عطيل و مصير المرتزقة

حجم الخط
0

يظن الكثيرون بمن فيهم نقاد الأدب أن مسرحية عطيل التراجيدية التي كتبها شكسبير هي مسرحية اخرى عن قصة حب لم يكتب لها النجاح و لا ينتبهون الى المضامين الاخرى الانسانية و السياسية ضمن جنباتها. 
فعطيل المغربي الذي باع نفسه و خلعها من جذورها و تبرأ من ماضيه ليصبح قائدا عسكريا في مدينة البندقية، درة الامبراطورية الرومانية و احد أهم مراكزها الاقتصادية، ظل يعتبر غريبا و وافدا و طارئا بل لقد كانوا ينظرون اليه نظرة دونية عرقية و محتقرة فقبلوا ان يحارب بسيوفهم و لكنه عندما رفع بصره و آماله ليوثق علاقته بهذا المجتمع بالزواج من احد نسائهم،ديدمونة، كان المصير مأساويا و دفع حياته ثمنا لهذه التطلعات، فالرومان استأجروا قوته و خبرته السياسية فقط و لكن عندما أراد ان يتجاوز الدائرة المسموحة له من الاسياد لفظوه كما تلفظ الجيفة!
الغريب في الامر الرسالة الاخرى التي وجهها شكسبير حول مصير اولئك الذين يبيعون أنفسهم و اهلهم ليحاربوا مع اعداءهم فعطيل ذهب الى قبرص لمحاربة الاتراك،اخوانه في الدين و الحضارة، فلاحقته الدماء و اللعنات التي أراقها الى داخل بيته و أفسدت عليه حياته الى أن قتل زوجته بيديه بعد حب عاصف و تضحيات و لكن يبدو ان من يبيع نفسه يهون عليه كل شيء!
ليس الأدب و هو ديوان الحضارات و خلاصة تجربة الأمم ببعيد عن السياسة فمن لا يتعلم دروسه يظل غرا و ان بلغ المراتب و اكتسى بالرتب.
الدرس ادركه ابن عباد حين فضل ان يضع يده في يد غريمه السياسي ابن تاشفين و لو أخذ ملكه فما يجمعهم فوق كل ملك دنيوي و لا ان يسلم نفسه و شعبه و تاريخه للفونسو و قال قولته المشهورة «لئن أرعى الابل عند ابن تاشفين خير لي من ان ارعى الخنازير عند الفونسو» فخلد موقفه مثلا و قدوة تجرم كل الخونة و الباعة و منطق أهون الشرين و أحلى المرين مع الاعداء
و قد ظننا انه بنشوء الدول القطرية أصبح للدول جيوشها الوطنية من صفوة ابنائها الذين أقسموا على فداء ترابها بدمائهم و الذين يعرفون لشدة تعلقهم بأوطانهم ماذا تعني الاوطان لابنائها فلا يفكرون في الاعتداء عليه مهما كان الثمن و الاغراء!
انه لمن المخزي ان يكون لبعض جنود العدو قيما أكثر من العرب فيستنكفون و يتمردون على اداء الخدمة العسكرية و قتال الفلسطينيين من الخوف و الجبن احيانا و لكن بعضهم عن رفض مبدئي ايضا في الوقت الذي نفاخر فيه بغسيل دماغ جيوشنا التي سخرت قوتها للبطش بالشعوب في الداخل و للاستئجار لمن يدفع أكثر في القضايا الدولية.   
كنا نحتقر المومس تبيع جسدها من اجل حفنة دراهم فماذا عن بيع المبادىء و الذمم و الجيوش أليست ذات التجارة بالبشر بين اللحم الابيض و العضلات العسكرية؟ اليست ذات السوق السوداء و التجارة الخاسرة؟ و ماذا يختلف البغاء العسكري عن البغاء الاجتماعي؟!
د.ديمة طارق طهبوب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية