فاجأني خبر وفاة الزجّال التّطواني عبدالعزيز الموصمادي الذي عرفته مؤخرا من خلال لقاءات اتسمت بطابع المصادفة وأذكر منها ذلك اللقاء بمدينة وادي لاو في مكتب مدير ثانوية عمر بن الخطاب الصديق الأديب محمد أهوّاري. وقد قدم لي المرحوم نفسه في هذا اللقاء مباشرة بدون مواربة ولا مجاملة أو تحفظ، لاسيما وقد علم من خلال الصديق أهوّاري أمورا عن هويّتي وشأني الثقافي الخالص، ممّا كان كفيلا بكسر حاجز المجاملة واستبعاد التملـق الحذر الذي يصاحب عادة أحوال التعارف القسري. أذكر أنه في هذا اللقاء أخذ يتحدث عن تجربته الزجلية بحماس يجلي ثقة زائدة في إمكانات الذات وفي مصداقية هذا الاتجاه الذي يحيطه ببالغ الإخلاص والحفاوة. والحق أقول إنني لم أوف الرجل يومها حقه من الفهم والتقدير، وإنما حسبته مبالغا ومغرضا في حديثه الحماسي حول شعاب الزجل الذي لا أرفضه ولا أنتقص من قيمته، ولكنني لم أعتد النظر إليه يوما إلا في الموقع الذي يحتله كمظهر مصاحب ومكمّل لقيمة الشعر الفصيح.
ومرّت الأيام والشهور بعد هذا اللقاء الأول حتى كان اللقاء الثاني في قاعة الندوات بدار الصنائع ضمن فعاليات وأنشطة عيد الكتاب لهذا الموسم2014 . وكان نشاط المرحوم مسطرا في الحلقة الأخيرة من اليوم الأخير، وأذكر أنه تنبّه لما قد يعنيه هذا التأخير من دلالات التهميش وسوء العرفان والتقدير. وأذكر بعد ذلك أيضا أن المرحوم تحدث في هذا اللقاء عن تجربته حديثَ العارف بأسرار العلم والخبير المتمرّس بجوهر الفن، وبأنه ربط تجربته بأهداف تربوية تتغيى تأصيل الذات في محيطها الثقافي الموصول بكينونة اللغة الأم، اللغة الدارجة أو العامية بما تحويه من غنى وتنوع في مقاصد القول وسمات التعبير عن الوجدان الجمعي. وأذكر أيضا أنه تحدث للجمهور عن سمات مقارنة تضع شعر الزجل التطواني في سياق نصوص الزجل عبر أنحاء الوطن، مع التشديد على التعالق النوعي مع تجربة شعر الملحون المغربي بخاصة والشعر الغنائي بعامة.ولعل أهم مظهر من مظاهر الإعجاب الذي استخلصته من هذا اللقاء المحتفي بشخصية الرجل وتجربته تجلّى في ما لمسته من ملكة حفظه للنصوص، ولاسيما نصوصه الزجلية التي كان يتفنن في عرضها واستظهارها باقتدار وتميّـز في النبر وحلاوة الأداء،فضلا عن أن مضامينه الشعرية بدت موسومة بالأصالة والعمق وشدة الحَفر في الواقع والوجود. كلّ ذلك جعلني أنظر إلى الرجل نظرة ثقة وإعجاب بقدراته الفنية والإبداعية، و أجزم بأنّ شأنه سيرتقي حتما إلى قمة التميّز. ومن يومها وقر في ذهني وفي ذاكرتي طيف الشاعر الزجال عبدالعزيز الموصمادي مقرونا بأنموذج كارزماتي يتلخص في صورة كهل وسيم تعكس ملامحه عنفوان الشباب وحماس المثقف الطليعي. ثم أذكر بعد ذلك كله أن رمقته عيني مرة أو مرتين جالسا صحبة الخلان بطوار مقهى الزهرة المقابلة للمكتبة العامة. وفي إحدى المرتين لوّح لي بيده وعلى فمه ابتسامته المألوفة الناضحة بينبوع الحياة .ولكم كان بودّي أن تتاح لي بعد ذلك فرص أخرى لتعميق معرفتي بهذا الصرح الشامخ في دنيا الفن والحياة، لولا أن هدّني نبأ موته المباغت. فرحمة الله عليك أيّها البهيّ المستريح، وسلام عليك يوم كنت ترفل في ألق الحياة، ويوم صرت تطوي أوراقك للرحيل وأنت تنشد:
ماشي مشكيل (ليس ثمّة مشكل)
إلى جا الفنى (إذا حلّ الموت)
هو ماجي (هو قادم)
ف جميع الحالات (في كلّ الأحوال)
هذا الفرض (هوَ ذا الفرض)
ماشي السُّنة (وليس بالنافلة)
إلى دق عليك(إذا يَطرق بابك)
غيرعطيه الدخلات(عجّل له الترحاب)
غير وكان (غيرأني)
باش نرحال ف الهنا (لكي أرحل في أحسن الأحوال)
كان يعجبني ( كان يروق لي)
نكمل شي حاجات (أن أنهي بعض الحاجات)
٭ كاتب مغربي
عبدالسلام ناس عبدالكريم