تفكيك «الأحجية» التركية في «المعادلة الداعشية»

حجم الخط
13

بينما تؤكد الأمم المتحدة ارتكاب «داعش» الذي يسمي نفسه زورا وبهتانا بـ»الدولة الاسلامية»، عمليات اعدام جماعية وسبيه النساء والفتيات وتجنيده الاطفال للقتال، في انتهاكات ممنهجة قد ترقى إلى جرائم حرب تستدعي المحاكمة الدولية، يبدو الموقف التركي المضطرب من هذا التنظيم الفاشي الارهابي، اقرب الى «الأحجية» التي تشي بمأزق حقيقي، وليس «سياسة متماسكة» يمكن الدفاع عنها.
وبغض النظر عن التفويض البرلماني الذي قد تحصل عليه حكومة انقرة، خلال ساعات لمحاربة «داعش»، فان العبرة تبقى بالمواقف العملية على الارض، وهذه اعلن عنها الرئيس رجب طيب اردوغان بالفعل، عندما اشترط للانضمام للتحالف ان «تقرر واشنطن إطاحة الاسد»، وهو يعلم انه شرط تعجيزي يحتاج الى قرار من مجلس الامن الدولي، ما يجعل الموقف الحقيقي لانقرة هو رفض دخول المعركة ضد «داعش».وهكذا تتكرس اسئلة مشروعة بشأن حقيقة علاقة انقرة بهذا التنظيم، خاصة وسط انباء عن اعلان مسؤول العلاقات الخارجية في «داعش» فتح اول مكاتب تمثيل لما يسميه بـ«دولة الخلافة» في دولة اسلامية «صديقة»، رجح مراقبون انها تركيا. أما على الارض فثمة وقائع تثير مزيدا من علامات الاستفهام، ومن بينها:
اولا- اعلنت تركيا الاسبوع الماضي منع الف من المقاتلين من عبور حدودها الى سوريا للانضمام الى صفوف «داعش». وجاء الاعلان تزامنا مع اصدار مجلس الامن الدولي قرارا بحظر اي دعم بالمال او الرجال للتنظيمات الارهابية في سوريا والعراق. والسؤال: اذا كانت تركيا تستطيع ان تمنع ألفا من الداعشيين الجدد، لما لم تمنع الالاف الذين انضموا اليه في الماضي عبر حدودها؟ وهل اكتفت بالسماح بعبورهم، أم انها ساهمت في تسليحهم وتدريبهم وإمدادهم بالدعم اللوجستي، مستفيدة من شبكة التمويل الضخمة التي تقف وراءه؟
ثانيا- بررت تركيا رفضها التوقيع على بيان الاجتماع التأسيسي للتحالف الدولي في جدة الشهر الماضي، بوجود عشرات من دبلوماسييها رهائن لدى «داعش» حينئذ، الا ان هذه التبرير لم يعد قائما بعد ان توصلت الى تسوية معه أدت الى اطلاقهم مؤخرا. فهل يعد هذا الموقف المتردد جزءا من «الصفقة»؟ أم انه قائم على رؤية استراتيجية تعتبر ان القضاء على «داعـــش» سيؤدي الى إعادة تأهيل نظام الاسد، ما سيمثل انتكـــاسة جديدة للسياسة الخارجية، خاصة في ظل تأكيد واشنطن ان تدريب ما يسمى بـ«المعارضة السورية المعتدلة» قد يستغرق سنوات، وهو ما يعني وجود «فجوة» لن تجد من يملأها الا الجيش السوري وحلفاؤه.
ثالثا – بينما يقترب «داعش» من اقتحام بلدة «عين العرب» على الحدود التركية مع سوريا، وسط مخاوف من ارتكابــــه مجزرة بشعة بين سكانها الاكراد، امتنعت تركيا عن تقديم اي عون لمنع هذه الكارثة، بل انها رفضت الســماح للالاف من اللاجئين بدخول حدودها (الا مشيا على الاقدام)، ما خلق مأساة انسانية جديدة، واكتفت بالمراقبة عن بعد (..)، عــــلى الرغـــم من ان ســــقوط هذه البلدة (يفترض) ان يمــــثل تهديدا للامن القومي التركي، وهو ما لا يحتاج الى تفويض برلماني اصلا لمواجهته، الا اذا كانت هناك ثمة «تطمينات « لدى انقرة بأن التنظيم لن يعبر الحدود ولن يهددها (…).
رابعا – ان اصرار اردوغان على اقامة «منطقة حظر جوي» داخل الاراضي السورية، كشرط للتدخل في الحرب، لا يبدو اكثر واقعية من شرط «اعلان استهداف اطاحة الاسد»، بل انها تبدو اقرب الى «التفكير المتمني» او «الرفض المبطن» لمحاربة «داعش» على اي حال، ربما خشية لانتقام محتمل من التنظيم داخل الاراضي التركية، ردا على هزائمه في العراق وسوريا. وبديهي ان منطقة الحظر تحتاج كذلك الى غطاء من الشرعية الدولية، كما ان فرضها من جانب واحد قد يؤدي الى انهيار التحالف او اشعال حرب اقليمية، ناهيك عن ان التجربة العراقية في عهد صدام اثبتت ان اقامة مناطق حظر جوي وحدها لا تكفي لاسقاط النظام اصلا.
خامسا – يبدو اردوغان اكثر انزعاجا من نظام السيسي في مصر، من وجود قوات «داعش» الارهابية على حدود تركيا.
وبالطبع فان انقرة لها ان تتخذ ماتشاء من مواقف سياسية تجاه اي نظام، الا ان استخدام منبر الامم المتحدة لمهاجمة الرئيس المصري، انما يشير الى حالة «الاضطراب» في السياسة الخارجية بشكل عام، تدفع باتجاه الحكومة التركية الى نوع من العزلة الاقليمية، في ضوء تردي العلاقات مع اغلب دول الخليج، كما ان هذا الاسلوب يكرس الاتهامات لتركيا بأنها تسعى الى تفتيت الدول العربية الكبيرة، مثل العراق وسوريا ومصر، في سبيل فرض هيمنتها الاقليمية سعيا وراء حلم «الخلافة».
واخيرا فان كون تركيا محقة اخلاقيا، بدون شك، في رغبتها في زوال نظام الاسد، وهو موقف كثيرين، بينهم دول عربية مشاركة في التحالف، لا يبرر امتناعها عن محاربة الارهاب، او دعمه باعتباره بديلا افضل من النظام السوري، ولا يمنحها السلطة لتختار الانظمة الحاكمة في بلاد اخرى، تماما كما انه لا يمكن للاخرين الا ان ان يحترموا اختيار الشعب التركي لنظامه، رغم الانتقادات بشأن الفساد وقمع المظاهرات وغير ذلك.

٭ كاتب مصري

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية