التلفزيون يركض وراء الجمهور الهارب… وممثلون يعتبرون مُنتقديهم “أعداء للنجاح”!

تبدو وسائل الإعلام التقليدية، حاليا، غير قادرة على اللحاق بالتطور السريع الذي تشهده وسائط التواصل الاجتماعي الافتراضية، بحكم التأثير القوي الذي تمارسه هذه الأخيرة على المتلقي الملتصق بها التصاق الرضيع بحليب أمه، لا سيما في المجتمعات التي لم تتهيأ بعدُ، تربويا ومعرفيا ونفسيا، لكيفية التعامل مع “صدمة الحداثة”. ومن ثم، فعوض تَـمَـلُّـك الوسيلة التواصلية الافتراضية والتحكم فيها، أصبحت هي المتحكمة في المواطن ـ عموما ـ والموجّهة لتفكيره وسلوكه وطريقة تعامله مع الغير.
أمام هذا الوضعية، من العبث أن تحاول وسائل الإعلام التقليدية (من تلفزيون وإذاعة وجريدة وغيرها) محاكاة الشبكات الافتراضية في منهجية عملها، ومن العبث أيضا “استعارة” مضمونها وترويجه، بحثا عن جمهور هارب نحو التقنيات الجديدة.
وسعيًا إلى استعادة هذا “الجمهور الهارب”، أقام التلفزيون المغربي هذه الأيام نوعا من “التحالف” مع الصحف الورقية، فأخذ يبث فقرات إعلانية تحثّ الناس على قراءة تلك الصحف والبحث عن الخبر الصحيح فيها؛ وكأن لسان حال القائمين على هذه الحملة يقول: ابتعدوا عن بعض المواقع الإلكترونية غير الملتزمة بأخلاقيات المهنة والتي تروّج للكذب والإشاعة وتقتات من النبش في أعراض الناس، ودعوكم من الشبكات الافتراضية المليئة بالأخبار الزائفة والمواد المنحطة، وتعالوا إلى الجرائد الورقية القائمة على المصداقية والتحري والنزاهة.
“المجلس الوطني للصحافة” حديث العهد في التأسيس هو الذي يقف وراء هذه الحملة ذات الهدف النبيل. ولعله يدرك أن تراجع نسبة الإقبال على الصحف ظاهرة غير مقتصرة على المغرب، وإنما تشمل العديد من بلدان العالم. ألم تقرر صحيفة “إكسبريس” الأمريكية الإغلاق والتوقف عن الصدور منذ حوالي ثلاثة شهور، وتكتب مودعة قراءها: “استمتعوا بهواتفكم الحقيرة”؟
لذلك، نعتقد أن حملة الدعوة إلى قراءة الجرائد الورقية لن تؤتي أكلها المرجو، ما دامت تركّز على النتائج، ولا تبحث في أسباب العزوف، خاصة وأن عادة القراءة عموما (قراءة الكتب والمجلات والصحف) غير مترسخة في المجتمع المغربي، كما أن المؤسسات الحكومية المعنية لا تساهم في زرعها في نفوس الناشئة.

القدوة المعكوسة

يُضاف إلى ما سبق، أن التلفزيون نفسه تراجع عن القيام بأدوار التنشئة الاجتماعية لفائدة الأجيال الجديدة، عبر التركيز على الترفيه فقط، من منطلق الاعتقاد بأن الترفيه سيجلب المُشاهدين الهاربين إلى مُغريات شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضية.
صحيح أن هذا التوجّه يلقى هوى في نفوس المُعلِنين الذين يظهرون كما لو أنهم هم المتحكّمون في محتوى المادة التلفزيونية، من أجل تمرير بضاعتهم على شكل “إعلانات”، ولكنّ له انعكاسات سلبية على بناء المواطن وترسيخ القيم النبيلة لديه.
الأدهى والأمر، أنه في سياق موجة صناعة التفاهة السائدة حاليا، يلاحظ أن التلفزيون يصنع “نجومه” الخاصّين، ساعيا إلى تقديمهم كمثال للقدوة بالنسبة للأطفال والشباب، لكنْ دون أن تتوفر فيهم الشروط والمواصفات الكفيلة بجعلهم أهلا للاقتداء. وبذلك، يبدو أن ثمة نية مقصودة من أجل خلق جيل جديد، منفصل عن التربية والقيم والفكر، جيل مسطح بدون حس نقدي وبدون خلفية معرفية، ينساق مع الموجة، ويوجّهه الساسة حيث يشاؤون.
من الأمثلة الصارخة للقدوة التي ينشدها المسؤولون: “مُكافأة” مُغَنٍّ أثيرت حوله ضجة كبرى بسبب اتّهامه بالإساءة لزوجته وإقامة علاقة خاصة مع ممثلة لسنين طويلة، مكافأته بوصلة إعلانية توعوية في التلفزيون ضمن حملة مكافحة العنف ضد النساء! هذا هو التناقض بعينه، وهذه هي القدوة المعكوسة التي يقدّمها التلفزيون! صحيح أنه لا يمكن الحسم في ذلك الخلاف الزوجي بين الفنان وزوجته لفائدة هذا الطرف أو ذاك، فذاك شأن القضاء وشأن المقرّبين من كلا الطرفين؛ ولكن بما أن القضية يكتنفها الضباب واللبس، كان حريا بأصحاب حملة مكافحة العنف ضد النساء الإعراض عن اسم ذلك المغني، والبحث عن فنان آخر لم يقترن اسمه بمشكلة أسرية ما.

موسم الإعادات

يرتكز الإنتاج التلفزيوني في المغرب على شهر رمضان فقط، حيث تكثر المسلسلات والأفلام الجديدة. أما في باقي شهور السنة، فالأمر يقتصر على التكرار والإعادة فقط، ولا ضير من إعادة بث المسلسلات مرارا وتكرارا، مثلما هو حاصل هذه الأيام.
الغريب أن الأمر لا يقتصر على الأعمال الناجحة (وهي قليلة على كل حال)، بل يشمل أيضا حتى الإنتاجات التي أجمع الجمهور والنقاد على رداءتها وضعفها، من بينها سلسلة فكاهية تبث هذه الأيام ـ من جديد ـ على الشاشة، تقدم فهما خاصا للكوميديا، مؤدّاه افتعال مواقف مقرفة و”تعويج” الفم واللسان وتصنّع طريقة معينة في الكلام. أكثر من ذلك، لم يتوان أصحاب تلك السلسلة الرديئة في اقتناص مشاهد معينة من أعمال أجنبية، مثلما حصل في إحدى الحلقات، حيث لم يجد مخرج السلسلة عيبا في السرقة من سلسلة تلفزيونية إسبانية شهيرة هي “بيت من ورق” La casa de papel ، إذ أخذ منها فكرة اللصوص باللباس نفسه الذي ظهروا به في السلسلة.
وفي محاولة استباقية لمواجهة أي نقد ينصب على السلسلة المغربية، يظهر بعض الممثلين وهم يحملون بين أيديهم كتابا اختاروا له عنوان “أعداء النجاح”، وكأنهم يعتبرون كل من ينتقد السلسلة عدوا لهم!

تهميش الثقافة

يومًا بعد يوم، يتأكد أن الثقافة مهمشة في التلفزيون المغربي، ولا توجد ضمن أولويات القائمين عليه. فأن يتأهل كاتب مغربي لمسابقة دولية خبر لا يستحق الاهتمام لديهم، مثلما حصل أخيرا مع الكاتب حسن أوريد الذي تأهل إلى قائمة جائزة البوكر الأدبية في نسختها العربية. موقف سجله الباحث المغربي عزيز رزنارة عبر صفحته الافتراضية، حيث كتب ما يلي: “في الشريط الإخباري الذي تبثه القناة الفضائية “المغربية الإخبارية” جاء هذا الإعلان الذي يجسد قمة الغباء الإعلامي. يقول الإعلان أو الخبر: “كاتب مغربي ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2020”. هل عز عليهم ان يكتبوا اسم الكاتب المغربي المرشح للجائزة إفادة للجمهور، أم هل ان اسم “حسن أوريد” ممنوع من الظهور على الشاشة الصغيرة للقناة؟ على كل حال، كل المنابر الثقافية العربية نشرت أسماء الروايات المرشحة ضمن القائمة الطويلة لجائزة “البوكر 2020″، ومن بينها رواية “رباط المتنبي” للكاتب والروائي “حسن أوريد” من المغرب.

كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية