تمر هذه الأيام على سكان شمال شرق سوريا غمامة داكنة جديدة من التساؤل عن ما يحدث في الفتحة الجغرافية التي احتلتها تركيا رفقة الميليشيات السورية بين منطقة رأس العين وتل أبيض خلال الشهرين الماضيين. الغمامة تلك تسود أكثر فأكثر لدى الأهالي في شرق الفرات ككل مع ما يتم الحديث عنه من مخططات لتعبئة المنطقة بنازحين ولاجئين سوريين من مناطق بعيدة، وعن إسقاط حلم العودة لدى النازحين واللاجئين الذين يتجاوز عددهم الربع مليون، ويعيشون في مدارس ومخيمات داخل وخارج مناطق الإدارة الذاتية التي تعاني من عدم قدرتها على استيعاب الضغط الحالي. هذه المخططات التي يتم تأكيد العمل عليها من قبل رأس الحكم في تركيا في كل ظهور إعلامي له وهو يتحدث عن التطورات في سوريا، وهو ما تؤكده أيضاً المصادر المتنوعة على الأرض التي تتحدث عن تحركات مريبة في المنطقة التي تحتلها تركيا، والتي لم تتوقف المناوشات على طرفيها الجنوبي الشرقي والجنوبي الغربي مع رغبة الميليشيات المعارضة وتركيا بالسيطرة على كامل الخط الممتد على الطريق الدولي، والوصول إلى بلدتي تل تمر ذات البعد الديني المسيحي وعين عيسى ذات البعد الرمزي المعنوي لقسد والإدارة الذاتية على اعتبار أن عين عيسى هي العاصمة الإدارية المفترضة لكل الهيكليات الإدارية الحاكمة في المنطقة. هذه التطورات لموجات هادرة من اليأس والقلق على باقي الخريطة في شمال شرق سوريا، تعزز الاعتقاد القائل إن تركيا تبحث عن إنهاء أي محاولة كردية في إيجاد موطئ قدم لهم في سوريا بعد فشلها في ذلك سابقاً في العراق.
التطورات على الأرض
سيطرت تركيا على الخط الممتد بين سرى كانيه وتل أبيض وتمددت جنوباً حتى قطعت الطريق الدولي، ولكنها فيما يبدو تطمح للحصول على كامل الخط الذي يقع على طرفيه المقابلين لرأس العين وتل أبيض بلدتي تل تمر وعين عيسى. هذا الطموح التركي يقابله دفاع من قسد، وتحركات روسية بين الفينة والأخرى، وتواجد للنظام لم يكن له دور فعال في التطورات بقدر ما كان له مؤشر على إنه يبحث عن منفذ للترسخ والتسلل لعموم المنطقة التي خرجت منها واشنطن، والتي هي تحت تهديد تركيا. تركيا التي تيقنت أن الهدية الترامبية هي أكثر ما يمكنها الحصول عليه في شرق الفرات، تبحث عن أن تكون كعكة ترامب كاملة، وترفض أي منغصات تضعف قدرتها على القضم الكامل. انكماش واشنطن واضح من حيث التركيز على مناطق النفط في محافظة الحسكة وشرق محافظة دير الزور. تحشيد أمريكي راسخ هناك، وانكماش واضح عن الكثير من مساحة محافظة الرقة التي طردت قسد والتحالف الدولي “داعش” منها ذات يوم في حفل سمي حينها حفل الانتصار الكبير على “داعش”. وتسعى روسيا التي تلعب دور الوسيط في كل المنطقة التي تركتها واشنطن لضبط الإيقاع لدى الجميع. لا تغضب روسيا تركيا ولكنها لا تسمح لها بالنفوذ أكثر، ولا تقطع الروابط مع قسد ولكنها لا تضغط على دمشق للقبول بمطالب قسد حول الحل في سوريا، وتغطي على النظام ولكنها ترسخ قواعد تمركزها أكثر مما تسعى لتنفيذ رغباته.
عوامل متداخلة لمسيرة نحو تحجيم وتهميش الكل، وتصغير حصص اللاعبين الكبار تحت مسميات النصر. ويدرك الجميع أن واشنطن أهدت لتركيا ما تطلب برغبة رئاسية واضحة خارجة عن اللعبة السياسية الأمريكية التقليدية. لم تحصل تركيا حتى اللحظة على أكثر من ما جلبه اتصال اردوغان بترامب، وهذا دليل على أن الجميع كان خارج الحلقة التي تدير مصير شرق الفرات قبل غزوة تشرين الأول/أكتوبر الأخيرة. لكن، ما هو على الأرض حالياً هو عالم مختلف كثيراً عن سنين الحرب على “داعش” والتي كان لواشنطن وحلفائها الدوليين القرار النهائي لتحديد مصير المنطقة، وبتنفيذ وتحالف مع قسد على الأرض. حالياً، تستثمر تركيا في الفتحة الجغرافية التي دخلتها في شمال شرق سوريا من دون اكتراث لأحد، وتستفيد موسكو من عامل الوقت لتعزز السيطرة العسكرية والسياسية على منطقة غرب شرق الفرات، في حين يحاول قسد والنظام العمل على التخاطب حيناً والتجادل حيناً آخر بهدف إيجاد آلية واضحة للوصول إلى صيغة اتفاقية تنهي حالة التجاور غير المريح في المنطقة. وتدور تلك التخاطبات حول مبدأي الإدارة الذاتية أو الإدارة المحلية، وهو ما يزيد من قلق السكان الباحثين عن حل نهائي يؤمن بقائهم في منطقة تعج بالصراعات والتداخلات الدولية التي لا تنتهي. كل هذا التبدل ترافقه بالطبع عمليات تطور عسكري وأمني أمريكي في شرق شرق الفرات الذي لا ذكر لها في كل التفاوضات السابقة بين الأطراف التي تلعب لعبة الوقت والقضم على الأرض.
تاريخ متجدد
خلال الفترة الماضية كانت تركيا تصر على إرفاق أي حديث عن شرق الفرات بمفاهيم من نوع توطين اللاجئين السوريين فيها. ولا تقف الدول الكبرى في شرق الفرات كروسيا وأمريكا حجر عثرة في وجهها فيما يبدو. وتلتف أمريكا على هذه الخطط التركية بالحديث عن حقول النفط وعن البحث عن حلول لقضايا خلايا “داعش” وتصر روسيا على ان تقاربها مع تركيا أكبر من أن تعكره عمليات نقل بشري من منطقة إلى منطقة. أما أوروبا التي تبتزها تركيا بعناصر “داعش” من الجنسيات الأوروبية لديها وباللاجئين السورييين فتسكت عن كل شيء رغم بعض التصريحات الرسمية الصادرة عن فرنسا.
تعتمد السياسية التركية على الاستفادة من كل هذه الوقائع للبحث عن معوقات تحبط كل فرصة للجماعات البشرية في المنطقة لتحديد مسارات حياتها المُستقبلية. كل هذه المعوقات تدور في هدف تركي واحد وهو الوقوف في وجه أي نمو إداري أو سياسي كردي في عموم دول الجوار. مرت هذه الخطط بتطبيق فعلي على الأرض من الخريطة الممتدة غرب نهر الفرات إلى محافظة إدلب، وتبلورت أكثر في منطقة عفرين التي استهدفتها تركيا بقوة من خلال الميليشيات الموالية لها. انخفاض كبير في سكان المنطقة الإصليين وظهور مجموعات بشرية من مناطق سورية بعيدة كداريا وريف دمشق. وجدت عوائل عفرين الحقيقيين أنفسهم في مخيمات في منطقة الشهباء وحوالي بلدة تل رفعت وبدأ الآخرون البحث عن ملاذات آمنة لهم في شرق الفرات أو إقليم كردستان العراق. ووثق الكثيرون كيف أن الجماعات المسلحة تستولي على بيوت السكان في المنطقة تحت حجج واهية واتهامات فارغة. هذا السيناريو الذي تسعى تركيا إلى تجديده في رأس العين وتل أبيض وبغطاء مالي ودولي وقانوني بدء شبحه في الظهور من جديد.
وقود للتوطين
أن عملية التوطين التركية في سري كانيه وتل أبيض والتي يسميها المراقبون بالتغيير الديموغرافي قد بدأت رغم الوتيرة الضعيفة للأخبار عن القضية التي تحاول تركيا تحييد تفاصيلها عن الجميع. تغطي تركيا العملية بلحاف عودة اللاجئين السوريين من تلك المناطق إلى منطقتهم الأصلية. والتقارير الدولية المتوفرة تتحدث عن أن اللاجئين من شمال شرق سوريا إلى تركيا تعدادهم حوالي ربع مليون شخص، ولكن تركيا تتحدث عن توطين ما لا يقل عن مليون شخص. هذا الرقم الضخم الذي يعجز كل شرق الفرات عن تحمله سيكون عداده من النازحين السوريين من المحافظات الوسطى والجنوبية، والمتواجدين حالياً في أرياف محافظة إدلب وشمال حلب. ولا توجد أرقام رسمية عن التطورات الديموغرافية في المنطقة رغم أن التقارير الدولية تتحدث عن نزوح 300 ألف شخص من المنطقة التي غزتها تركيا، وعن عودة ثلث هذا الرقم إلى منطقتهم، وجلهم من غير الأكراد بالطبع. في حين تتحدث بعض التقارير عن وصول عوائل من ريف جرابلس وريف إدلب إلى تل أبيض ورأس العين مروراً بالأراضي التركية. هذه الأرقام والتفاصيل تبقى غير دقيقة مئة في المئة حتى بعض الوقت. لكن، الأكيد أن عملية التوطين قد بدأت في المنطقة على حساب السكان الأصليين الذين يبحثون عن مواطن جديدة للاستقرار لهم بعد تيقنهم أن الانتهاكات الفاضحة للميليشيات المعارضة التابعة لتركيا في مناطقهم مستمرة، وان أي عودة لهم سيقابله عقاب على أساس الهوية والتوجه السياسي. لذا، فإن البعض يجد أن تلك الانتهاكات تتم بطلب تركي لمنع الكثيرين من العودة، ولتهيئة المناخ المناسب لإفراغ المنطقة من سكانها، وإدخال عناصر بشرية جديدة لها. هذا التغيير يؤسس لعوالم من التصادم البعيدة الأمد بين سكان سوريا. وتحاول تركيا تصدير أزماتها للخارج من خلال معارك خارجية، ومن خلال فتح مشاريع بدعم وتمويل غربي في مناطق شمال شرق سوريا لتوطين اللاجئين. هذه المشاريع ستدعم الكتلة الاقتصادية الموالية لحزب العدالة والتنمية وتعزز موقفه الداخلي. كل هذه المخاضات الداخلية تدفع تركيا لزرع أشواك في عموم الشمال السوري بين مجتمعه المتنوع الهويات. على سبيل المثال يراقب النازحون من سري كانيه من مخيماتهم القريبة نازحين من مناطق أخرى من سوريا وهم يسكنون بيوتهم التي فروا منها خلال الغزو التركية الأخيرة.
ان عملية التوطين أو التغيير الديموغرافي هي بمثابة عملية تحصين تركي للمشاكل السورية. هي العملية التي تدفع إلى صدامات أهلية داخلية مع مرور الوقت، وتعزز فقدان الثقة بين سكان المجتمع الواحد، وتلوث الجو العام بقضايا خلافية لا يمكن القفز فوقها عند البحث عن حلول لمصير ملايين اللاجئين والنازحيين السوريين الذين بعثروا في المنطقة. لا يمكن نقل مشكلة من مكان تفيد الجهات الفاعلة الخارجية في المشهد السوري إلى منطقة أخرى بهدف إقصاء سكان تلك المنطقة تحت يافطات قانونية غير ذات مصداقية. هذه الولادات الجديدة للمشاكل، ستدفع في مقبل الأيام الجميع إلى تحصين ذاتهم أكثر ورفض تقبل الآخرين، وهو ما يجر خلفه وبصمت غربي وروسي احتمالات موجات نزوح ومعارك جديدة، وحروب أهلية صغيرة عند خطوط التماس الساخنة بالطبع.