خرافة انقسام بغداد الي احياء طائفية، وقضية العدوان علي الاعظمية

حجم الخط
0

هذه هي الاعظمية موضع المؤامرات والعزل والتسوير قاتلت الي جانب العثمانيين ولا ذنب لها الا عروبتهاكنت من ضحايا حزب البعث واشهد انه لم يكن طائفيا ومن اعدم من السنة اكثر من اخوانهم الشيعة

أ. د. سامي الصقارہ سبق لي في مقال ارسلته الي “القدس العربي” ولا اعرف ما اذا كان قد نشر ام لا ـ وهو يتناول مأساة تدمير محلة (حي) الفضل، التي وصفها الاعلام الصليبي بأنها محلة سنية محاطة بأحياء الشيعة، وما الي ذلك من هراء ومزاعم تردد معزوفة انقسام بغداد الي احياء طائفية. ولكنني هنا اود القاء مزيد من الاضواء علي فساد هذه المقولة. واود قبل ان ادلف الي صلب الموضوع، ان اؤكد ما سبق لي ان اكدته مرارا بأنني اكتب ما اكتب بصفتي اولا مواطنا عراقيا قبل كل شيء، ثم استاذا للتاريخ، ودبلوماسيا محترفا مدة (24) عاما، وقد عشت بعيدا عن جميع الاعتبارات العقائدية، لذلك استطيع تحكيم ضميري، واتعامل مع الاحداث بحيادية تامة.

لقد حز في نفسي ما تردده اجهزة الاعلام المعادية خاصة عن بغداد زاعمة انقسامها الي احياء طائفية، وتشير الي مبادرة خطيرة هي السعي (او حتي المباشرة بالعمل) لبناء جدار عال يحيط بالاعظمية بزعم انها تؤوي عناصر ارهابية، او بادعاء حمايتها من هجمات خارجية! وهكذا يخطط لخلق (غيتو) واحد او اكثر ـ ان نجحت هذه المؤامرة ـ وذلك علي غرار الـ(غيتوات) اليهودية التي عرفتها اوروبا منذ العصور الوسطي، وعلي غرار الـ(غيتو) الفلسطيني الذي صنعته اسرائيل المجرمة لخنق الضفة الغربية وقطاع غزة وتمزيقها. ولا ادري كيف سمحت الضمائر لدي من يروج لبناء جدار من شأنه خنق الاعظمية وقطع انفاسها! اذ لم يكفهم ـ علي ما يبدو ـ تدمير احياء بكاملها كحي (الفضل) ببغداد، بل وتدمير مدن مثل الفلوجة والرمادي وسامراء وتلعفر وبعقوبا (والقائمة تطول)، فأرادوا خلق حقائق جديدة في مجري التاريخ، وطمس المعالم الجغرافية باحاطة الاعظمية الباسلة بجدار يكبت الانفاس!

واعود الان الي خرافة انقسام بغداد بالذات الي احياء طائفية، ويهمني في البداية ان اركز علي الاعظمية بالذات، لانني اعرفها جيدا، وليسمح لي القارئ ان ابدأ بتاريخها. انها اولا جزء من بغداد الشرقية التي انشئت عقب بناء الخليفة المنصور لبغداد في الجانب الغربي من دجلة، اذ شيد ما يسمي (الرصافة)، وعين ابنه المهدي حاكما لها، وكانت مدينة كاملة بكل معني الكلمة، واشتهرت بجامعها الكبير (جامع الرصافة) الذي كان مؤرخ بغداد والعلامة الكبير الخطيب البغدادي قد دعا الله ـ عند حجه ـ ان يحظي بشرف المحاضرة بكتابه (تاريخ بغداد) فيقرأ في ذلك الجامع ـ اذ هو شرف عظيم.

وخارج احد ابواب سور الرصافة، المسمي (باب حرب)، انشئت مجموعات سكنية ومحلات، منها محلة (الحربية) التي يقول عنها ياقوت الحموي، انها محلة كبيرة مشهورة ببغداد عند باب حرب، وبها اسواق وجامع كبير (ويقصد به جامع ابي حنيفة)، وينسب اليها من اهل العلم ابراهيم بن اسحق الحربي (ويسميه بالامام الزاهد والعالم النحوي والفقيه). ثم يذكر مقبرتها التي ضمت قبور الامام احمد بن حنبل وبشر الحافي. كما دفن فيها المؤرخ الخطيب البغدادي، سالف الذكر، وهو الذي اشار في تاريخه (ج1/121/125) الي هذه المقبرة التي دفن فيها خلق كثير من اهل الخير والصلاح، ومن المحدثين والزهاد، ودفن في ركن منها (يسمي مقبرة الخيزران) الامام ابو حنيفة، وهي تضم قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (رضي الله عنهم اجمعين)، وكذلك قبر محمد بن اسحق، مؤلف السيرة النبوية. وهنا اود التوقف قليلا عند وفاة الامام احمد بن حنبل، اذ يطنب في ذكرها الخطيب البغدادي (تاريخه ج4/422 ـ 423)، ويقول: ان من حضر جنازته يقدر بـ (800) الف من الرجال و (60) الفا من النساء علاوة علي الآلاف من اليهود والنصاري والمجوس وان (20) الفا من هؤلاء اعتنقوا الاسلام في تلك المناسبة. وهنا اود ان انبه القارئ الي ان قبر الامام احمد لم يبق منه اثر، لانه كان ـ علي ما يبدو ـ قرب ضفة نهر دجلة، مما ادي الي انهياره فانجرف في احدي الفيضانات. هذا وقد دفن قرب قبر الامام احمد، المؤرخ والفقيه الكبير عبد الرحمن ابن الجوزي، وهو من اكابر علماء زمانه، وقد كان مقربا من الخلفاء واشتهر بمجالس وعظه التي كان يعقدها في مواضع مختلفة من العاصمة، وقد شهد بعضها الرحالة الاندلسي الشهير ابن جبير، واطنب في وصفها. وكان بعضها يُعقد عند مشارف قصر الخليفة، اذ كان الخليفة ووالدته ممن اعجبوا بما يقوله ويدعو اليه. وعندما توفي دفن قرب قبر الامام احمد، وشهدت جنازته الكثير مما حصل في جنازة الامام احمد، وقد بالغ سبطه في كتابه (مرآة الزمان ـ طبعة حيدر آباد ج8/500 ـ 501) في رواية ذلك، مما اخترت تأجيل الحديث عنه الي نهاية هذه النبذة، اذ تضمن خبرها امرا ذا مغزي كبير.

قبر ابو حنيفةاما الامام ابو حنيفة الذي دفن في مقبرة الخيزران، كما اسلفنا، فقد تزاحم الناس في الصلاة عليه، ويقول الخطيب البغدادي انه صلي عليه ست مرات بسبب كثرة الزحام (تاريخ ج13/323 ـ 326). وقد حظي القبر بعناية الحكام، فأقام قربه احد سلاطين السلاجقة مدرسة كبيرة تزامنت في انشائها مع بناء (المؤسسة النظامية) التي شيدها في بغداد وزير ذلك السلطان في اواسط القرن الخامس الهجري، واستمرت هذه المدرسة (اي مدرسة ابي حنيفة) في الوجود علي مر العصور، ثم صارت كلية للشريعة تابعة لجامعة بغداد الحديثة. وقد سبقت الاشارة الي جامعها الكبير الذي لا يزال قائما ويعتبر من اهم جوامع بغداد الي جانب جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني. وهكذا فمدرسة ابي حنيفة بقيت قائمة علي مر العصور، وهي التي كانت النواة لجامعة (آل البيت) التي اسسها الملك فيصل الاول (رحمه الله)، وانشأ لها مبني خاصا في الاعظمية، قرب الموقع الذي اختاره مقبرة لنفسه ولاسرته. ثم اتخذ هذا المبني مقرا للبرلمان العراقي وتحول بعد ذلك الي معهد لتخريج المعلمين. وعلي اي حال فجامعة بغداد ليست (حفيدة) للمدرسة النظامية او المدرسة المستنصرية او غيرهما من مدارس بغداد لان جميع تلك المدارس اختفت من الوجود، ولم يبق منها شاخصا سوي احد مباني المستنصرية الذي استخدم لاغراض اخري حتي قيض الله له الانقاذ سنة 1944، علي يد الدكتور ناجي الاصيل مدير الآثار العام الذي قام بصيانته وتحويله الي معهد لدراسة الآثار.

هذا ولا زالت مقبرة الخيزران موجودة، ولكنها تسمي (مقبرة الامام الاعظم). وقد دفن فيها في القرن الماضي عدد من الشخصيات البارزة، اذكر منهم القائد العثماني، محمد باشا الداغستاني، الذي قاد المتطوعين ـ رغم كبر سنه ـ في الحرب العالمية الاولي، لمقاومة الغزو البريطاني للعراق، واستشهد في معركة الكوت. ودفن فيها الشاعر الكبير والفيلسوف جميل صدقي الزهاوي. ثم الشاعر العبقري الحر معروف الرصافي (رحمهم الله جميعا). وعلاوة علي ما تقدم سبقت الاشارة الي حرص الملك فيصل الاول علي اقامة مقبرة لاسرته في الاعظمية ليس بعيدا عن هذه المقبرة، فكان اول من دفن فيها هو اخوه الملك علي، ثم هو نفسه. ودفن فيها بعدئذ ابنه الشهيد الملك غازي، وحفيده الشهيد فيصل الثاني، وعدد من اعضاء الاسرة المالكة، وبعض الساسة العراقيين، مثل جعفر العسكري الذي تولي رئاسة الوزراء (رحمهم الله كلهم اجمعين). الكرادةنعم هذه هي الاعظمية التي هي الان موضع المؤامرات والتدمير والعزل والتسوير، ولا ذنب لها سوي ان اغلب سكانها الاصليين هم من عشيرة (العبيد) التي قاتلت الي جانب العثمانيين لطرد الصفويين الذين ارادوا محو العراق، بزعم انه جزء من ايران! وان اهلها يتبنون القومية العربية ويذبون عنها مهما كلفهم الثمن، ولن يتزحزحوا عن هذا الموقف قط.

اما الان فأعود الي الحديث عن المزاعم عن انقسام بغداد الي احياء طائفية، وابقي مع الاعظمية التي تتهم بأنها (محلة سنية) واود أن انبه القاريء الذي قد يصدق هذه المقولة الي حقيقة لا يستطيع احد انكارها وهي وجود اعداد غير قليلة من الشيعة فيها، ومنهم مجموعة اختارت السكني علي شاطيء دجلة غير بعيدة عن المقبرة الملكية، تسمي (الكرادة)، اذ كان اهلها يسقون مزارعهم بواسطة (كرد) وهو (بكرة) يلتف حولها حبل يحمل في طرفه وعاء (قربة) مصنوعا من الجلد يكفي لحمل كمية كبيرة من الماء، ويربط طرفه الثاني بأحد الحيوانات (كالبغل او الخيل او الثيران) وهو يسير بحركة دائرة تؤدي الي انزال ذلك الوعاء الي النهر ليغترف الماء، ثم يسحب الحيوان بدورانه الوعاء فيرتفع ويفرغ ما فيه من الماء في حوض علي الشاطيء متصل بقنوات صغيرة تحمل الماء الي المزرعة. هذا وتوجد قري عديدة حول بغداد، وفي كثير من انحاء العراق تسمي (كرادة) وقد تحول كثير منها (قرب بغداد) الي احياء كبيرة بل وراقية، مثل الكرادة الشرقية وكرادة مريم (وفيها الآن المنطقة الخضراء السيئة الذكر) وكرادة الكسرة، وهذه الاخيرة تابعة للاعظمية، وقد شهدت في الخمسينات من القرن الماضي افتتاح مسجد كبير للشيعة، وهكذا فالاعظمية ليست (سنية) بالمعني الذي يروج له المغرضون. ثم ان الحكومة في العهد الملكي اقدمت علي لفتة كريمة اود التنويه بها، وذلك عندما انشأت جسرا جديدا في الاعظمية من شأنه تسهيل الوصول الي المشهد (الكاظمي) لأهل بغداد الشرقية، لم تطلق عليه اسم ابي حنيفة او اسم الاعظمية، وانما اسمته (جسر الائمة) لانه يربط الاعظمية بالطريق المؤدي الي الكاظمية التي تضم مشهد الامامين الكاظم والجواد (رضي الله عنهما) والاعظمية هي مدينة الامام ابي حنيفة (رحمه الله) وهذه لفتة في غاية الكمال.

ثم هناك حقيقة اخري، وهي ان عددا من كبار الشخصيات الشيعية قد شيدوا مساكن لهم (قد تسمي قصورا لفخامتها وقد رأيت بعضها فعلا) علي ضفاف دجلة في الاعظمية نفسها، ومنهم الدكتور فاضل الجمالي، رئيس الوزراء، وعبد الهادي الجلبي، الوزير ونائب رئيس مجلس الاعيان (وهو والد احمد الجلبي من رجال الحكم الحاليين)، والدكتور محمد حسن سلمان، وزير الصحة وشخص غني من آل شكارة (نسيت اسمه). كما ان عددا من الجيل الجديد (من الشيعة) كانوا من سكان الاعظمية نفسها، اذكر منهم اللواء ناجي طالب، رئيس الوزراء، وكاظم الخلف السفير ووكيل وزارة الخارجية (وهو من اصدقائي المقربين)، وعوبد جايد احد المحامين الكبار (وهو مع ناجي طالب تزوجا بسيدتين شقيقتين سنيتين من اهل الاعظمية. في الحقيقة ان مثل هذه الزيجات منتشرة حتي ان بني جيراني ـ عندما كنت اسكن الاعظمية ـ شيعيان متزوجان من امرأتين سنيتين ايضا. كما اتذكر واحدا من اشراف النجف الاشرف (من آل الرحيم) تزوج بسيدة سنية من آل السعيدي ببغداد، وابنته منها كانت اول سفير للعراق في واشنطن عقب الاحتلال الامريكي لبغداد، كذلك يحسن بي ان اشير الي زواج الوزير عبد الغني الدولي (الشيعي) بامرأة سنية ايضا. كما ان (الكرادة الشرقية) سالفة الذكر، وهي جنوب بغداد (والتي يعدونها محلة شيعية)، هي في الحقيقة لا تختلف كثيرا عن الاعظمية، فهي خليط من جميع الطوائف، بل والاديان ايضا، اذ سكنها عدد غير قليل من النصاري، وقد كان من سكانها السنة البارزين احمد نيازي رئيس ديوان التدوين القانوني، والشيخ قاسم، احد شيوخ الصوفية البارزين، ومن احفاده طبيب كبير هو سامي عبد الرزاق الشيخ قاسم ومثله الطبيب البارز خلاد ناجي وغيرهم كثيرون.

لا بغداد شرقية.. ولا غربيةوعلي اي حال فان ما يقال عن الجانب الشرقي من بغداد بأنه شيعي، غير صحيح علي الاطلاق، اذ يضم جميع فئات المجتمع العراقي، بمن فيهم اليهود والنصاري (الذين لم يسكن احد منهم في الجانب العربي قط) ولهم في الجانب الشرقي كنائسهم ومعابدهم ومقابرهم، وحتي المهاجرون الأرمن استقروا في هذا الجانب. ثم ان اغلب جوامع السنة موجودة في الجانب الشرقي، مثل جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني وجامع الفضل وجامع الحيدرخانة، وجامع الحلفاء، وجامع العاقولية، وجامع الوزير، وجامع السراي وجامع الاصفية، وجامع القبلانية، وجامع الخفافين، وجامع عادلة خاتون، وجامع المحكمة الشرعية، وجامع مرجان، وجامع قنبر علي، وجامع بوشناق باشا، وجامع المصرف، وجامع الشيخ عمر السهروردي (الي جانب ترتبه)، وجامع الاحمدية وجامع الازبك، وجامع القلعة وغيرها كثير، وكلها للسنة، علاوة علي (جامع 14 رمضان) الذي يشرف علي الميدان الذي كان فيه تمثال صدام حسين، ثم جامع سراج الدين (وهو استاذ الشيخ عبد القادر الكيلاني) وعلي مقربة منه جامع للشيعة يسمي (جامع المصلون). وفي هذا الجانب عدد غير قليل من تكايا الصوفية (وهم سنة)، ولا سيما في حي (الفضل) وحي (العزة) وحي (باب الشيخ). ثم نأتي الي الجانب الغربي من بغداد الذي درج الاعلام الاجنبي المسموم علي اعتباره (سنيا) وهو في الحقيقة لا يختلف في شيء عن الجانب الشرقي من الناحية الطائفية، بل يتميز عنه بوجود شيعي متميز، يتجلي اولا في وجود جامع (براثا) الذي صلي فيه الامام علي (كرم الله وجهه) عند عودته من صفين وتوجهه لمحاربة الخوارج. وقد تخرب غير انه اعيد تعميره في العهد الملكي واستؤنفت الصلوات فيه. ثم ان هذا الجانب يتميز بسكن آل النواب فيه (وهم من نبلاء شيعة الهند) الذين نفاهم البريطانيون، فرحبت بهم الدولة العثمانية، وسكنوا في الكرخ، واقاموا لهم مساكن (بل قصورا) علي شاطيء دجلة (حتي ان تلك البيوت لما اخلوها الي مبان جديدة، استأجرتها الحكومة لاستخدامها مكاتب لبعض الادارات)، وصاروا عراقيين، ومنهم (علاء النواب) الشاعر العراقي البارز، وعدد من كبار المسؤولين، وقد اعتادت عائلة النواب تمويل اقامة اجتماعات العزاء في الايام العشرة الاولي من المحرم، احياء لذكري مأساة كربلاء، وكانت تمول ايضا اقامة مسيرات (تسمي في العراق سباية)، خلال تلك المدة، وهي مسيرات ينتظم فيها المشاركون في صفوف تتقدمها فرقة قرع نوع من الطبول تسمي (الدمامات) وتتبعها فرقة ضاربي ظهورهم المكشوفة بحزمة من سلاسل الحديد، وتليها فرقة تتألف ممن كشفوا الجزء الاعلي من اجسامهم، واستخدموا ايديهم في لطم صدورهم مع ترديد بعض الشعارات الحزينة. هذه المسيرات كانت تنطلق من (بيت النواب) وتجوب شوارع الجانب الغربي، وتنتهي في البيت نفسه. وينفق آل النواب في هذا الشأن مبالغ طائلة عن طيب خاطر. وفي اليوم التاسع من المحرم يقوم عدد من الشباب بتمثيل مأساة كربلاء، فيلبسون الدروع ويحملون السيوف، ويمتطون الخيول، وينقسمون الي فريقين متبارزين: فريق الامام الحسين (رضي الله عنه)، وفريق الدولة الاموية. وتنتهي المبارزة ـ كما هو معروف ـ باستشهاده واهل بيته (رضي الله عنهم اجمعين). هذا كله يحدث في منطقة من بغداد، تسميها ابواق الاعلام الاستعمارية منطقة سنية!

ثم هناك علي مقربة من (بيت النواب) محطة (التراموي) الذي اسسه الوالي العثماني المصلح (مدحت باشا) في القرن التاسع عشر، وذلك لربط بغداد الغربية بالكاظمية للتسهيل علي زوار المشهد الكاظمي بركوب واسطة نقل سريعة ومريحة. وانا اذكر جيدا ان اهلنا ـ عندما يريدون التشرف بزيارة المشهد الشريف ـ كانوا يعبرون جسر دجلة الي الجانب الغربي لنستقل (التراموي) الذي كانت تجره الخيول (ثم استخدمت لجره قاطرة بخارية). وكنا نستمتع بركوبه اذ يخترق البساتين ونشاهد بعض البيوت الفخمة وفي مقدمتها ما كنا نسميه (بيت الأيل) والمقصود هو قصر اسرة (الجلبي) الغنية، المحاط بحديقة جميلة يتوسطها تمثال (أيل) وهو نوع من الغزال. في الحقيقة ان الكرخ (الدي يسميه الاعلام الاستعماري سنيا) كان فقيرا مقارنة بالجانب الشرقي، رغم انه شهد في العهد العثماني انشاء محطة للسكة الحديد التي تمتد بين بغداد وبرلين (وقد انجز منها حوالي 150 كيلومترا بين بغداد وسامراء) وبنيت حولها مجموعة من المساكن للمهندسين والفنيين الألمان، يسميها الناس (قصور الالمان). كما ان الانكليز انشأوا في هذه المنطقة محطة لخطوط السكة التي تربط بغداد بميناء البصرة وبكربلاء وبمدن الفرات. ثم تقع في الكرخ مجموعة المباني لدار المندوب السامي البريطاني ومكاتبه التي يتقدمها تمثال الجنرال (مود) علي صهوة حصانه وهو القائد الذي احتل بغداد سنة 1917. وقد كان الملك فيصل اول من اهتم بالجانب الغربي من بغداد، اذ عمد الي انشاء مطار لهبوط طائرات الخطوط البريطانية والهولندية خاصة، في طريقها الي المستعمرات البريطانية في الهند والهولندية في اندونيسيا. كما انه اختار موقعا لبناء قصر ملكي (اذ لم يكن في بغداد قصر من هذا القبيل، فسكن الملك في مبني قديم لمدرسة الصناعة التي انشأها الوالي العثماني مدحت باشا سالف الذكر). ولكن القصر (واسمه قصر الزهور) لم يكتمل الا بعد وفاته (رحمه الله) سنة 1933. سبط ابن الجوزيوالجدير بالذكر ان العراقيين ساءهم ان يروا تمثالا لقائد بريطاني احتل عاصمتهم، فتنادوا لصنع تمثال يبز ذلك التمثال، ونصبوه غير بعيد عن التمثال البريطاني، وحرصوا علي ان يجعلوا التمثال للملك فيصل مرتديا اللباس العربي، وقد امتطي جوادا ينطلق بمنتهي قوته باتجاه الغرب، مقارنة بتمثال (مود) الجامد جمود الاموات، وتأكيدا علي ان العراق يتحفز بالاندفاع تجاه اهله في سورية وفلسطين، ومن وراءهم من الاشقاء. والمؤسف ان بعض الرعاع والحاقدين حطموا ذلك التمثال يوم 14 تموز (يوليو) 1958 وقد قيل لي ان صدام حسين حرص علي صنع تمثال مماثل وضعه في متحف العراق (ولكن لا اعرف مدي صحة هذا الخبر، اذ لم يتسن لي زيارة العراق، لا في عهد البعث ولا في عهد النكبة). والآن ارجو ان يسمح لي القارئ ان اعود الي حادث وفاة العلامة ابن الجوزي، دفين الاعظمية، اذ رافقها امر ذو مغزي كبير، يلقم دعاة الطائفية احجارا (وليس حجرا واحدا)، كما يستفاد من اقوال سبط ابن الجوزي في كتابه (مرآة الزمان) عن جنازة جده، وقد كان تشييعه يوما مشهودا، اذ كثر المشيعون، ونقلت الجنازة الي الجانب الغربي من بغداد، حيث صلي عليه في جامع المنصور، وفي مواضع اخري، ولم تصل الجنازة الي مقبرة (باب حرب) في الجانب الشرقي الا وقت صلاة الجمعة عند شدة الحر (وكانت الوفاة في شهر تموز/يوليو الذي صادف وقوعه في شهر رمضان)، فاضطر كثير من الناس الي الافطار، بينما رابط آخرون عند القبر لتلاوة القرآن الكريم في الليل والنهار، ولكن ابرز ما حدث كان في مجلس عزائه، اذ حضره الناصر العلوي الموسوي، كبير سادات المشهد الكاظمي، لتقديم العزاء، ولم يكتف بذلك، بل انشد قصيدة بليغة عصماء في رثائه، اقتبس منها ما وجهه من خطاب الي ابن الجوزي، فقال:

قد كنت كهفاً للشريعة والهديحَبْراً بأنوار الهداية تلمعيا قبره جادتك كل غمامةهطالة ركانة لا تقلعالي ان يقول مخاطبا هذه المرة الإمام احمد بن حنبل:

يا أحمد خذ أحمد الثاني(ہہ) الذيما زال عنك اذ يذب ويدفعأقسمتُ لو كُشف الغطا لرأيتمووفد الملائك حوله تتشرعوالحور حور القدس حول ضريحهوالأولياء بقبره تتضرعفي الحقيقة انني لم أجد أي أمر غريب في وصف ابن الجوزي، بأنه كهف الشريعة والحبر في علومها، اذ زادت مؤلفاته التي غطت الشريعة وعلوما اخري كثيرة مما عرفها زمانه، والتاريخ في مقدمتها، وقد زادت علي (240) مؤلفا، سلم البعض منها من الضياع وتم نشرها، مثل كتابه في التاريخ (المنتظم) الذي نشرته دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد (الهند). وقد تصدي باحث عراقي، هو عبد الحميد العلوجي لتتبع تلك المؤلفات، وضعت كتابا عنها، نشر في بغداد سنة 1965. وهذه المؤلفات هي خير شاهد علي علمه وتبحره في جميع فروع المعرفة.

ولكن الذي يهمني اكثر من ذلك، هو ان الذي كلف نفسه بمشقة السفر من الكاظمية الي بغداد، وهي سفرة غير قصيرة بالنسبة لوسائل النقل قبل (800) عام، هو من كبار زعماء الشيعة، وان خطابه الموجه الي الإمام احمد ووصفه لابن الجوزي (الفقيه الحنبلي)، بما وصفه به الي درجة ان الملائكة تحف به، وان النبي (صلي الله عليه وسلم) يبكي عليه، كما يبكي عليه خير البرية (آل البيت) وعلي رأسهم الإمام علي (كرم الله وجهه)، والحور العين تحيط بضريحه، والاولياء تتضرع بقبره. هذا الوصف الرائع والثناء العاطر، يصدر من زعيم علوي النسب، عالي المكانة، يصدر في حق (فقيه حنبلي)، يعكس بصدق مشاعر المسلمين تجاه بعضهم البعض، قبل ثمانية قرون، ويفضح دعاة الطائفية (من الشيعة والسنة علي السواء)، ومن يقف وراءهم من عملاء الاستعمار. نعم هكذا كان المسلمون في عصرهم الذهبي، تأبي نفوسهم، وصدق عقيدتهم، استخدام الدين وسيلة لزرع الخلافات واثارة النعرات. وكم حري بنا ان نتخذ من هذا السيد العلوي النبيل نبراسا للمسلم الصادق في ايمانه، والساعي لقول كلمة الحق بأعلي صوته، كما انه ليس غريبا من ان يطري ابن الجوزي وسعة علمه الذي شهدت له به مولفاته.

وكذلك، كم هو حري بنا ان نتساءل أين هي الديمقراطية والحرية (وغيرها من الكلمات الطنانة، التي وعد بوش باقامتها لسواد عيون العراقيين طبعا!!)، واذا بها حرية تمزيق البلاد وقتل العباد، وتقسيم الشعب الي طوائف متناحرة، وعرقيات متقاتلة، وتدمير لكيان قطر عريق، وزرع اسباب الفتن بين اهله، وتدمير مؤسساته وانجازاته التي شملت جميع ميادين الحياة، مما قد تميز به العراق بالنسبة لأقطار الشرق الاوسط كافة، الامر الذي افزع الحبيبة (اسرائيل)، وأقض مضاجع سكان البيت الابيض، فشمروا عن سواعدهم، وحشدوا قواهم وقوي عملائهم في الشرق والغرب، فكان ما كان من قتل وتدمير وتقطيع اوصال لقطر كل ذنبه انه رفض السير في ركاب الاستعمار، ليس فقط في عهد البعث، بل قد تمسك بحريته في مختلف العهود منذ تأسيس الحكم الوطني، مستخدما في ذلك مختلف الاساليب، مما كفل له النجاح، وصار موضع الحسد من القريب والبعيد، فكان ما كان مما يعرفه الجميع.

وهناك امر آخر يستحق التنويه، وهو دفن أحد احفاد الإمام علي بن ابي طالب (كرم الله وجهه) في مقبرة الخيزران (أي الاعظمية) كما اسلفنا، وهو عبيد الله بن محمد بن (عمر) بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (رضي الله عنهم اجمعين)، وفقا لما ذكره الخطيب البغدادي (ج1/121 ـ 125)، اذ لم ينقل جثمانه الي المشهد الكاظمي، في حين ان خلفاء بني العباس اتخذوا من رحاب المشهد الكاظمي مقبرة لأبناء اسرتهم كقبر زبيدة زوجة الرشيد وابنها الخليفة الامين. ويبدو ان دفن الشريف العلوي في تلك المقبرة كان اتباعا لما سار عليه السلف الصالح في دفن موتاهم حيث تقع وفاتهم، وهذا ما حصل فعلا بالنسبة للإمام علي وابنائه واحفاده (حتي الإمام الحادي عشر) فقد دفنوا (رضوان الله عليهم اجمعين) في اماكن استشهادهم بدءا بالنجف الاشرف، فالمدينة المنورة فكربلاء فالكاظمية فخراسان فسامراء (وفيها غيبة المهدي ـ رضي الله عنه). ويهمني ايضا فيما يتعلق بهذا الشريف العلوي، الاشارة الي ان شجرة نسبه تضمنت اسم (عمر) وهو ابن الامام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن ابي طالب (رضي الله عنهم). وهذا مؤشر لا يمكن نكرانه علي ان اسم (عمر) كان من الاسماء التي تسمي بها ابناء آل البيت الطاهر، الامر الذي يدل علي التعاطف مع صاحبه، وهذه لفتة من مكارم آل البيت ومن الصحابة وابنائهم واحفادهم، اذ كانوا يسمون ابناءهم بأسماء من يحبون من الاصحاب، ومن يراجع كتب الانساب (وخاصة آل البيت النبوي) يجد فيها الكثير ممن سمي عمر وعثمان. ولا شك ان من واجب المسلمين جميعا الاقتداء بالعترة الطاهرة وبالاصحاب، واتخاذهم قدوة ونموذجا للسير في دروب الحياة، لأنهم كالنجوم ـ كما قال المصطفي (صلي الله عليه وسلم) ـ فبمن اقتديتم اهتديتم.

كذب وافتراءهذا وقبل انهاء هذه النبذة ـ التي طالت ـ يهمني ان اشير الي ما يقال هنا وهناك من ان الطائفة الفلانية والقومية الفلانية، كانت تعاني من الاضطهاد في العراق، الامر الذي يكذبه التاريخ العراقي الحديث، اذ لم يعرف العراق التفريق بين شيعي وسني ولا بين كردي وعربي ولا بين مسلم وغير مسلم، وخير شاهد علي ذلك (تاريخ الوزارات العراقية) الذي صنفه السيد عبد الرزاق الحسيني (وهو شيعي)، وغطي به فترة العهد الملكي، فهو أقوي دليل علي دحض تلك الأكذوبة.

أما بالنسبة للعهد البعثي (وانني من ضحاياه، اذ فقدت وظيفتي بعد شهرين فقط من حركة تموز/يوليو 1968)، فأقول انني لم أجد حكام حزب البعث سواء في سنة 1963 ام في الفترة الطويلة (1968 ـ 2003)، أي مؤشر يؤيد اتهامهم بالطائفية او بالتمييز بين الاغلبية العربية، وبين غيرها من فئات السكان، ففي حركة 1958 مثلا، كان فؤاد الركابي (الشيعي) هو الذي مثل حزب البعث في حكومة عبد الكريم قاسم. أما في حركة 14 رمضان (شباط 1963) كان البعثيون من الشيعة هم سادة الموقف، فوزير الخارجية كان (طالب شبيب)، وحازم جواد ابرز الوزراء، واخوه كان السفير في بيروت كما كان سعدون حمادي رئيسا لتحرير جريدة الجمهورية، وقد تقدم سعدون في السلم السياسي حتي صار رئيسا لمجلس النواب في فترة ما بعد تموز (يوليو) 1968، كما شغل مناصب وزارية، ومنها وزارة الخارجية، في حين ان الصحاف الذي اشتهر ايام الغزوة الاجرامية سنة 2003، شغل منصب وزير الاعلام. فحزب البعث ـ كما هو معروف لدي الجميع ـ هو حزب (علماني) لا ينظر الي الناس إلا بمقدار انسجامهم مع مبادئ الحزب. في الحقيقة لو استعرضنا اسماء من اعدم في فترة الحكم البعثي الطويلة، لوجدنا اغلبها كانت لأشخاص من السنة، وكان اعدامهم ضمن عمليات التصفية الحزبية، والشك في ولائهم. ولم يسلم من هذه العقوبة من شذ عن الطريق، حتي ولو كان من اقرب الاقارب للرئيس صدام، وقد تجلي ذلك في مصير ابناء عمه وازواج بناته الذين لجأوا الي الاردن، وصدرت عنهم تصرفات اعتبرت خيانة وطنية، خاصة، وقد كان الوطني يعاني من الحصار المدمر، علاوة علي ما كان يخططه العدو المتربص للانقضاض عليه، فاعتبر ذلك جريمة لا تغتفر، فكانت تصفية الفاعلين، ولم تشفع لهم قرابتهم من الرئيس، ولا سابق خدماتهم للدولة والحزب، وهذا الحادث كفيل بدحض تهمة التحيز الطائفي او العرقي لحكم البعث.

اما بالنسبة للاكراد فان ما حصلوا عليه في عهد البعث ما لم يحلموا في الحصول عليه، اذ منحهم عام 1970 الحكم الذاتي، ثم انهم كان لهم في المناصب العليا نائب رئيس الجمهورية، وهو طه معروف رمضان، الرجل الطيب (وهو من زملائي في الخدمة الدبلوماسية)، ونعم الرجل كان. وختاما اعتذر للقراء الكرام، اذ طال الحديث، ولم اكن اقصده، ولكن الحديث يجر الحديث، وهو حديث ذو شجون، فأرجو المعذرة والصفح الجميل.

ہسفير ودبلوماسي عراقي سابقہہ ويقصد الشاعر تشبيه ابن الجوزي بالامام احمد بن حنبل وسماه (احمد) مع ان اسم ابن الجوزي هو (عبد الرحمن) امعانا في التشبيه بينهما7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية