يعدّ أقصر عنوان في عمر مقالاتي في مدارات «القدس العربي». كلمة واحدة لا أكثر. ولكن لو تأتى لنا رصد أغلب الكلمات ورودا ضمن «موضة» الألفاظ المستعملة في الخطاب العام، لكانت كلمة فساد بالتأكيد من بين محتلات الصدارة.
دعونا في هذه السطور نقف وقفة قصيرة مع واحدة من أكثر الكلمات تداولا في النقاش الإعلامي حاليا. ودعونا بادئ ذي بدء نقف عند بداهة أن من خاصية الكلمات الأكثر تداولا أن يكون نصيبها من الدقة، نصيبها من عفوية الكلام المرسل على عواهنه، قد يحكمه ضابط أو لا… ويزداد الأمر وضوحا عندما تحمل الكلمات صفة التهمة التي، متى بدأنا نطلقها، تغدو صالحة في الأغلب لأن تلصق بأكثر من جبين… وكلمة فساد من هذه الطينة.
دارت في آخر الأسبوع الماضي حلقة نقاشية من برنامج «تحليلي» بثه الإعلام الخارجي الفرنسي الناطق بالعربية، حول الانتخابات التونسية القادمة، بشقيها التشريعي والرئاسي، وتركز البرنامج أساسا حول احتمال ترشح شخصيات من «النظام القديم» للرئاسيات المقبلة. لن نعود إلى النقاش الذي بات يدور حول جدارة مشاركة وجوه انتمت لفترة تميزت بما تميزت به في حياة سياسية طبعها لجم للحريات على نطاق واسع، وترسّخ فيها التباين التنموي الذي اختصره التونسيون في ثنائية «الساحل والداخل». ما سنتوقف عنده بالأحرى هو فقدان نقاش يراد له ان يكون تحليليا، البعد التحليلي ذاته الذي كنا نتوقع أن نخرج به من مشاهدة حلقة يفترض فيها أن تزوّدنا بكمّ معرفي أوفر دقة وآفاق استطلاع أوسع عرضا من المتوافر لدينا عند الجلوس أمام التلفاز، لكن سرعان ما تبدى لنا ان الحفل الكريم كان أقرب إلى تمثيل أدوار من المسرح العبثي منه إلى خوض غمار التحليل المفصل، الذي يعتمد على أدوات منهجية تشكل مبدأ كل عمل تلفزيوني جدير بهذه التسمية في دنيا البرامج الإخبارية. فلا وُضع المسلسل الانتخابي التونسي بشقيه في إطار تأثيرات الحدث الثوري على الواقع الدستوري للمؤسسة المنبثقة عنه مباشرة ـ أعني الجمعية التأسيسية – و لا وقع استحضار لأهم توجهات الطبقة السياسية التونسية، رغم ثروة المعلومات التي يمكن لمتابعي الموضوع جنيها، ولا استُشرفت الآفاق التي يمكن أن تلوح في مستقبل بلد واعد بشق سبيل غير مسبوق لتكوين أنموذج من الحداثة العربية، دستورا وحكما وتدبيرا لشؤون المواطنين وشجونهم.
لقد حظينا بالوجه الآخر من العملة تماما، وجه مطبوع بتنابز وتغامز سجّلا نقاطا في مسابقة إطلاق التوصيفات والتوصيفات المضادّة، وتلقين دروس ذهبت معها أيّ محاولة للاستفادة أدراج الرياح. مهرجان من الكلام الذي لا يقدّم ولا يؤخّر، وسيلة سهلة ممتنعة لشغل حيز الثلاثين الدقيقة المتاحة لبرنامج بدا واضحا أنه لم يُعَدّ… ثلاثون دقيقة متاحة، لـ»نادي الأصدقاء»- أن يجتمع مجددا أمام كاميرات أحببت التذكير بأنها من مقتنيات الضرائب التي يدفعها المشاهد. ثلاثون دقيقة سمعنا فيها ما نعتاده من حديث سهل ممتنع، يحتوي على ما مفاده أنّ فجرا جديدا بزغ بفضل «ربيع عربي» اخضرت معه أشجار واعشوشبت معه مروج وزقزقت له عصافير بمفعول همة شبابنا وشاباتنا، وكأن ما تشهده الدول العربية المعنية بـ»التغيير» حالة من رغد عيش وهناء وراحة بال واضحة المعالم بينة الشكل، انكسر معها كل قيد واستجاب معها القدر لمطالب أهلها بصورة جامعة مانعة، لم يبق بعدها سوى مجال للتهليل والتغريد.
لقد غرّد المغردون كثيرا في هذا البرنامج فعلا، لكن خارج السرب بامتياز. ولا يسعنا إلا التعقيب، على سبيل المثال لا الحصر، على عبارة «واحد من أفسد الوزراء» التي أمدّتنا بالقشّة التي قصمت ظهر البعير، لتجهز نهائيا على أي بصيص أمل متبقّ بأنّنا نشاهد نقاشا ليس من «أفقر النقاشات».
٭ باحث أكاديمي و إعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون