د. خليل قطاطو
في جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ الامريكيين، وقف نتنياهو يلقي خطابه واملاءاته للمشرعين الامريكيين، لم يشعر بالغربة ابداً، فهو لا يخاطب حلفاء أو أصدقاء بل اكثر من ذلك بكثير. نتنياهو لا يلاقى بمثل هذا الترحاب والتأييد المطلق حتى في الكنيست الاسرائيلي.
كان الخطاب مسرحية هزلية، وقف نتنياهو كالملهم، وقفوا له تبجيلاً، وصفقوا له طويلاً ومراراً اكثر مما استمعوا، ببساطة قالوا له، انت صادق في كل ما تقول، ونؤيدك من دون اي نقاش في اي امر، سواء افتيت في السياسة، او القانون الدولي، او التاريخ او الجغرافيا، نصدقك حتى لو زيّفت كل الوقائع عن سابق اصرار وترصد.
عندما يخاطب الرئيس الامريكي اوباما الكونغرس الامريكي ـ بشقيه ـ يجد معارضة في الامور الداخلية ليس فقط من الجمهوريين ـ المعارضة ـ بل حتى من اعضاء حزبه الديمقراطي، اما عندما يتعلق الامر باسرائيل فالكونغرس موحد تجاه امن واستقرار ووجود اسرائيل، والمعارضة ضد اوباما ايضاً موحدة اذا حاول ان يضغط على اسرائيل او يغير من حجم التأييد الذي تتلقاه. اما نتنياهو في الكنيست الامريكي فهو النبي المطاع والوحي المنزل على الكونغرس لا يأتيه الباطل من يمينه ولا من يساره.
يعتقد البعض ان المواقف الامريكية المتشددة تجاه الفلسطينيين والمبالغة في التأييد اللامحدود لاسرائيل تكون في ذروتها في السنة الانتخابية او التي قبلها، ولا ادري من أين نبتت هذه الفكرة التي لا اساس لها في الوجود، فالمواقف السياسية الامريكية لا تتغير على مدار السنين، ولا تتغير بتغيير الحزب الحاكم ولا من هو الرئيس وهي مواقف راسخة. ما صدق فيه نتنياهو هو انه لا يوجد صديق لاسرائيل مثل امريكا، طبعاً، مساعدات عسكرية واقتصادية لا محدودة، ودعم سياسي لا يساءل، وفيتو امريكي في مجلس الأمن لحماية اسرائيل دوماً.
تغنى نتنياهو بالثورات العربية من اجل الحرية ضد الطغيان، وتناسى ان هؤلاء الطغاة الذين يتساقطون ـ ومن سيلحقهم ـ هم حلفاء الامس له، وتناسى عمداً ان هذه الزلازل التي تهز العواصم العربية الواحدة تلو الاخرى هي مقدمات لتسونامي مدمر بعد سنوات سيزلزل تل ابيب، وبقي يردد على اسماع الكنيست الامريكي بان اسرائيل هي واحة الحريات والديمقراطيات في المنطقة وكأن فلسطينيي الداخل ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية في اسرائيل.
وافترى وهو يتغنى بالحريات الدينية في اسرائيل، ولم يجرؤ مشرع امريكي واحد ليسأله لماذا اذاً تمنع اسرائيل المصلين من الوصول للأقصى والمسيحيين من الوصول للقيامة والمهد في اعياد الميلاد ورأس السنة.
القدس عاصمة موحدة لاسرائيل، دولة فلسطينية منزوعة السلاح من دون حدود 1967، ولا حق للعودة، واعــــتراف باسرائيل كدولة يهودية، هذه هي شروط نتنياهو للسلام، فهل آن للسلطة الفلسطينية لتقوم بتشييع جنازة السلام بعد ان تعــــفنت الجثة منذ اوسلو، وان تكف عن ترديد ان خيار السلام هو الخيار الوحيد للفلسطينيين، لم يعد هناك اي ســـلام مرتقب ـ ولم يكن ابدا.
يبدو ان عباس والسلطة الفلسطينية ادركا عقلــــية نتنياهو حتى قبل خطابه في واشنطن، واختارت فتح والسلطة خيار المصالحة الاستراتيجي مع حماس، الآن تدرك السلطة ان خيارها الاخير كان صحيحاً، ويجب الاستمرار فيه لمواجهة اسرائيل وغطرستها.
خطاب نتنياهو امام الكنيست الامريكي تزوير للتاريخ والجغرافيا الفلسطينية ـ تصفيق ـ تزوير للحريات في اسرائيل ـ تصفيق ـ تزوير لحريات العبادة ـ تصفيق ـ تزوير لكفاح الفلسطينيين من اجل الحرية والاستقلال وتشبيهه بـ’االقاعدة’ ـ تصفيق ـ الكنيست الامريكي شبيه الآن بالبرلمانات العربية وهي تصفق لزعمائها وتقف لهم باستمرار، وربما انحدر الكونغرس الى ما هو اسفل من ذلك، فالخطيب ليس رئيسهم ولكنه ضيف عليهم يبجلونه اكثر من رئيسهم المنتخب من الشعب. الامر الوحيد الناقص حتى تكتمل الصورة البشعة هو ان يقف احد النواب او الشيوخ (سيناتور) في الكونغرس ليهتف بالروح بالدم نفديك يا نتنياهو ـ بالانكليزي طبعاً ـ يبدو اننا بحاجة الى دعوة النواب الامريكيين لزيارات الى مجلس الشعب في دمشق او الرباط… ليستكملوا تعلم دروس الديمقراطية الحقة.
نتنياهو يدعو عباس الى ان يكون شجاعاً وان يقول جملة من ست كلمات، انا اعترف بدولة اسرائيل دولة يهودية، ونحن نأمل ان يكون ابو مازن اكثر شجاعة ويخرج لشعبه ويعلن جملة من سبع كلمات، انا لن اعترف بدولة اسرائيل دولة يهودية.
في الشأن المحلي العربي الامريكي هنا، نحن ندفع اموالاً للنواب والشيوخ الامريكيين، ونطعمهم التبولة والكباب والحمص دعماً لهم وهم يكافؤننا بالوقوف تبجيلاً بالتصفق.
اما آن لنا ان نستيقظ من أوهامنا وان ندرك ان الكونغرس الامريكي هو كنيست اسرائيلي، بل اسوأ.’ كاتب فلسطيني مقيم في امريكا