فيلم «جوكر»… إبداع أم اكذوبة؟

حقق فيلم «جوكر» أرقاما قياسية في الأرباح، حيث يتوقع أن تصل مبيعات التذاكر خلال أيام قليلة إلى أكثر من تسعمئة مليون دولار. وقد سبقت الفيلم حملة إعلامية غير مسبوقة، شملت وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة العالمية. ومما زاد من شهرة الفيلم الاحتجاجات الكبيرة من قبل عوائل ضحايا حوادث القتل الجماعية في الولايات المتحدة، التي اتهمت الفيلم بالتشجيع على القتل والعنف. ولذلك قامت الشرطة الأمريكية بتشديد الاحتياطات الأمنية في بعض المناطق، يوم أول عرض له، كي لا تحدث أي جرائم عنف. وقال آخرون إن الفيلم يحمل أفكارا فلسفية وإيمانا عميقا بالثورة ضد الظلم. وفاقت شهرة الفيلم كل التوقعات.. الفيلم من تمثيل يواكين فينكس، روبرت دي نيرو وإخراج تود فيليبس، وجميعهم من أشهر الأسماء في السينما الأمريكية. ولكن السؤال هو هل يستحق هذا الفيلم كل هذا الاهتمام؟
قصة الفيلم
تعود بنا أحداث الفيلم إلى عام 1981 في مدينة أمريكية تدعى «غوثام» (أحد أسماء مدينة نيويورك الأمريكية) التي تعاني من إضراب جامعي القمامة، وزيادة في عدد الفقراء. وتتمحور أحداث الفيلم حول رجل فاشل يدعى «أرثر فليك» (يواكين فينكس) القبيح الشكل والهزيل الجسم، الذي يعمل في شركة صغيرة لتأجير المهرجين للحفلات والمناسبات الأخرى. «آرثر» هذا شخص بائس في حياته ويعاني من اضطرابات نفسية شديدة، تجعله يعاني من نوبات ضحك هسيتيرية، ولذلك فإنه يتناول أدوية يصفها له أحد اطباء العيادات الرخيصة الحكومية. يسكن «آرثر» مع والدته المريضة في شقة صغيرة في أحد الأحياء الفقيرة من المدينة، ويقوم برعايتها. يقع في غرام فتاة شابة تسكن في المبنى نفسه ويحاول جاهدا جذب انتباهها بدون جدوى. وفي أحد الأيام ترسله الشركة لعمل عرض كمهرج أمام أحد المطاعم، كدعاية للمطعم، حيث يحمل لافتة تحمل اسم المطعم، ولكنه يتعرض لهجوم عنيف من بعض الشبان، يأخذون اللافتة منه ثم يهربون. وتبدا هنا سلسلة من الأحداث التي تتطور في قسوتها، حيث يطالبه مديره بثمن اللوحة، على الرغم من محاولات «آرثر» اليائسة إثبات براءته. ويعرض عليه أحد زملاء العمل مسدسا مع بضع طلقات كي يحمي نفسه، ويعده «آرثر» بتسديد ثمنه لاحقا. يلاحظ «آرثر» إعجاب والدته بالمرشح الرئيسي لمنصب عمدة المدينة، وتلح عليه أن يرسل بالبريد إليه رسالة كانت قد كتبتها، حيث كانت تعمل لديه خادمة قبل ثلاثين عاما. وأثناء قيامه بعرض تمثيلي أمام أطفال مرضى في مستشفى، يسقط المسدس بالصدفة على الأرض، فيتصل به مديره معربا عن غضبه الشديد لما حدث، ويطرده من العمل، كما أنه يبلغه بأن أحد زملائه قد أخبره أنه (أي آرثر) قد طلب منه مسدسا. وأثناء عودته إلى منزله وهو متنكر في زي المهرج في قطار الأنفاق (مترو) يتعرض للضرب المبرح، وبدون سبب واضح من قبل ثلاثة شباب بدت على ملامحهم مظاهر الثراء، فيضطر أن يدافع عن نفسه ويطلق النار عليهم فيقتلهم جميعا. ويعود إلى مبنى سكناه ويزور جارته الشابة، حيث يبدأ علاقة معها. ويصف شهود العيان الحادث بأن من قام بالقتل، كان مرتديا ملابس المهرجين، فتقوم الشرطة بالبحث عن القاتل. ويقوم مرشح العمودية على شاشة التلفزيون بشجب القتل، ويصف الذين يحسدون الأكثر نجاحا منهم بأنهم «مهرجون»، ولذلك يصبح المهرج رمزا للمطالبين بحقوقهم من الفقراء، وتبدأ مظاهرات في المدينة، يرتدي المشاركون فيها أقنعة وملابس المهرجين ضد إدارة وأثرياء المدينة. وفي الوقت نفسه تقوم إدارة المدينة بإلغاء العيادات الرخيصة الحكومية، ما يعني أن «آرثر» لن يستطيع الحصول على أدويته بعد الآن. ويحصل «آرثر» على فرصة للقيام بعرض كوميدي على خشبة مسرح، ولكنه يفشل بسبب ضحكه الهيستيري الذي منعه من قول نكتة واحدة. ويتفاجأ «آرثر» بقيام مقدم أشهر برنامج مقابلات في التلفزيون (روبرت دي نيرو) بعرض مقاطع من عرض «آرثر» الكوميدي الفاشل ويسخر منه، فيستشيط «آرثر» غضبا. ويقوم «آرثر» بقراءة الرسالة التي كتبتها والدته لمرشح العمودية ويكتشف، أنها تدعي فيها أن «آرثر» ابنهما غير الشرعي. وكره «آرثر» والدته لإخفائها الأمر عنه، ويذهب إلى قصر المرشح لمقابلته، ولكنه يلتقي بابنه الصغير ويطرده أحد العاملين هناك، الذي يبلغه انه ليس ابن المرشح، وأن والدته في الحقيقة قد تبنته ودخلت مستشفى للأمراض العقلية بعد ذلك. ويكتشف «آرثر» أن اثنين من الشرطة قد حققا مع والدته حول مقتل الشبان الثلاثة في القطار، وأصيبت بسكتة دماغية نقلت على أثرها إلى المستشفى. وينجح «آرثر» أخيرا في مواجهة المرشح، ولكن الأخير يبلغه بإصرار وقسوة، أنه ليس والده وأن والدته تهلوس. ويسرق «آرثر» ملف والدته من المستشفى، ويقرا أن والدته قد تبنته فعلا وأن عشيقها قام بمعاملتهما معاملة سيئة. وقرأ أيضا أن والدته ادعت أن المرشح كان قد نجح عن طريق نفوذه باختلاق قصة التبني تلك، فيزداد حقد «آرثر» على والدته، ويذهب إلى المستشفى ويقتلها، ونكتشف بعد ذلك أن كل تفاصيل علاقته بجارته كانت من نسج خياله، فاصبح وحيدا تماما في هذا العالم الذي يرفضه.
ويتصل به مقدم البرنامج الشهير، حيث يبلغه بإعجاب الجمهور بما عرضه على خشبة المسرح، وطلب أن يظهر في برنامجه. ويقوم «آرثر» بقتل زميل عمله السابق الذي أعطاه المسدس، ثم يذهب متنكرا في زي المهرج إلى الاستوديو للاشتراك في البرنامج الشهير، وفي الطريق يلاحقه الشرطيان، فينضم إلى مظاهرة ضد إدارة المدينة، والطبقة الثرية كان جميع المشاركين فيها أشخاصا مرتدين ملابس المهرجين، وقاموا بضرب الشرطيين، فاستطاع «آرثر» الهرب. وفي الاستوديو يطلب «آرثر» من مقدم البرنامج قبل المقابلة التلفزيونية أن يسميه «جوكر» (اي الضاحك). وفي المقابلة التلفزيونية يعترف «آرثر» بأنه قتل الشباب الثلاثة في القطار، ويكشف عن غضبه مع مقدم البرنامج ويطلق النار عليه ليرديه قتيلا. وتقبض الشرطة على «آرثر»، ولكن أفرادا مقنعين بملابس المهرجين يهاجمون سيارة الشرطة ويطلقون سراحه، ويجد نفسه محاطا بالمهرجين الذين يعاملونه كقائد. ويقوم أحد المقنعين على شكل مهرج بقتل المرشح وزوجته أمام ابنهما الصغير. وينتهي المطاف بآرثر في مستشفى للأمراض العقلية، وهناك يقوم بقتل إحدى الطبيبات. وينتهي الفيلم بمشهد مطاردة العاملين في المستشفى لآرثر. وهنا ينتهي الفيلم.
ملاحظات عن الفيلم
لا يوجد شيء جديد في الفيلم، سوى مجموعة من الاقتباسات عديمة الانسجام، التي جُمِعت في الفيلم بالقوة، مع إعطاء الانطباع بتقديم أفكار سطحية تبدو فلسفية. ونبدأ بالاسم، فاسم «جوكر» مأخوذ من شخصية شريرة في مجلة «الوطواط» للأطفال الشهيرة. ولم تصف قصص تلك المجلة «الضاحك» بأكثر من أنه شخص شرير وليس شخصية مضطهدة. وكانت هذه خطوة ذكية من المخرج للاستفادة من الشهرة الهائلة لأفلام «الوطواط» التي ظهرت فيها شخصية «الضاحك» كشخصية شريرة. ولم يكن الفيلم أول فيلم يعتمد على فكرة الانتقام، بل إن الكثير من أفلام هوليوود اعتمدت هذه الفكرة، ولكن هناك أفلاما تشابهت بشكل واضح مع فيلم «جوكر» في السياق العام، وبالنسبة للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وكانت أفضل منه بكثير مثل فيلم «سائق التاكسي» (1976) الذي مثله روبرت دي نيرو وفيلم «السقوط» (1993) للممثل مايكل دوغلاس. ومن المرجح أن الممثل يواكين فينكس وجد التمثيل في الفيلم سهلا جدا، لأنه مثل دورا مشابها جدا له في فيلم «السيد» (2012) وبشكل خاص من حيث تشوهاته النفسية والخلقية وتصرفاته العنيفة. أما مشهد القتل الأول الذي يقوم فيه «آرثر» بقتل ثلاثة مهاجمين في قطار الأنفاق (مترو) في المدينة، فمأخوذ من حادثة حقيقية، عندما حاول أربعة أشخاص سرقة مسافر على متن القطار، إلا أنه فاجأهم بسحب مسدسه المخفي، وأطلق النار عليهم، ولكنه لم يقتل أيا منهم. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يظهر المهرج فيها كمجرم قاتل، حيث ظهر هذا عدة مرات سابقة ومنها، فيلم «القبض على قاتل» (1992) الذي كان عن قصة حقيقية. وقد بينت الإحصائيات أن الكثير من المواطنين الأمريكيين يخشون المهرجين.
وعلى الرغم من أن روبرت دي نيرو مثل دوره ببراعة، فإن يواكين فينكس لم يكن مقنعا، حيث بدت تلك الضحكة الهيستيرية التي كررها بشكل ممل مفتعلة، وبدا وكأنه أكبر سنا من الشخصية التي مثلها. وكان تركيز الفيلم على شخصية «الضاحك» كبيرا بشكل ملحوظ، حيث يظهر في كل مشهد من الفيلم تقريبا.
واحتوى الفيلم على عدة مشاهد مقتبسة من أفلام سابقة، مثل مشهد المقابلة التلفزيونية مع «الضاحك» في برنامج شهير، كان مأخوذا من فيلم «ملك الكوميديا» (1982) ومن تمثيل روبرت دي نيرو نفسه، مع اختلاف بسيط وهو أن الممثل الكبير مثّل دور مقدم البرنامج في فيلمنا هذا، بينما مثل دور الشرير في الفيلم السابق. وأما مشهد الفوضى في الشارع، فقد ظهر في الكثير من الأفلام الخرافية المشابهة لفيلم «الضاحك» مثل فيلم «روبوكوب».
لم يحمل الفيلم أي رسالة فلسفية، كما يدعي بعض النقاد، فقيام «الضاحك» بقتل كل من يسيء إليه ليس ثورة، بل وحشية وإجراما. ومن الصعوبة الاعتقاد أن هذا الفيلم بالذات سيؤدي إلى زيادة في جرائم القتل، كما ادعى البعض، حيث أن مسلسل «ديكستر» التلفزيوني وأفلاما مثل «رجال حكماء» من تمثيل روبرت دي نيرو وافلام المخرج كونتن تارانتينو، أكثر قسوة وعددا في حالات القتل، من فيلم «الضاحك»، ولكن هذا لا ينفي اتهام السينما بتشجيع العنف بشكل عام.
ليس فيلم «الضاحك» فيلما فكاهيا ولا فيلم رعب أو فيلما فلسفيا أو عنفا مفرطا أو فنيا. ولكنه بالتأكيد ضحك علينا جميعا، حيث جعلنا ننخدع ونشاهده جالبين أموالا طائلة لمن شارك في صناعته.

*باحث ومؤرخ من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية