ساعة الصفر الرابعة: النزاعات الدولية والإقليمية تظهر بوضوح في ليبيا وحفتر يضرب بسيف الروس

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

دخلت الحرب الأهلية الليبية مرحلة حرجة في ظل انسداد الأفق السياسي واستمرار المواجهات بين حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا وحكومة طبرق وقائدها العسكري أمير الحرب خليفة حفتر.

وأصدرت الميليشيات التابعة له إنذارا للجماعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب حكومة طرابلس بالخروج من العاصمة في وقت شدد فيه الطيران هجماته على العاصمة ومدينتي مصراتة وسرت.

وجاء التصعيد بعد قرار حكومة الوفاق تعميق العلاقات العسكرية والأمنية مع تركيا. ويبدو أن تعهد أنقرة بدعم الحكومة في طرابلس اتخذ ذريعة من قوات حفتر والدول الداعمة له لتصعيد القصف على العاصمة فيما قصفت ولأول مرة مدينة مصراتة التي ظهر مقاتلوها كقوة ضاربة في مرحلة ما بعد سقوط معمر القذافي عام 2011 وانضمت للدفاع عن العاصمة من هجمات حفتر الذي شن عملية عسكرية في نيسان (إبريل) على أمل تحقيق انتصار سريع ضد حكومة الوفاق بزعامة فائز السراج. وكانت تركيا قد وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) اتفاقية أمنية وعسكرية تشمل تزويد الحكومة الليبية بأسلحة وإنشاء قوة رد سريع. وأعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عن استعداد بلاده إرسال قوات للدفاع عن الحكومة الليبية ووصف حفتر بالرجل غير الشرعي، في وقت تحولت فيه الحرب الليبية إلى نزاع إرادات دولية وإقليمية لا ناقة لليبيين فيها ولا بعير. ففي الوقت الذي تعتبر فيه تركيا الداعم الرئيسي لحكومة الوفاق الوطني إلا أن حفتر يحظى بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا والسعودية. وقدمت أبو ظبي لحفتر طائرات بدون طيار اشترتها من الصين، فيما أرسلت موسكو مجموعات من المرتزقة. وأكد مسؤولون في الأمم المتحدة أن طائرات أجنبية تستخدم في الهجوم على العاصمة. وكانت مصر من أكثر الدول معارضة للتعاون التركي مع حكومة الوفاق الوطني. وحذرت روسيا من أي تدخل عسكري، فيما أعلن اردوغان يوم الجمعة أن بلاده لن تبقى صامتة. وأكد مبعوث أنقرة في طرابلس يوم الخميس أن بلاده لا تخطط لإرسال قوات ولكنها قد ترسل مستشارين عسكريين لمساعدة وتدريب القوات الموالية لحكومة طرابلس. ويرى جليل الحرشاوي، الباحث في معهد غلينغنديل في هيغ، هولندا أن الحرب في ليبيا تحولت إلى حرب انتقامية بين الطرفين في وقت يشجع فيه التواطؤ الغربي حفتر وداعميه على التصعيد. وتقول صحيفة “فايننشال تايمز” (20/11/2019) إن غياب الضغط الدولي الحقيقي على الجنرال حفتر لسحب قواته من حول العاصمة يجعل من الدعوات لوقف إطلاق النار غير مهمة.

وحذر المسؤولون في بروكسل من إمكانية التدخل العسكري التركي حيث قال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أن “لا حل عسكريا” للنزاع في ليبيا. وتعمل ألمانيا مع الأمم المتحدة لتنظيم وقف لإطلاق النار حيث أكدت وزارة الخارجية على أهمية احترام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حظر تصدير السلاح لأطراف النزاع في ليبيا.

تقرير

وأصدرت لجنة الخبراء في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي تقريرا حدد الأردن والإمارات العربية المتحدة وتركيا، بصفتها دولا أعضاء في المنظمة الدولية، قامت بخرق الحظر المفروض على تصدير السلاح إلى ليبيا. وأشار التقرير إلى أن هذه الدول قامت “بشكل روتيني، وصارخ أحيانا، بتزويد السلاح بدون بذل جهود لإخفاء المصدر”. وقال المبعوث الدولي لليبيا، غسان سلامة إن التدخل الأجنبي في ليبيا -عسكريا ودبلوماسيا- يعد العقبة الكبرى لتحقيق السلام في البلد، فيما أدى الانقسام داخل مجلس الأمن إلى عدم قدرته على الدعوة لوقف إطلاق النار، رغم مناقشة الموضوع الليبي 15 مرة. وأضاف أن حظر تصدير السلاح تم انتهاكه 45 مرة منذ 4 نيسان (أبريل).
وأشارت صحيفة “الغارديان” (9/12/2019) إلى أن   مصر والإمارات والأردن زودت قوات تابعة للجنرال خليفة حفتر بالأسلحة، وذلك بعد أيام من إعلان الأمم المتحدة عن خطة سلام. وأورد التقرير نقلا عن سلامة، قوله إن جماعة حفتر مسؤولة عن 800 هجوم بالطائرات المسيرة منذ نيسان (أبريل) فيما شنت حكومة طرابلس 270 هجوما بالطائرات المسيرة. وحذر سلامة من نشر مئات المرتزقة الروس الذين قد يحرفون الميزان لصالح حفتر، وعبر عن خشيته من انتشار الحرب إلى مركز العاصمة، ما يؤدي إلى حمام دم بسبب التدخل الروسي. وتلفت الصحيفة إلى أن وزير الخارجية الليبي محمد طاهر سيالة أكد أن هناك مخاطر من سقوط طرابلس في يد القوات التي يقودها الروس، قائلا إن “المشكلة هي أن روسيا تعلن عن شيء وتفعل شيئا آخر، وبالتأكيد تعد ليبيا مهمة استراتيجيا لروسيا، وتحاول الحصول على موطئ قدم في البلد”.

المرتزقة وأمير الحرب

ويخشى أن يؤدي دخول روسيا إلى إشعال حرب جديدة في الشرق الأوسط. ففي تقرير أعده سودارسان راغفان مراسل صحيفة “واشنطن بوست” (20/12/2019) قال فيه إن ظهور قوات المرتزقة الروس على جبهة القتال لأول مرة في أيلول (سبتمبر) غير خبرتهم وأسلحتهم المتقدمة المعركة التي كانت قد بدأت. ويقول إن ظهورهم في شرق ليبيا إلى جانب قوات حفتر أدى لسلسلة من التطورات التي تهدد بحرب إقليمية تدور حول الجغرافيا والأيديولوجيا والنفط واحتياطات الغاز الطبيعي. ويبدو النزاع في ليبيا أكثر من أي وقت مضى مدفوعا بالانقسام الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط والذي يضع تركيا وقطر ضد الإمارات ومصر والسعودية. وزادت مصر والإمارات وتركيا في الأشهر الماضية من تورطها في النزاع بشكل كشف عن التنافسات والعداءات العميقة بينها. ويقول الكاتب إن الولايات المتحدة التي أهملت ليبيا تحاول البحث عن طرق لمنع الكرملين، ولكن في غياب الوجود الدبلوماسي الأمريكي القوي يبدو أن روسيا وتركيا على الطريق لاستثمار الفراغ الأمني والسيطرة على البلد كما فعلتا في سوريا. ويبلغ عدد المرتزقة الروس في ليبيا أكثر من 1000 معظمهم أفراد في شركة “واغنر” المرتبطة بالكرملين. وقاتل عناصرها في سوريا وأوكرانيا والدول الأخرى التي لروسيا مصالح استراتيجية فيها. وفي الوقت الذي زادت فيه الحرب حدة ارتفعت معها حرب التضليل والبروباغاندا والتي تقوم بتقسيم القبائل والمجتمعات الليبية وتقضي على جهود المصالحة، فيما تزيد المخاوف من تدفق اللاجئين عبر الشواطئ الليبية إلى أوروبا واستغلال تنظيم “الدولة” الفراغ الأمني والعودة. ويرى فردريك ويهري، الباحث في الشؤون الليبية في وقفية كارنيغي للسلام العالمي إن “الموجة تغيرت على الأرض وتردد صدى ذلك دبلوماسيا وجيوسياسيا”. ويقول إن النفوذ الروسي الجديد يعتبر ضربة للنهج الأوروبي من ليبيا وعملية برلين و “زاد الطباخون في المطبخ”. وتأمل روسيا التي ساعدت حفتر من خلال طبع مليارات الدنانير الليبية وأقنعت القبائل لدعم تقدمه إلى العاصمة باستعادة مليارات الدولارات من خلال عقود عسكرية ونفطية خسروها عندما سقط نظام القذافي عام 2011. وتعتبر ليبيا جزءا من خطة موسكو لتوسيع مدى تأثيرها في الشرق الأوسط وافريقيا. ورغم الدعم الذي حصل عليه حفتر في بداية الحملة إلا أن فرقا عسكرية عادت إلى مناطقها ولم تعد القبائل تنضم إليه. ويقول الحرشاوي إن “جيش حفتر حتى آب (أغسطس) كان في وضع خطير”. ثم وصل المرتزقة الروس الذين كبد قناصتهم قوات الحكومة خسائر معنوية وبشرية. وهو ما دعا حكومة الوفاق لكي تبحث عن مساعدة من تركيا التي قدمت لها طائرات بدون طيار وعربات مصفحة ومستشارين عسكريين. ووقعت طرابلس وأنقرة اتفاقا لتعليم مناطق التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط مما أغضب اليونان ومصر وقبرص والاتحاد الأوروبي. ويعلق ويهري قائلا: “أصبحت خطوط المعركة واضحة في البحر المتوسط”. وردت حكومة عبد الفتاح السيسي على التطورات بشجب حكومة طرابلس وتعهد بمنع أي طرف السيطرة على ليبيا. وستوقع تركيا على عقود بناء بقيمة 18 مليار دولار.

صمت أمريكي

 وأدى ظهور المرتزقة الروس في ليبيا لدهشة أمريكا التي أرسل رئيسها دونالد ترامب منذ نيسان (أبريل) رسائل غامضة. ففي الوقت الذي حثت فيه وزارة الخارجية الأطراف على وقف إطلاق النار قام ترامب بالحديث عبر الهاتف مع حفتر وصادق على حملته العسكرية. إلا أن الإدارة الأمريكية وحكومة الوفاق أصدرتا بيانا في الشهر الماضي دعتا فيه حفتر لوقف حملته على العاصمة، وذلك بعد ظهور التقارير عن وجود المرتزقة الروس. وقالت واشنطن إنها تدعم “سيادة ليبيا وسلامة حدودها أمام محاولات روسيا استغلال النزاع ضد إرادة الشعب الليبي”. والتقى مسؤولون أمريكيون بارزون مع حفتر في العاصمة الأردنية عمان في محاولة لإقناعه وقف إطلاق النار، فيما يناقش الكونغرس مشروع عقوبات على روسيا لإرسالها مرتزقة إلى ليبيا. ورغم نفي الحكومة الروسية وجود مرتزقة وتأكيد الناطقة باسم الخارجية الروسية على التعاون بين البلدين لحل الأزمة ومنع خرق الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة، إلا أن السلاح استمر في التدفق، حيث زودت الإمارات حليفة الولايات المتحدة حفتر بطائرات مسيرة متقدمة وتعمل مع المرتزقة الروس لدعم حفتر. كل هذا الدعم شجعه على إعلان “ساعة الصفر” للمعركة على طرابلس. ويعلق ولفرام لاتشر المحلل بشؤون ليبيا بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية “لقد رأينا الكثير من القلق الأمريكي حول التدخل الروسي المتزايد ولكن بدون مشاركة حقيقية أو عمل شيء” ويضيف “بل وزادت حملة حفتر والهجمات بالطائرات المسيرة المرتبطة بالإمارات بعد لقاء المسؤولين الأمريكيين بحفتر في عمان”.

بروباغاندا

وهذه هي المرة الرابعة التي يعلن فيها حفتر ساعة الصفر ولكن هذه المرة بوجود الروس، حيث شهدت عدة مدن مواجهات فيما زادت حملة التضليل في الوسائل الإعلامية المحلية والعربية المؤيدة لأمير الحرب، في محاولة لتشتيت العدو ونزع الشرعية عن حكومة طرابلس ودعوة الغرب للتخلي عنها. وانتشر خطاب الكراهية على فيسبوك وتويتر وبقية وسائل التواصل الاجتماعي ومن القبائل المؤيدة لحفتر والتي وصفت مقاتلي مصراتة بأزلام تركيا ودعوا لإبادتهم. وقالت شخصية مؤيدة لحفتر في فيديو “ستمحى شوارع بأكملها” و “سنحرق ونسحق مصراتة”.Subscriber sign in

إلى أين؟

تشي التطورات في ليبيا أننا أمام مرحلة جديدة من الحرب حيث يراهن كل طرف على حصانه، وتبدو حكومة الوفاق الوطني في حالة ضعيفة رغم الاعتراف الدولي بها، فلا تقف معها في هذه الأزمة سوى تركيا. ومع أن حفتر لديه الميزة الجوية لضرب العاصمة إلا أنه قواته على الأرض لا تستطيع القيام بمواجهات شوارع، وحظه مرتبط في النهاية بإمكانية تخلي الجماعات المسلحة عن حكومة السراج. أما ما تريده تركيا فهو النفوذ في المنطقة ولا يوجد ما يشي أنها سترسل قوات تواجه مقاتلي حفتر، وكما هو الحال في ليبيا فهذا نزاع جيوسياسي على الغاز الطبيعي والنفط. وكل طرف يحلم بقطعة من كعكة البلد إن لم تكن الكعكة كلها. وما يعطي حفتر القوة أنه يسيطر على حقول النفط إن لم تكن موارده. ولم تستطع قوات حكومة الوفاق السيطرة نهاية الشهر الماضي على حقل الفيل مما عزز سيطرة حفتر على النفط. وليس مصادفة أن تقوم شركة النفط الليبية بتوقيع عدة عقود مع شركة توتال للحصول على أرصدة نفطية بالبلد بقيمة 450 مليون دولار. وفي الوقت الذي تدعم فيه فرنسا حكومة السراج شفويا إلا أنها تدعم سرا حفتر، ويفضل الفرنسيون العمل مع أمير الحرب ويراهنون على انتصاره. والمسألة كما يقول إنيس أليك من “أويل برايس” (19/12/2019) ليست في قدرة حفتر على دخول العاصمة فلديه الطيران الكافي لقصفها، ولكن هل يمكنه السيطرة عليها، حيث سيواجه جماعات مسلحة لديها الغطاء اللوجيستي وربما القوات التركية. أما السؤال الثاني، فهل يعني فشل حفتر في هذه الجولة مرحلة من الجمود وانتصارا لحكومة الوفاق، لكنها لا تسيطر على النفط بل حفتر؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية