لندن-“القدس العربي”:بات الذكاء الاصطناعي يلج بسرعة متزايدة في عالم المال والأعمال، نتيجة لسعي المستثمرين في أن يكونوا سبّاقين من ناحية آخر التطورات التكنولوجية التي قد تسمح لهم بالعودة بنسب أرباح أكبر، إلا أنه يضفي كذلك عامل عدم استقرار في الأسواق.
ومنذ عشر سنوات، باتت تسيطر برمجيات تزداد تعقيداً على قاعات المداولات مع كمبيوترات تشتري وتبيع اوتوماتيكياً، أسهماً إذا تجاوزت أو نزلت تحت سعر معين أو حسب بعض القرارات السياسية المتوقعة وغير ذلك. وتجري آلاف الصفقات في الثانية عبر كمبيوترات اوتوماتيكياً، للاستفادة من تقلبات طفيفة في الأسعار، لم يكن في السابق ليتمكن المستثمر مجرداً من البرامج عالية الدقة من ملاحظتها أو مجاراتها. إلا أن الذكاء الاصطناعي يذهب أبعد من ذلك. فبرمجيات “التعلم الآلي” تجمع بين عشرات قواعد البيانات الضخمة فتحدد ميولا وروابط وتضع أنظمة محاكاة وتوقعات وتأخذ بمفردها قرارات البيع والشراء.
وتفيد شركة التحليل “غرينيتش” بأن أكثر من 50 في المئة من شركات الأسواق المالية ستكون اعتمدت إجراءات تستند إلى الذكاء الاصطناعي بحلول سنتين من الآن. وتستخدم صناديق الاستثمار والقيمون على محافظ مالية، الذكاء الاصطناعي للتحكم بشكل أفضل بالأخطار أو تحديد ما ينبغي شراؤه ولحساب من ومتى. وتستعين المصارف بالذكاء الاصطناعي لرصد عمليات الاحتيال والهجمات المعلوماتية وتحديد سعر منتج وتحليل مواصفات الزبائن. وهو أداة أيضا لخفض التكاليف فيما نسب الفائدة السلبية تقلص الهوامش.أما الهيئات الناظمة، فتلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لرصد “أحداث كارثية محتملة في الأسواق مثل عمليات الإفلاس المتعاقبة في 2008” على ما تفيد “سي أف تي سي” إحدى الهيئات الناظمة في الولايات المتحدة.
وتشدد شركة “سباركبيوند” التي تعمل خصوصا مع “مايكروسوفت” على أن “التعلم الآلي” يسمح باختبار بعض الأجوبة الحدسية غير الناجعة على الدوام. ويقول ادوارد جانفرين، مدير فرع أوروبا لهذه الشركة الناشئة إنه ردا على السؤال التالي: “ما الذي يحدد بالشكل الأفضل فرص النجاة عند ورود اتصال طارئ” يكون الجواب المنطقي وجود مستشفى على مسافة قريبة. إلا أن برمجية “سباركبيوند” وبعد تحليل ملايين البيانات في غضون دقائق، تظهر أن العامل الفعلي هو وجود مركز لفرق الإسعاف على مسافة قريبة. ويعتبر أن من الممكن تطبيق ذلك على الأسواق مع أسئلة أخرى من قبيل “متى ينبغي شراء هذه الأسهم؟”.
ويرى فاسانت دار وهو استاذ في جامعة ستيرن في نيويورك ومدير صندوق تحوط أن “الوساطة الآلية أكثر أمانا من العمليات التي يجريها الإنسان الذي هو أكثر ميلا إلى الشعور بالذعر ويتأثر بتصرفات الآخرين”. ويؤكد: “البشر لا يتخذون القرارات الجيدة وعلى المدى القصير الآلات أفضل منهم”.
لكنه يشدد على أن نظام الذكاء الاصطناعي يتطلب تدخلاً بشرياً لإزالة بعض الاعوجاجات والقيام بدور “الفاصل” في حال حصول خلل.
وقد تقع المشكلات عندما يعتمد الكثير من المستثمرين على البرمجيات نفسها ويراهنون على السيناريوهات ذاتها. ويقول دار “قد تعاني السوق عندها من اختلال في التوازن”. وقد يحصل تفاعل تسلسلي إذا قامت كل البرمجيات ببيع أسهم ما. وقد أقر مصرف إنكلترا المركزي في تقرير بأن “التعلم الآلي” قد لا ينتج مخاطر جديدة “إلا أنه قد يفاقم مخاطر موجودة في الأساس”.
ولا يزال الناشطون في المجال المالي يتذكرون الانهيار الخاطف الذي حصل العام 2010 في بورصة نيويورك حين فقد مؤشر داو جونز 9 في المئة في غضون 10 دقائق. وفي العام 2016، تراجع سعر صرف الجنيه الاسترليني 12 في المئة في دقيقتين ما تسبب بخسائر كبيرة لبعض الشركات. ونسبت هذه الحوادث إلى خوارزميات ما يسلط الضوء على مخاطر الوساطة المالية العالية السرعة فضلا عن عمليات التلاعب بالأسواق في عصر التضليل الإعلامي.
وتضاف إلى ذلك مشكلة أخرى وهي أن هذه البرمجيات نادرا ما تخطئ وتزداد سرعة فيميل البشر إلى الاعتماد عليها كثيرا. وينجم عن ذلك انهم يصبحون عاجزين عن رصد الخطأ ولا يعرفون طريقة التدخل لحله على ما يؤكد فاسار دار. ومن رهانات السوق، جعلها مفهومة من الزبائن والهيئات الناظمة للبرمجيات الذين يتحدثون عن صناديق سوداء خصوصا أن الأفراد يبقون مسؤولين أمام القانون.
ولفتت شركة “غرينيتش” إلى أن المكننة كما في قطاعات أخرى من الاقتصاد أدت إلى إلغاء وظائف.