إسطنبول-“القدس العربي”:تحاول تركيا بكل السبل التوصل إلى تفاهمات مع روسيا تجنبها الحاجة لإرسال قوات عسكرية بشكل مباشر إلى ليبيا أو إرسال القوات في إطار تفاهمات عسكرية تمنع الصدام بين قوات الجيش التركي التي يتوقع وصولها لطرابلس قريباً لمساندة قوات حكومة الوفاق وبين القوات الروسية غير النظامية التي تقاتل إلى جانب ميليشيات الجنرال خليفة حفتر الذي يحاول دخول العاصمة.
وعقب اتصالين متتالين بين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خصصا وقتا لبحث الملف الليبي، وصل وفد سياسي وعسكري تركي إلى موسكو لبحث المسألة، وذلك قبيل اللقاء المتوقع بين اردوغان وبوتين في تركيا في الثامن من الشهر المقبل والذي أكدت مصادر تركية أنه سيتطرق إلى بحث الملف الليبي.
ورغم كل هذه الاتصالات طفت الخلافات التركية الروسية بشكل واضح على السطح خلال الساعات الأخيرة، وذلك بعدما هاجم اردوغان من وصفهم بـ”المرتزقة الروس” في ليبيا، قبل أن تعبر الخارجية الروسية عن قلقها من نية تركيا إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا.
وقال اردوغان في تصريحات صحافية الجمعة، إن تركيا لن تبقى صامتة أمام مرتزقة تساندهم روسيا ويدعمون خليفة حفتر في ليبيا، وأضاف: “مقاتلي شركة فاغنر، يحاربون كمرتزقة إلى جانب ميليشيات حفتر، ومعروف من يقوم بتمويلهم، وبالطبع ليس من الصواب وقوفنا مكتوفي الأيدي أمام هكذا وضع، لقد فعلنا ما بوسعنا، حتى اليوم، وسنواصل فعل ذلك”.
وبالتزامن مع ذلك، اعتبرت الخارجية الروسية أن “التدخل العسكري الخارجي في ليبيا لا يمكنه سوى تعقيد الوضع في البلاد” ورأت إمكانية استقدام جنود أتراك إلى ليبيا يعتبر “مصدر قلق لروسيا” وأن هذه الخطوة ستثير ردود فعل من قبل دول الجوار، وهو “ما يثير الكثير من التساؤلات”.
تفاهمات مع روسيا
وأكدت مصادر تركية أن وفدا سياسيا وعسكريا تركيا يبحث في موسكو الملف الليبي، وهو ما أكده بوتين في المؤتمر الصحافي السنوي الذي عقده، الخميس، بالقول إنه يواصل بحث القضية مع اردوغان بشكل دائم وأن وفدا تركيا سوف يصل قريباً لبحث الملف الليبي بعدما نفى وجود قوات روسية على الأرض في ليبيا رغم تأكيد تقارير أممية ودولية مختلفة وجود هذه القوات.
هذه المباحثات التي بادرت إليها تركيا تهدف بدرجة أساسية إلى محاولة التوصل إلى تفاهمات مع روسيا قد تجنبها خيار إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا وذلك من خلال احتمالات اقناع روسيا بوقف دعم قوات حفتر، أو الضغط على روسيا لإجبار حفتر لوقف هجومه، وفي حال فشل هذه الاحتمالات، فإن البحث سيتركز على منع الصدام في حال قررت تركيا إرسال قوات مباشرة إلى طرابلس.
وبشأن توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، ترى أنقرة أن سبيلها الوحيد للحفاظ على المكاسب التي وصفتها بـ”التاريخية والاستراتيجية” هو منع سقوط حكومة الوفاق في طرابلس ومساعدتها في صد الهجوم المتعاظم لقوات حفتر المدعومة من أطراف دولية مختلفة أبرزها روسيا ومصر والإمارات.
ولتحقيق هذا الأمر، جرى التوقيع بشكل متزامن على مذكرة تفاهم أخرى تتعلق بالتعاون العسكري والأمني بين تركيا وحكومة الوفاق تتيح لتركيا إرسال قوات عسكرية إلى طرابلس في حال طلبت الحكومة ذلك، وسط أنباء عن إرسال أنقرة مساعدات عسكرية كبيرة لحكومة الوفاق في الأيام الأخيرة.
على الجانب الليبي، مرة مذكرة التفاهم العسكرية في مسارها القانوني الكامل، وذلك بعدما أعلن مجلس الوزراء الليبي، الخميس، أنه وافق بالإجماع على تفعيل مذكرة التفاهم الأمني والعسكري الموقعة مع تركيا، في اجتماع استثنائي ترأسه السراج بحضور نائبي رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق، وعبد السلام كاجمان، وعضوي المجلس محمد عماري زايد، وأحمد حمزة، والوزراء، وقادة المناطق العسكرية، واعتبر المجلس أن المذكرة بذلك تدخل حيز التنفيذ.
وعقب ذلك، دعا السراج، الجمعة، 5 دول هي الولايات المتحدة وتركيا وبريطانيا وإيطاليا والجزائر، إلى تفعيل الاتفاقيات الأمنية مع ليبيا والبناء عليها، وطالب السراج، الدول الخمس، بـ”مساعدة حكومة الوفاق في صد العدوان على طرابلس من أي مجموعات مسلحة خارج شرعية الدولة”.
وعلى الجانب التركي، وافقت لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركي، الاثنين الماضي، على مقترح قانون للمصادقة على مذكرة التفاهم الأمنية والعسكرية التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية، وهي خطوة تسبق تصويت الجمعية العامة للبرلمان على المذكرة التي ستمهد الأرضية القانونية لإرسال قوات من الجيش التركي إلى ليبيا.
وعلى الرغم من أن الشق الأول من التفاهمات المتعلقة بترسيم الحدود بين البلدين نال على تصويت كل الأحزاب التركية باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، إلا أن التصويت على الشق العسكري من التفاهمات في لجنة الخارجية بالبرلمان لم تدعمه المعارضة، لكن الأغلبية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه الحركة القومية يتيح تمرير الاتفاقية خلال الأيام القليلة المقبلة.
وبانتظار تمرير الاتفاقية في الجمعية العامة للبرلمان التركي، تصبح سارية المفعول، وتكتمل إجراءاتها القانونية في الجانبين التركي والليبي، ويصبح اردوغان يمتلك الصلاحية القانونية لاتخاذ قرار بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، وهو القرار المتوقع اتخاذه بناء على نتائج المباحثات مع روسيا، والتطورات العسكرية المتسارعة على الأرض في محيط طرابلس.