■ المتتبع لخطابات زعماء العالم في الأمم المتحدة يلحظ وبلا ادنى شك الهجوم الشديد على «داعش» من كافة الرؤساء. كما أن تحالفا عالميا من خمسين دولة جرى تشكيله خصيصا لمحاربة هذا التنظيم.
صحيح يتوجب محاربة الإرهاب من قبل كافة دول العالم، فهو خطر على كل الشعوب، لكن ما بال معظم هؤلاء الزعماء لا يذكرون كلمة واحدة عن الإرهاب الصهيوني في فلسطين.. تاريخا وحاضرا، خاصة بعد خطاب نتنياهو التزويري، الذي حاول إلصاق كل ما ارتكبته إسرائيل من جرائم حرب، بالفلسطينيين والعرب؟ وصوّر دولة الكيان بأنها الدولة «المسالمة»! مع أن الظاهرتين رعى إنشاءهما الاستعمار الغربي، خاصة بريطانيا بالتعاون مع الولايات المتحدة، اللتين خلقتا وحليفاتهما كيانا مصطنعا في منطقتنا من أجل أهداف استعمارية بحتة. كيان عدواني مهمته الرئيسية الاعتداء على شعوب المنطقة ودولها.. تاريخا وحضارة ووجودا. كيان تاريخه حافل بالمذابح ضد الفلسطينيين والامة العربية.
كيان أتى لتخريب النسيج الاجتماعي لشعوب الأمة الواحدة، ومنع لقائها الجمعي، ومن أجل تفتيت دولها إلى دويلات متحاربة، من خلال الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية. كيان يسعى إلى تطبيق دولته الكبرى في معظم انحاء الوطن العربي، الأهداف نفسها التي من أجلها أنشات أمريكا «داعش». هذا لا نتجناه على الدولة الأولى في العالم… بل تؤكده في مذكراتها المنشورة حديثا في أمريكا، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، وأثارت بذلك زوبعة كبيرة.
صحيح أن طرق القتل التي تطبقها «داعش» مقرفة ومقززة ويندى لها جبين الإنسانية، لكن الكيان يطبق القتل نفسه بأساليب مختلفة وبشكل أكبر، بل تفوق على «داعش» في حجم قتله.. إسرائيل تقتل الأطفال الذين لم يبلغوا الا بضعة أشهر بتدمير البيوت على رؤوس أصحابها، بينما «داعش» لا تقتل أطفالا (أنا لا أدافع عنه. «داعش» تهجر السكان، ولكن إسرائيل فاقت ذلك بتهجيرها للفلسطينيين في كل الحقبات والمراحل. «داعش» تتلمذ على يدي أستاذه الصهيوني في إثارة النزاعات الطائفية والمذهبية والإثنية في العالم العربي، لذلك كان قرار الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري ـ صحيح ان أمريكا ضغطت على غالبية دول العالم من أجل إلغاء القرار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية وتشكل عالم القطب الواحد، لكن الإلغاء لا يلغي جوهر القرار ومضامينه وتطبيقاته، دول أمريكية لاتينية عديدة اعتبرت الكيان، دولة إرهاب إبان العدوان الصهيوني الأخير على القطاع. في النهاية القتل هو القتل.
منذ اللحظة الأولى لبدء العدوان الصهيوني على غزة، كان من المفترض من التنظيمات التي تطلق على نفسها وصف «الجهادية» كـ»داعش» والنصرة وغيرهما، أن تترك معاركها التي تشنها ظلما وعدوانا على جبهات ودول عربية كثيرة، وتوجه كل أسلحتها إلى العدو الصهيوني، فوفقا للدين الإسلامي الحنيف، فإن الجهاد ضد إسرائيل هو الاهم والأول، فهو الغاصب للأرض الإسلامية، وهو القاتل للبشر والمدنيين والأطفال الفلسطينيين، وهادم البيوت، وهو العدو الرئيسي للإسلام. ولكن كافة هذه التنظيمات وبدلا من الجهاد الأكبر المفترض أن تخوضه ضد عدو الدنيا والدين، واصلت مخططاتها التخريبية في العراق وسوريا واليمن وليبيا وتونس وغيرها، فهل تحرير الموصل ونينوى والرقة ودمشق وعرسال أولى من تحرير بيت المقدس والمسجد الاقصى المهدد بالانهيار والمتعرض في كل يوم لهجمات المستوطنين واعتداءاتهم واستباحاتهم؟
«داعش» يستمر في تخريب وتدمير النسيج الشعبي فيما يحتله من مناطق بإثارته الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية، في الوقت الذي عاشت فيه المجتمعات العربية قرونا طويلة من الوئام الطائفي والسلام بين المذاهب والطوائف والاديان والإثنيات. لا فرق بين مسلم ومسيحي، وبين سني وشيعي، وبين عربي وآخر من قومية ثانية، الكل سواسية في دولهم، فالدين لله والوطن للجميع، الاقرب والأكرم لله جل شأنه أتقاهم. إن أحد أخطر المخططات التي ينفذها «داعش» وأخواته من التنظيمات الأصولية المتطرفة هو، تدمير التعايش في الدول العربية… وهو الهدف الصهيوني نفسه منذ إنشاء الكيان حتى اللحظة.
معروف للجميع كيف قامت الولايات المتحدة بتسهيل هجرة المسيحيين والأقليات الأخرى من العراق من الدول العربية، إليها وإلى الدول الاوروبية والغربية الأخرى، من خلال التنسيق بينها وبين تلك الدول، مثلا قامت بتهجير المسيحيين العراقيين وساعدت على اغتيال العلماء والكفاءات العراقية، خاصة العلمية أثناء احتلالها المباشر للعراق… من أجل إعادة العراق كما صرّح الرئيس بوش الابن آنذاك، إلى العصر الحجري. الكيان منذ نشأته يمارس هذا الدور بين المسلمين والمسيحيين، ويريد إنشاء قومية جديدة للاخيرين «قومية آرامية بدلا من العربية» كما فصل بين الدروز والعرب.
«داعش» يقوم بالدور التهجيري نفسه للأقليات، بداية من تهجيرهم من أماكنهم تمهيدا لتهجيرهم الى الغرب. هذا الدور نفسه يمارسه الآن في سوريا، في المناطق التي تمكن من السيطرة عليها، وهو يتبجح بهذا ويؤكده في بياناته الصادرة عنه وفي تصريحات قادته على الفضائيات، فهم يجاهرون بذلك علنا وعلى رؤوس الاشهاد.
على صعيد آخر، اتخذت القيادات الإسرائيلية قرارا منذ عدة أشهر فحواه، العمل على استقطاب المسيحيين العرب إلى إسرائيل، فهم وفقا لوجهة النظر الإسرائيلية مضطهدون ومهددون.. و»داعش» ومثيلاته يمارسون الدور نفسه. هذا غيض من فيض الحقائق التي لا يجري التركيز عليه إعلاميا للأسف، في الربط ما بين الكيان وتلميذه الـ»داعش»ي، وغيره من التنظيمات الأصولية.. التي تعالج مرضاها في الكيان وتقوم بنشاطاتها في الجولان على مرأى ومسمع من القوات الصهيونية، والأخيرة لا تتحرك… بالطبع تحت إمرة السيد الأمريكي وحلفائه.
جملة القول أمريكا لا تريد القضاء على «داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى التي اخترعتها ومثيلاتها في أفغانستان منذ زمن، بل تريد من تحالفها الدولي ترسيخ وجودها في المنطقة، من أجل حماية الأمن الإسرائيلي. فلولا وجود «داعش» لما امتلكت الإدارة الأمريكية ما تعتبره مبررات من أجل الوجود المباشر في المنطقة. «داعش» وإسرائيل وجهان لعملة واحدة… فلماذا التركيز على «داعش» وتناسي مذابح العدو الصهيوني؟ ندرك الجواب الذي ستثبت صحته… وهو ما سيجري من أحداث في المستقبل القريب.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد