النص والناقد والقارئ .. مقاربة في تلقي رواية «ناقة صالحة» لسعود السنعوسي

من المستغرب جدا أن المثقف العربي، أكثر الناس مطالبة بالتعددية والتنوع وحرية التعبير عن الرأي والرأي المخالف، يكون أكثر الأصوات ديكتاتورية وتطرفا في عدم تقبل الرأي الآخر. ما يحدث هذه الأيام هو تسيد للرأي الواحد والذائقة الواحدة، ومحاربة كل رأي مختلف، وحساسية عاطفية ساذجة جدا.
متابعون تهزهم أي كلمة نقدية، وكأنها تهدد وجودهم الذي هو أوهن من بيت العنكبوت. ازداد عدد المطبلين في تويتر للاتجاه الواحد في الحقل الثقافي، على غرار النموذج الذي يدعي بعض المثقفين محاربته، ولكنهم يقعون في السلوك ذاته والممارسة ذاتها. إلى الآن لا أصدق أن أحد المثقفين البارزين في الكويت ينصح المبتدئين من الشباب قائلا لهم: يجب أن (تخدموا) نصوص بعض بالريتويت والمديح ( أي التطبيل). أي كارثة ثقافية نعيشها اليوم في ظل هذه الظروف الثقافية المتردية. الشللية عند بعض الأندية الثقافية في الكويت، مأساة جديدة نضيفها إلى مآسي المشهد الثقافي الذي يعاني من عدد من القضايا أهمها، الاستعراض والقيام بتجهيل الشباب من خلال المبالغة في المدح، من دون تقديم ملاحظات جادة لتطوير مشروعهم الإبداعي، وطبعا لا يخفى على أحد أن من يقوم بذلك يمنع الكاتب الشاب من فرصة بناء ذاته الإبداعية، وفي المقابل لن تتاح لهذا الكاتب الشاب، فرصة التطور ومنافسة «آلهة الكتابة» في الكويت.
عدم القدرة على تقبل الرأي الآخر، تحول إلى حالة رفض سماعه، أو إتاحة الفرصة له أن ينطلق. وغالبا ما تأتي الردود لتفضح جهل المعارضين له، لا عمق في الحجة، ولا أسلوب رصين، ولا حتى منطق قويم. مازلت أذكر أن إحدى الكاتبات المشهورات في الكويت تقول في «سنابها» الخاص لا أهمية لرأي النقد، مهاجمة الانتقاد والانتقاص من قيمة النقاد وقراءاتهم للعمل الأدبي، ولكن لا نعلم كيف سيكون رأيها لو امتدحها بعض النقاد.

لا يعني فوز كاتب بجائزة أنه عظيم في كل الأحوال، وكل إصدار له يكون بالضرورة أفضل من السابق. يمر الكاتب بمرحلة تجريب فينجح في عمل ويخفق في أعمال أخر.

يقوم متابعو وسائل التواصل الاجتماعي بدور مشابه لما حدده غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجيا الجماهير»، التي توضحها مي زيادة في مقالتها «أهم آراء غوستاف لوبون الاجتماعية روح الجماعات». «وإنما يسيطر الاستهواء السيكولوجي على الجماعة على حساب الذكاء والتبصر والرشد، لأن كل حركة عقلية وفكرية مركبة عسيرة، لذلك تكبو الجماعات بدون هذه وتستسلم لتلك. وليس للجماعة السيكولوجية من رأي، بل عندها تتشعب الآراء فلا تأخذ إلا بأسهلها منالا، لتنتقل بسرعة من التخيل إلى العمل المتهور. فيهبط الفرد الراقي فيها، أما الخامل والكسول والجبان فيتحرر فيها من الشعور بعجزه، ومن تبعة أعماله، فيطلق العنان لغرائز قد كان يحمله الخوف على ازدجارها وقمعها لو هو عمل بمفرده. وقد تنتقل بالجماعة موجة الانفعال من الإعجاب إلى التحقير ومن الفظاعة إلى الرحمة في أسرع من لمح البصر». (مي زيادة، كتابات منسية، 460-461).
بالضبط هذا ما نعانيه اليوم مع المتابعين، الذين تأخذهم الحماسة العاطفية لموضوعاتهم العاطفية الأثيرة فيدافعون بأشد الطرق بدائية. وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن جدوى القراءة إذا كانت لا تقودنا إلى البصيرة التي تمحو مظاهر العمى الثقافي.
سعود السنعوسي وبروباغندا البوكر:
لا يعني فوز كاتب بجائزة أنه عظيم في كل الأحوال، وكل إصدار له يكون بالضرورة أفضل من السابق. يمر الكاتب بمرحلة تجريب فينجح في عمل ويخفق في أعمال أخر. تكثر النقاط الإيجابية في عمل ما وتزيد الملاحظات السلبية في عمل آخر، ولا يزال الكاتب في مراحل تجريب حتى يستطيع أن يؤسس مكانته الخاصة في خريطة الإبداع. أشد معضلة يواجهها كاتب هي تقديس الجماهير له، هي عدم تقبلهم فكرة إخفاقه فيفترض أنه لا يكتب إلا قطعة بديعة غير قابلة للنقد، أو تتعرض لمحاولات سوء الفهم، وبالتالي يتعين على قرائه أن يطلقوا عبارات التعظيم الناتجة عن الإفراط في عالم اللذة، وهذا نتيجة قدسية النص وكاتبه. هذه تعد واحدة من المعضلات التي يمر بها سعود السنعوسي، أمام موجة تمجيد وتطبيل متابعيه في تويتر، هي ذاتها الحالة التي تجعله يتساهل في إنتاجه وتقديم نصوص بجودة إبداعية أقل في كل مرة، وبالمناسبة ليس سعود السنعوسي هو الوحيد الذي وقع في هذا الفخ، ثمة كتاب كثر سرقت الجوائز وهجهم وحماسهم في تطوير منجزهم الإبداعي.

هل هذه الرواية استطاعت خلق رؤية مغايرة للماضي، هل استثمرت فكرة هامشية الشخصيات في صناعة تاريخ مختلف ومغاير، وهل كانت العودة إلى سنة 1901 العودة من باب الحنين للماضي، أو تقديم رؤية نقدية له.

«ناقة صالحة» تقف في منتصف الطريق:
قرأت رواية «ناقة صالحة» وكنت متفائلة جدا ببداية القراءة، كل ما في الشكل الفني والإخراج والاقتباسات الشعرية يوحي بنوفيلا ممتعة: (رواة متعددون، اقتباسات شعرية للشاعر دخيل الخليفة، وهذا التعالق بين شخصيتي البطل دخيل و شخصية الشاعر دخيل الخليفة، والموضوع الذي يوحي أننا أمام رواية من الروايات التاريخية). لكن، بعدما أنهيت الرواية وجدت نفسي أمام رواية ناقصة، فصل من فصول حكاية لم تكتمل ولم تستثمر جيدا لكي تكون رواية متكاملة الأطراف لعدد من القضايا، وهي:
أولا: بساطة الرؤية الرومانسية:
فكرة الرواية رومانسية أشبه بالروايات الرومانسية البدوية البسيطة، التي تنتهي بنهايات غير سعيدة. قصة ابنة العم التي لا بد أن ترتبط بابن العم، ولا عزاء لابن الخال العاشق والمعشوق دخيل بن أسمر. بعد هذه الحادثة، قرر دخيل الفرار من هذه الصحراء القاسية إلى المدينة التي لم تنصفه، ولم تتقبله فلفظته كما يقول: «لفظتني الصحراء إلى مدينة ترفضني». مات زوج صالحة، ومات ابنهما مثلما قتل حوّار ناقة صالحة وضحى التي بدورها قتلت ابن صالحة وصالح، وتنتهي الرواية عند هذا الحد. أليس كان من الأجمل أن يلتقي دخيل بن أسمر وصالحة ويعيشان في الكويت ويعرض لنا السرد كيفية تأقلم البدو في هذه المدينة الصغيرة، في تلك الفترة، وكيف تأسست الكويت من المهاجرين، كما ذكر في بداية الرواية. هنا سيكون للرواية معنى ودلالة عميقان ورؤية اجتماعية وإنسانية واضحة ترصد تفاصيل نشأة الكويت من مكونات مجتمعة، وكيف تعايشت في الكويت، بالذات أن بداية الرواية كانت تعد بالكثير: «فيما تنتشر روائح السمن الكثيفة وضوع دبس التمور السكري، وفوح ثمار النبق، وترتفع صيحات سماسرة الماشية في ساحة الصفاة الترابية؛ يرهف الشيخ سمعه ينصت إلى خليط اللهجات؛ لكنة شمال البادية وجنوبها، إلسنة نجدية، عشائر شمالية، رطانة فارسية، وكلام أهل الداخل هجين من كل ذلك».
ثانيا:استدعاء التاريخ وإشكالية عدم التأريخ:
لقد بدأت أحداث الرواية في عام 1901 وكان من الممكن أن يكون هذا التاريخ مادة مغرية جدا في انبثاق السرد التاريخي من منظور جديد، أو إعادة كتابة التاريخ برؤية مغايرة، ولكن ما حدث هو هروب من مواجهة التاريخ والأحداث التاريخية. الحروب التي دارت بين قبيلة البطل دخيل بن أسمر، وإمارة الكويت كانت مجرد خلفية تاريخية للفترة التي يعيش فيها الأبطال، وليس إلا، وكان بالإمكان أن تكون الرؤية رؤية أعمق وإضافة مهمة للرواية، لو كان الكاتب وظف رؤية الشخصيات لما يحدث من حروب مثلا، أن يعرض وجهة نظرهم في تأثير هذه المشاحنات عليهم في عدم الاستقرار، أو عدد الضحايا. عندما يستدعي روائي التاريخ اليوم يتعين عليه كما تقول كيت ميتشل في كتابها «التاريخ والذاكرة الثقافية في الرواية الفيكتورية الجديدة»: «تناقش الرواية التاريخية في حالتها الأكثر شكلية ما إذا كان بإمكاننا على نحو لا مفر منه وتحت تأثير لحظتنا التاريخية الخاصة – معرفة الماضي، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن نفعل ذلك من خلال الرواية. وهل تتمكن تلك الروايات من إعادة خلق الماضي بطريقة ذات معنى، أو إنهم يلعبون لعبة(تلبيس) القرن التاسع عشر؟
والسؤال هنا: هل هذه الرواية استطاعت خلق رؤية مغايرة للماضي، هل استثمرت فكرة هامشية الشخصيات في صناعة تاريخ مختلف ومغاير، وهل كانت العودة إلى سنة 1901 العودة من باب الحنين للماضي، أو تقديم رؤية نقدية له. لا يتضح أن العمل هو نوع من الحنين للماضي، بل كان محاولة لفتح ملفات الماضي من دون أسئلة! حقيقة منذ رواية «فئران أمي حصة» وأنا ألاحظ أن الكاتب يلمح للأحداث التاريخية، ولكنه لا يخوض في تفاصيلها. عندما تحدث فيها عن المعارضة في الكويت، لم يذكر وجهات النظر، ولم يشر إلى الأحداث السياسية بعمق، رغم أن الرواية كانت تقول المزيد من تفاصيل الأشياء الأخرى.

هناك الكثير من التعليقات حول لغة الرواية، وهي حقيقة أفضل أداء لغوي له من أعماله السابقة، ولكنها ليست لغة أدبية متميزة مكثفة بالاستعارات والمجازات.

ثالثا: اللغة والتقنيات السردية:
هناك الكثير من التعليقات حول لغة الرواية، وهي حقيقة أفضل أداء لغوي له من أعماله السابقة، ولكنها ليست لغة أدبية متميزة مكثفة بالاستعارات والمجازات. لقد حلّ الكاتب في هذه الرواية مشكلته اللغوية في الروايات السابقة، أصبحت اللغة أكثر تماسكا وبعيدة عن الأسلوب الكتابي الممل المعهود في رواياته السابقة. من اللافت أن الكاتب استخدم نوعا بين السرد والنصوص الشعرية في بداية كل فصل، فأصبح لديه تنويع لغوي جيد. كما أجاد في تنويع الأصوات السردية في تقديم كل شخصية لقصتها، وهذه أيضا نقطة تحسب للرواية، رغم أن هذا التنوع لم يقدم رؤى مختلفة. كل هذه الإمكانيات الفنية السابقة كان بإمكانها تقديم سرد مشوق لولا أن القارئ تعرف على نهاية الرواية منذ البداية.
رابعا: أصالة الموضوع:
يقول البعض إن الرؤية في الرواية جديدة، وإنه أول من تحدث عن هذا الموضوع. وهنا يحق لنا أن نتساءل عن أي موضوع بالضبط عن شخصية البدوي الذي يأتي إلى الكويت، فقد تحدث الراحل ناصر الظفيري في روايته «الصهد» عن هذه الشخصية، وخالد تركي في رواية «ثلاثة من الشمال» تحدث عن شخصية والد البطل وانتمائه للصحراء، وفي قصة «يا المشموم» في المجموعة القصصية «العرق الأسود» للكاتبة ثريا البقصمي أيضا حديث عن شخصية البدو ودخولهم للكويت للتجارة مثل قصة الحب المستحيلة التي جمعت العنود بائعة المشموم ابنة البادية وأحمد ابن الحاضرة. وإذا كان الموضوع الأصيل هو موضوع الحرب، وتحديدا حرب الصريف، فأين هي تفاصيل الحرب التي غيبها الكاتب عن العمل.
حقيقة أرى أن الرواية أشبه بسرد شعبي معروض في مسلسل «بدوي» يتحدث عن قصة حب لم تكتمل تجمع البطل والبطلة. قد تكون قصة البحث عن قائل القصيدة وحكايته بداية مشوقة لسرد يقدم للمراهقين والقراء العاديين، وهو ما قلته في تغريدة لي أن الرواية لا تصمد أمام الزمن وما أقصده هنا، أن الرواية ليست بالعمق الكافي الذي يساعد على صمود العمل أمام قراءات مستقبلية تحلل أبعادها الجمالية المتعددة. لقد كانت الرواية أشبه بحكاية شعبية تحكى قبل النوم. وعندما نقول رواية «مراهقين» هذا يحيل إلى قضية أن هناك أنواع روايات على حسب قرائها، وهذا ليس عيبا بقدر ما يكون تنوعا مطلوبا، حسب نوعية القراء المفترضين لأي عمل.
ختاما، يكتب الكتاب من أجل الخلود ولن يصمد عمل ما أمام الزمن إلا عندما يكون ذا مضامين فكرية ورؤى جمالية رصينة، تجد الحركات النقدية ضالتها فيها مثل أعمال بلزاك وديستوفسكي وكافكا والطيب صالح ونجيب محفوظ.

٭ كاتبة من الكويت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية