تفاصيل موت فلسطيني وسوري في عمق البحر المتوسط… وراءه مهربون وقراصنة

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: كشف تحقيق قامت به صحيفة «الغارديان» عن استغلال المهربين وأصحاب القوارب لللاجئين السوريين والقلسطينيين الذين غرق مركبهم أمام السواحل الإيطالية في السادس من إيلول/سبتمبر الماضي. وكشف التقرير عن شبكة مهربين تبدأ من غزة وتمر عبر الإسكندرية ودمياط قبل ان يلاقي الباحثون عن حياة جميلة في أوروبا في قاع البحر حيث تنتهي الرحلة بعد ان يتركهم المهربون في القوارب الهالكة والرديئة يواجهون قدرهم.
وتصور الصحيفة كيف يقوم المهربون بملء قوارب الصيد الصغيرة بالراغبين لعبور البحر المتوسط فوق طاقتها. وأصبح البحر مقبرة للاجئين الباحثين عن مخرج من حياتهم في مصر التي ترفضهم لكونهم سوريين أو فلسطينيين وليبيا التي تعيش حربا أهلية. وتقول الصحيفة ان البحر ابتلع هذا العام مهاجرين أكثر من أي عام آخر مما يجعله عام الكارثة، وتظهر قصص المهاجرين وهم فلسطينيون وسوريون وكذا أفغان وأفارقة كيف يضع المهاجر حياته تحت رحمة مجموعة من المهربين القساة الذين يهربون ساعة حصول الكارثة، مما يجعل الوصف «موت في أعماق مياه البحر الزرقاء» مناسبا لمأساة من يريد الهجرة.
وأصبحت مآسي البحر شبه يومية لان المهاجرين يحاولون مرة ومرات ويدفون كل ما لديهم من أجل العبور للشاطئ الآخر. وأظهر تقرير سابق للصحيفة كيف قام بعض السوريين بمحاولة عبور البحر أكثر من 30 مرة، وبعضهم خسر آلالاف من الدولارات للمهربين واللصوص الذين خدعوهم وتركوهم إما على شاطئ البحر قبل ان تبدأ الرحلة، أو غادروا القارب قبل ان يصل خفر السواحل المصريون لاعتقال المهاجرين.

خان يونس ـ غزة

وفي محاولة لفهم دوافع الهجرة سافر مراسل الصحيفة بيتر بيومنت إلى خان يونس لمقابلة عائلات المفقودين والناجين، ومنهم عائلة أحمد عصفور الذي قطع معبر رفح مع ثلاثة من أقاربه الذين جرحوا في الحرب الأخيرة إلى مصر.
وفي القاهرة اتصل احمد مع عائلته طالبا إرسال المال لتلقي العلاج، ولكن العائلة اكتشفت لاحقا انه كان يريد 2.000 دولار أمريكي كي يدفعها لوسيط يكنى بأبو حمادة يقيم في الأسكندرية ويشتهر بنقل الغزيين الذي يرغبون بالهجرة لأوروبا عبر دمياط و إلى إيطاليا. وتشير قصة أحمد كما تقول والدته نوال عصفور إلى مأساة غزة التي عاشت حروبا ثلاثة، وهذه هي المرة الثالثة التي تواجه والدته خوف فقدانه.
ففي المرة الأولى كانت عندما كان أحمد مراهقا جرح جراء صاروخ في الأيام الأخيرة من حرب غزة عام 2009، وفقد أحمد ثلاثة من أصابعه وجزءا من عظام ذراعه والبنكرياس. وظنت والدته انها فقدته عندما ذهب إلى إسرائيل للعلاج حيث اعتقل على معبر إيرتز بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي وبقي في السجن حتى عام 2012.
وتقول والدته نوال التي تعاني من السرطان انها لا تتوقع رؤيته هذه المرة، حيث تنتظر مثل بقية العائلات أخبارا عن البحر وما جرى للذين غابوا فيه. وتقول «كان يشعر بالمرض من الأوضاع التي جرت له هنا» في غزة. و»لم يتعاف من جروحه أبدا، واقترح البعض ذهابه إلى أوروبا حيث يتلقى هناك علاجا أفضل». ويشعر أهالي المفقودين بالغضب على المهربين الذين خاطروا بحياة أبنائهم وأقاربهم، وهم غاضبون على حماس والسلطة الوطنية وعلى أوروبا.
ويقول سمير والد أحمد «كنت خائفا على أحمد لانه فقد البنكرياس، ولكنهم قالوا انهم سيعتنون به».
وبعدها «تلقى ابني المقيم في ألمانيا مكالمة من أحمد وقال انه على السفينة التي سترسو على الشواطئ الإيطالية بعد يوم، وكانت هذه آخر مكالمة».

من الانفاق إلى سيناء

من لا يستطيع العبور من غزة إلى مصر من خلال معبر رفح يبحث عن طريقة أخرى مثل الانفاق، فرغم تدمير معظمها أثناء حكم محمد مرسي وفي عهد الحكومة الحالي لعبد الفتاح السيسي إلا ان بعضها يعمل، فلم تعد التجارة التي ازدهرت عبر الانفاق موجودة والتي انعشت الاقتصاد في غزة لفترة وجيزة، ويتذكر سكان غزة هذه الفترة بنوع من الحنين. وعليه بدأ اصحابها ينقلون الناس عبرها.
وينقل التقرير عن صاحب نفق وكنيته أبو فادي قال انه لا يهرب الناس ومع ذلك يعرف العاملين في هذه التجارة ومعظمهم تحت الإقامة الجبرية.
وقال ان من يملكون الانفاق يزورون الأوراق، حيث يتقاضون 100 دولار لقاء الأختام، فيما تكلف الرحلة عبر النفق ما بين 400 ـ 600 دولار.
وكان حميد بربخ واحدا من الذين ركبوا السفينة ونجا حيث وصل إلى إيطاليا لكن رحلته بدأت من الانفاق التي قال انه عمل فيها مرة. ومثل أحمد عصفور بحث عن أبو حمادة في الإسكندرية واتصل بوكيله في غزة. ويقول بربخ «كان أول اتصال لي مع شخص لصالح أبو حمادة والذي رتب عملية نقلي عبر انفاق غزة». بعد الخروج بأمان من النفق تكون المحطة الأولى للمهاجرين بيوتا آمنة يملكها مصريون متعاطفون.
وبعد ذلك يصل سائق يرسله المهرب حيث ينقل المهاجرين إلى مدينة العريش، ويمضي السائق في شوارع خلفية لتجنب نقاط الجيش المصري. وفي العريش يتم تغيير السيارات التي تنقلهم للإسكندرية. ومن لا يحالفه الحظ ويصل للعريش فالأختام المزورة على الجواز تخدمه.
ويصل المهاجرون إلى الاسكندرية بعد 12 ساعة من مغادرتهم غزة. وأحيانا ما تكون الرحلة أسرع حسب الشهادات التي جمعتها «منظمة الهجرة الدولية» من ثلاثة ناجين: إبراهيم عوض الله25 عاما، محمد عوض الله 23 عاما ومأمون دغمش 27 عاما حيث خرجوا من النفق في 12 أيلول/سبتمبر ووصلوا الإسكندرية في نفس اليوم الذي غادروا فيه غزة، وبعد يوم كانوا في البحر.
وجاء اختيار الأخيرة كمعبر لعدد من الأسباب، منها أحياؤها القبيحة المليئة بالبنايات المتداعية والشقق المجهولة التي لا يسأل أصحابها الكثير من الأسئلة طالما حصلوا على الأجر المناسب، والأهم من كل هذا هو موقعها الجغرافي، ففي الغرب والشرق منها هناك شواطئ فارغة حيث تأتي القوارب الصغيرة للشاطئ وتحمل المهاجرين إلى قوارب أكبر. ويقول حميد بربخ « طلب مني عندما وصلت إلى الاسكندرية الذهاب لمكان حتى أقابل جماعة أبو حمادة، وبعد عشر دقائق جاء رجل وأخذني مع أربعة غزيين مثلي، وانتظرنا هناك لمدة أربعة أيام».
وكان في شقق أخرى لا يعرفها بربخ مئات من الأشخاص ينتظرون الانتقال للبحر، ومن بينهم كان أسامة وطارق ربا عائلتين لاجئتين من سوريا كانا يريدان الهرب مع عائلتيهما من مصر، واعتقلوا جميعا في 6 إيلول/سبتمبر عندما تحطم المركب وغرق. ومثل الهاربين من غزة فقد أوصلتهم شبكة التهريب إلى الشبكة التي يديرها أبو حمادة والذي يعتقد انه فلسطيني- سوري عاش في مخيم اليرموك قبل بداية الحرب الأهلية هناك، وأثرى من تجارة التهريب.
ويقول اللاجئ السوري أسامة بعد الإفراج عنه «يقولون انه كان رجلا عاديا في سوريا»، و «لكنه أصبح هنا غنيا، وليس فقط ثريا بل وبعلاقات مع الشرطة وقوات الأمن في الاسكندرية».
ويقدم أسامة تفاصيل جديدة تضاف لشبكة المهربين الذين يوفرون لاجئين لأبو حمادة. ففي غزة هناك أبو أحمد ويعرف أحيانا «إبراهيم»، وهناك شخص سوري اسمه «نزار البابا» ومصري اسمه «احمد».
وإلى جانب هذه المجموعة من المسؤولين عن شبكات التهريب هناك جماعات ظل من الوسطاء وأصحاب القوارب والمراكب الذين يقومون بترتيب الرحلات عبر البحر المتوسط، ويشتهر من بينهم شخص يعرف فقط بـ «الدكتور».
وبالنسبة لطارق وأسامة فقد كان انتظار وصول المركب الأطول. فبعد خمسة أيام من الانتظار تم نقلهم في حافلات مسدلة ستائرها إلى مرسى مطروح. ولان الجو في ذلك اليوم كان سيئا عادت الحافلات مرة أخرى للاسكندرية وهو روتين تم تكراره مرات حيث نقلوا إلى شقق فارغة.
ويقول أسامة ملأوا خمس حافلات ووصل منها للشاطئ واحدة أو اثنتان. فمن المعروف ان حافلتين تصلان الشاطئ وتنتهي البقية في يد الشرطة «ولهذا كنا نتوقع إلقاء القبض علينا».
دمياط

في 6 إيلول/سبتمبر تلقى أحمد عصفور وحميد بربخ وأسامة وطارق نفس الرسالة، وهي انهم سيركبون الحافلات وسيحاولون الوصول إلى الشاطئ. ركب حميد الحافلة في الساعة 2 ظهرا، وكذلك أحمد الذي اتصل بعائلته يخبرها بانه سيبحر نحو إيطاليا في الليل. وركب أسامة وطارق بعدهما بفترة قليلة.
وفي هذه المرة تحركت الحافلات في اتجاهات مختلفة نحو دمياط. وقفت حافلة أسامة وطارق في منطقة أبيس جنوب الاسكندرية حيث غيرا الحافلة. وفي أثناء الرحلة يتذكر السوريان جدالا اندلع بين المهربين حول النقود وتم تبادل إطلاق النار.
وفي الساعة التاسعة مساء وصل أسامة وطارق إلى بلطيم قرب دمياط، وهو وقت يتوافق مع التفاصيل التي قدمها بربخ. وتوقفت الحافلة قرب مقهى قريب من البحر، حيث شعر بعض المهاجرين بالنشوة لرؤيتهم البحر وان العبور بات قريبا، وبالنسبة للبقية فهذه هي المرة 10 أو 12 التي يحاولون فيها العبور للشاطئ الآخر. بعدها قام المهربون بتغيير ونقل المهاجرين وتوزيعهم على الحافلات كل حسب الأجر والرشوة التي دفعهما. فمن دفع أكثر خصصت له المقاعد الأولى كي يكون قريبا من الوصول للشاطئ أسرع، ومن دفع أقل وضع في المقاعد الخلفية مما يعرضه لاعتقال وهو على الشاطئ. بعد الانتهاء من الترتيبات غادرت حافلاتان أو ثلاث المكان مباشرة فيما انتظر طارق وأسامة حتى الحادية عشرة مساء حتى ينقلوا للشاطئ.
وعند نزولهم قرب بناية مهجورة قام السوريان بربط سترة النجاة حولهما وحملا الأطفال على اكتافهما. ومن أجل الوصول للشاطئ نقلا عبر ثغرة صغيرة في الجدار المقام أمام البحر. مع الأطفال والحقائب كانا يكافحان للوصول للبحر، وأمامهما مئات من المهاجرين كانوا يتدفقون ويحاولون الخوض في المياه للوصول إلى قاربين صغيرين كانا ينتظران.
ولم يستطع طارق وأسامة الوصول للقارب، ويشكان في وجود تعاون بين أبو حمادة والشرطة. ويتذكر أسامة انه عندما نقل إلى مركز الشرطة سأله الضابط عن اسم المهرب فأجاب انه أبو أحمد من شبكة أبو حمادة، لكن الضابط اخترع اسما آخر «أبو فراس السوري» وقيده في المحضر.
ويضيف أسامة انه تلقى مكالمة من إبراهيم حذره فيها من تكرار ما فعله وهو الكشف عن اسمه للشرطة وإلا أرسل إليه رجاله وقتله وزوجته وأولاده «نستطيع الوصول إليك أينما كنت» قالت الرسالة.

في البحر

على خلاف طارق وأسامة استطاع حميد بربخ الوصول للقارب، وتعرف على ظهره على عدد من الغزيين وعائلاتهم.
ويقول بربخ «خلال أربعة أيام تنقلنا من قارب إلى آخر أربع مرات والقارب الأخير كان الأكبر. أحضرنا معنا ستر النجاة وكان هناك أشخاص من غزة ومن مخيم اليرموك». في اليوم الرابع، يقول بربخ، وصل قارب صغير واقترب من المركب وكان عليه أعضاء من عصابة التهريب يحملون أجهزة اللاسلكي.
وطلبوا منها النزول من المركب إلى مركب صغير خشية مصادرة السلطات الإيطالية المركب الكبير. عندها قال الكابتن ان القارب لا يتسع لنا جميعا وإلا غرق، ورفضنا».
و»دخل المهربون في جدال مع الكابتن الذي كان رجلا طيبا وواصل الرحلة. وبعد فترة قليلة صدم قارب كبير مركبنا في محاولة لوقفنا».

تفصيل القصة

وبحسب الشهادات التي جمعتها المنظمة الدولية للهجرة من الناجين» فقد غرق على الفور 300 شخص كانوا في السطح السفلي للمركب». وغرق الكثيرون في الساعات التي تلت الصدام.
وتؤكد الشهادة التي قدمها مأمون دغمش للشرطة في مركز صافي بمالطة ما جمع من تفاصيل عن الحادث حيث قال «طلب منا قارب صيد التوقف، ورميت على الكابتن قطعة حديدية، ثم اقترب القارب هذا بمحاذاة مركبنا واصطدم به، ونتيجة لذلك غرق مركبنا، أما القارب الصغير فظل يدور حولنا وكان من عليه يضحكون». ويقول «أعتقد ان هذا القارب من مصر ورقمه كان 109 وكان عليه 10 ركاب ومن لهجتهم نعرف انهم مصريون من دمياط، وأكد هذا لنا الكابتن قبل وفاته حيث قال ان لهجتهم تشير إلى انهم من تلك المدينة، غرق مركبنا واختفى المركب الصغير».
ويقول حميد بربخ «عثرت على سترة نجاة في البحر، وبدأت بالسباحة، وبقيت في الماء مدة يومين قبل ان تكتشفني سفينة واتصلت مع البحرية الإيطالية».
وبحسب عائلات المسافرين في غزة، فقد حاول أبو حمادة انكار علاقته بالمأساة ولكنه اعترف لاحقا بموت بعض «زبائنه».
وعندما حاولت الصحيفة الإتصال بأبو حمادة في الاسكندرية أغلق الهاتف فيما اعترف نزار البابا في مكالمة ان 30 من زبائنه قتلوا ولا يتحمل هو وفريقه مسؤولية الكارثة.
واتهم البابا أصحاب المركب الكبير قائلا انهم جمعوا عددا آخر من قوارب صغيرة أخرى «نحن مسؤولون عن القوارب الصغيرة وليس عما جرى في البحر، تعرف ان هناك قرصنة تجري في البحر». وزعم ان تجارته «آمنة» ولم يحدث ان تعرض لكوارث «هذا هو أول حادث كبير يحدث لناس غادروا من مصر.
ففي الماضي كان خفر السواحل يطلقون النار على قوارب تحمل ما بين 10-15 شخصا ويغرق شخص أو شخصان نتيجة لذلك، ولكن حادثا مثل هذا لم يحدث لقارب مصري». «أشعر بالأسف لما أصاب هؤلاء الناس وأريد معرفة ما حدث لهم بالضبط، وتلقيت تهديدات من عائلات سورية حملتني مسؤولية موت أعزاء عليهم، وقالوا ان دمهم في رقبتي».

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية