من سيزيف الآلهة إلى فينيق الشعوب

من وثبة ثلة من الفتية اعتراضا على قهر جثم على صدور أجدادهم بمدينة ما، تحولت إلى تحقيق قيامة شعب ليحدد مصيره؛ فللشعوب ذاكرة وإرادة لا تقاس باستقراء حالة التشرذم والوهن الظاهر في بنيتها ولا بالصبغة التي طغت على نمط من أبنائها ولو كان كبيرا فذي حتمية التاريخ وقوة الأقدار ولعل مفردة قيامة تعني مصيرا محتما بين هاوية أو نهوض في روحه ومنظومته القيمية بل وإدراكا لجدوى الاعتراض وجدوى أن يتحول الصوت الفرد لأهزوجة جماعية تصدح بسقوط طاغية كان وقعها عليه أمضى من الرصاص، مما يحيل إلى معنى المرور ببرزخ الامتحان الصعب للحياة الحقيقية ولو بعد جيل.
فقد تطورت من أن تكون حركة تمرد لاقت مجابهة صَّورتها أقل من زوبعة في فنجان إلى عاصفة تضع على المحك كل الروابط والعلاقات السياسية والاجتماعية وتوسعت لتفاجئ النسق السياسي المعارض المنجز ليقر بمحاولة اللحاق بركبها طالما لم تنطلق بعقلية ثأرية بل ظلت ثورة كرامة مفتوحة لدخول الجميع وتحولت من ثورة قامت لتسقط نظاما إلى ثورة يتكشف فيها الأعداء وينبجس بينها حس العمل والتربص والتمحيص لمعرفة وكشف الداخلين فيها بانتهازية السياسي وصاحب الأجندة والأهداف المدغمة ولعل من أسماها الفاضحة كان بارعا في التسمية.
ثم تحولت إلى مرحلة ثورية ماراثونية طويلة أشبه برحلة الطير نحو برلمانها في الملحمة الفارسية «طائر السيمورغ» إذ تمر بمراحل وكرب حتى تسقط من أخذه الوهن والضعف لتصل إلى الصفوة من الأفكار والرؤى التي تشكل ناموسا تحكم به وتحتكم إليه لا القائد الرمز ولا الأب القائد
والملحمة السورية حمالة أوجه؛ من تغريبة سورية تتنازعها الجهات إلى احتوائها الغث والسمين إلى مسيرة الخذلان والصعود والهبوط كأنها تمر بأسفار وحقب لكل منها وجوهه وضحاياه؛ لكأن هذا الشعب عليه أن يمر بفيوض العالم السبعة وما كتبه أفلاطون من مراحل المعرفة التي لا تأتي بالتجربة فقط بل بالغوص في تحولات الفكر التي قد يبدو الزمن الذي يسير سريعا لا يقدر على احتواءها من الفيثاغورثيين إلى أخوان الصفا ولمن يقول بشطح القراءة هذه أن يتذكر أن أكثر ما نقص هذه الثورة هو المعرفة والفكر وأكثر ما أعاقها الارتجال وهي صفة الشعوب في المفاصل التاريخية وغياب المثقف حقيقة ليست تنكر.
أسطورة تستحضر في الأذهان كل علل الشعوب وثوراتها لتنقية ماشابها ممن يُرى في موكبها من المتسلقين وأصحاب الرؤى المرتجلة وأحصنة طروادة التي تشكل جسرا لعبور مخططات الخارج ومصالحه
ولو نظرنا على نخبتها أو صفوتها على أنها وحدة مجتمعية متنافرة ومختلفة وتشكل ما يسمى بمجتمع نفسي حسب فرويد ولوبون فهي تسعى للتنظم أكثر وما الإرباك في حركتها إلا بسبب عدم تركها مستقلة عن المتدخلين لتشويهها والامتحان تحت نار ليست بهادئة من الأعداء ولازال المصهر السوري يقلب ناره على السوريين وربما ظهر طلب الخلاص هنا وهناك وبات سقوط النظام ضروريا للخلاص وكأنه بمجرد سقوطه يكون الخلاص لكن الجميع يعي أن الخلاص هو من الموت المجاني وان الثورة تعتمل بداخلها على ثورات وحبلى بتطورات درامية من داخلها
هناك من يعي ويفقه جيدا ويدفع ثمن وعيه أكثر من المثقف والمبدع الذي يقع عليه أول الأمر عبء دفع الثمن بعد استقراء وتراكم حالة الوعي التي تحيل إلى أن يكون معارضا فظهر في الشارع ما ينم عن وعي متراكم ربما لم يجد آليات تبلوره في حاضنة متحولة تحت ضغط الحياة الطارئة التي يقضونها
يبدو المجتمع السوري الثائر إذن والحال هذه أشبه بطائر السيمورغ ممعنا في بحثه عن أسطورته وعن نخبته أو صفوته التي ليست أشخاصا بل قيم ومبادئ مما يشي بأنها تعيش مرحلة بروز تيارات وأفكار ورؤى مرتجلة ومعتسفة وأخرى مستغلة المال السياسي والمحاصصة وهذه الفترة ستشهد ظهور مشاريع جديدة غير أن علينا ألا نقيس المشاريع بظهورها فهناك مشاريع تدرس ولا يكتب لها الظهور ولكنها نويَّات أفكار تكبر وتنمو وستولد في يوم ما
المهم هو حالة تنقية الذات ولعل قراءة في الأساطير القديمة الغنية والثرية بدلالاتها تزخر بالكثير، ولكن في محاولة قراءة من زاوية مغايرة، نجد أن الأساطير أبدعتها مخيلات ومعتقدات الشعوب، ولكنها تمحورت حول جهد بطل محدد «انكيدو» «تموز»
وغاب الشعب عنها تماما في الوقت الذي تحفل به بدلالات رمزية تنير شعوبا بكثير من المعاني، فالشعب السوري الآن هو الذي يسطر أسطورته بدمه مما يضطرنا لإسقاط بطولات أبطال الأساطير وفرسانها، على ذات أو كتلة مجتمعية حقيقية، ولكنها مفترضة الحدود والملامح إذ تزيد وتنقص وتغربل وتضم الجديد والعلاقة على حدودها متفاعلة تخرج الخبث حينا وتستقبل من النظيف من كان خارجها.
وبهذا الإسقاط أو سحب الرؤية الجمعية الشعبية للشعوب القديمة وتركيزها حول أبطال رموز تنتقل لتصبح سحبا فيه شيء من الإنزياح بالمعنى نحو إسقاطها على شعب يسجل تاريخا يبني ركنا لعقد جديد عقد اجتماعي سياسي إنساني في مجتمعات كانت عبئا أو مسرحا للغـير ولعبه وقد تكون منارة من جديد
بل وتحقق تغييرا ثوريا في ترسيخ معنى جديد في البنية المفاهيمية والعقل الجمعي بأن البطولة لا تبنى على أفراد بل شعوب؛ ولاشك أن هناك من يعمل على جعل الشعب السوري سيزيف العصر الذي تدجن به كافة الشعوب لأنه اكتشف أسرار الآلهة تلك التي ليست في نظام مستبد يحكم جغرافيا محددة بل نظاما عالميا يعاني من ثقب في الضمير الكوني ويعاني كذلك من عداء عميق للربيع العربي المفترض أن ينجح في بقعة ما، ليشع لغيره لكن الشعب السوري كلما جوبه بالمؤامرات نهض ليسجل أسطورة الفينيق السوري
وما يمر به ليس لقتل «الأب الذي استحوذ على كل شيء حتى نساء الرهط» كما يقول مصطفى حجازي في قراءة لأسطورة فرويد، بل لقتل الفكر الأبوي وبناء المجتمع الفاعل المتوثب عطاء وتغييرا ( فعل تحول التاريخ الآسن إلى فعل التاريخ المتحرك ليطلق قواه المتجددة ) وحقيقة التاريخ تصنعها الشعوب.

٭ شاعر وباحث في الميثيولوجيا وعلم الأديان

أحمد الشمام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية