الدولة باطلاع قائد منطقة الضفة الغربية في حينه العميد ايلان باز علي خطورة الوضع أمر هذا الاخير بتصفية القائمة القديمة. في تلك الايام جمدت اسرائيل معالجة طلبات جمع الشمل ومنعت الزيارات الصيفية الامر الذي فرغ القائمة من غايتها. أغلبية مستوطنات الغور ونصف دزينة من المعسكرات في المنطقة اقيمت علي اراضي الغائبين حسب المصادر العسكرية. مراقب الدولة يذكر ان المساحة تبلغ الاف الدونمات. حسب القانون المتبع في المناطق، هذه الاراضي تحول الي الوصي علي الاملاك الحكومية في الادارة المدنية (ممثل الحارس العام). الدولة غير مخولة بتخصيصها للاستيطان أما استخدامها للاغراض الامنية فيلزم اصدار اوامر مصادرة. ولكن الدولة فعلت كل ما يحلو لها باملاك الغائبين. بعض الاراضي استخدمت في صفقات تبادل مع اصحاب الاراضي الفلسطينية الذين ظلوا في مكانهم واغلبها خصص للمستوطنات بطريقة مباشرة. رسائل المستشار القضائي لمنطقة الضفة الغربية التي اعتبرت هذه الاعمال غير قانونية لم تقف عقبة أمام الاطراف الاستيطانية. ذلك لان هذه الجهات عرفت ان القائمة السوداء تضمن لها عدم اجتياز اصحاب الاراضي لجسر الاردن. مراقب الدولة وجد أن وجهة النظر التي كبتها المستشار القضائي في شهر تشرين الاول (اكتوبر) 2003 قد حذرت من عدم قانونية ذلك وانه اقترح ايجاد طريقة لتسوية المسألة مع قسم الاستيطان في الهستدروت الصهيوني التي لعبت هنا أيضا دور الذراع الحكومي الطويل لاعمالها المريبة فيما وراء الخط الاخضر. هو قدر ان وصول المسألة لاروقة القضاء سيضر بالدولة في أي حال من الاحوال. ويؤدي الي سلسلة خطوات تحدق كل الاراضي الاستيطانية ذات العلاقة بالخطر. ان وصل الامر للقضاء فان مستوطنين كثيرين سيكشفون انهم قد اشتروا عقارا مسروقا. البنوك العقارية هي الاخري ستجد فجأة ان العقار المرهون مقابل قروضهم لا يساوي فلسا واحدا.
وجهة نظر المستشار القضائي تتساوق مع الامور التي كتبتها المحامية تاليا ساسون في ملحق تقريرها حول البؤر الاستيطانية غير القانونية الذي لم ير النور. ساسون كتبت هناك بأنه حتي لو سنحت امكانية سياسية لاضفاء الشرعية علي مستوطنة اقيمت علي اراض خاصة فليس من الممكن باي شكل من الاشكال ترتيب ذلك قانونيا حتي ولو بصورة متأخرة. الجيش الاسرائيلي الذي يشكل السيادة في المنطقة والطرف الذي يفترض ان يكون نموذجا للمواطنين وان يطبق القانون عليهم شارك هو الاخر في مهرجان الاراضي الصاخب هذا. معسكرات الجيش في الغور اقيمت في جزء منها علي اراض خاصة من دون اوامر مصادرة كما يلزم القانون وان لم يكن ذلك كافيا فان اغلاق نصف دزينة من المعسكرات خلال السنوات الاخيرة عرضت قيادة الضفة الغربية الي ضغوط شديدة من شارون وموفاز لاعطاء هذه الاراضي المسرحة من الخدمة العسكرية للمستوطنات المجاورة. العميد باز الذي انهي منصبه حاليا رفض التعاون مع رؤسائه في هذه المسألة.
الادارة المدنية اكتفت بالرد بأنها تدرس تقرير مراقب الدولة وتعمل علي اصلاح الاخلالات التي ظهرت فيه وانه لا توجد قيود مفروضة علي اساس قائمة ما للدخول الي غور الاردن. الناطق بلسان الادارة المدنية ادام ابيدان صادق علي أنه كانت في السابق قائمة منعت عددا من السكان من العودة للمنطقة ولكنها الغيت قبل أكثر من سنة.
يفكون ارتباطهممن الممكن الاطلاع علي خطط اسرائيل بصدد غور الاردن من تحقيق مفصل اجرته منظمة بتسيلم مؤخرا. حسب هذا التحقيق يتبين أن خطة الانطواء التي تطرحها كديما تعرج عن شريط طوله 120كم وعرضه الاقصي 15 كم. الغور يعتبر منطقة ج باستثناء جيب اريحا (ج تعني سيطرة اسرائيلية كاملة). ليس هناك أي مؤشر علي ان اسرائيل تنوي التنازل عن ذلك. بل علي العكس يبدو أن الـ 47 الف فلسطيني الذين يقطنون هناك في 20 تجمعا دائما (بما فيها اريحا) وعدة الاف يعيشون في تجمعات متحركة سيضطرون للاكتفاء بفك ارتباط عدمي. النازحون في الاردن يستطيعون ان يحلموا بالعودة الي اراضيهم وبمناسبة العودة نذكر أن غور الاردن هو الاحتياطي الجغرافي الاكبر في المناطق ووزارة التخطيط الفلسطينية أعدت بدورها خطة لاستيعاب 150 الف لاجئ من غزة والشتات هناك.
سياسة فصل اصحاب الاراضي عن اراضيهم لا تتوقف عند النهر ذلك لان اخوانهم من سكان المنطقة الذين استقروا في الضفة الغربية محظورون من الوصول اليها مثلهم. الناطق بلسان الجيش ادعي انه لا توجد اجراءات فردية وان المرور يتم وفقا للتصاريح كما هو الامر بالنسبة لباقي سكان الضفة. الناطق صادق علي أن الفلسطينيين الذين يضبطون في الغور من دون تصريح يسلمون للشرطة. اثر ذلك فقد فلسطينيون يعيشون في القري المحيطة للمنطقة مصادر رزقهم في الغور. النساء اللواتي تزوجن من احد سكان الغور وانتقلن للعيش معه من دون تغيير بند العنوان في هوياتهن لا يغادرن قراهن خشية منعهن من العودة. الكثيرون من موردي الخدمات كفوا عن الوصول الي هناك. الشارع رقم 90 محور الحركة الرئيسي بين شمالي الضفة واريحا وجسر النبي الممر الوحيد بين الضفة والاردن والعالم اغلق كليا امام كل السيارات الفلسطينية. سياسة عزل الغور تتم من دون قرار حكومي ومن دون نقاش جماهيري. ربما كان ذلك درسا مستفادا من قضية الجدار الشرقي.
الانتقادات الدولية التي اثيرت اثر الاحاديث عن فكرة تحويل الضفة الي جيب مغلق من كل الاتجاهات وقورار العليا في حزيران (يونيو) 2004، اضطرت الحكومة الي سحب الخطة. وبدلا من ذلك تسعي الان لتطبيق ما تفعله في غزة بصورة شبه رسمية علي الغور ولكن بطريقة غير رسمية ـ الفصل عن الضفة الغربية. مصدر دبلوماسي يقول ان هناك مفاجأة بانتظار الحكومة القادمة. وزراء الخارجية الاوروبية اجروا عدة مداولات حول الغور مؤخرا وقرروا تقديم احتجاج رسمي حاد اللهجة لاسرائيل. وحتي لا يظهروا وكأنهم يدسون اياديــهم في الــسياسة الاسرائيلية فقد تقرر ان يقدم الاحتجاج للحكومة الجديــدة القــادمة وليس للحالية.
عكيفا الدارالمراسل السياسي للصحيفة(هآرتس) 14/3/2006