يعد اللون من أهم الظواهر الطبيعية، فقد زينت به الدنيا منذ بدء الحياة، فهو يضفي نوعا من الجمال والمتعة على حياة الإنسان، والشاعر يستطيع أن يلون خطابه مثلما يفعل الرسام في لوحته. إذ تطوقنا الألوان في الحلم واليقظة، لارتباطها بكينونة الإنسان، فهي جزء لا يتجزأ من ذاكرته، وعلامة على أفكاره وأحاسيسه وانفعالاته. ويحضر اللون في القرآن الكريم للدلالة على عنصر الاختلاف بين عناصر الوجود الذي يمنحه حقيقته الأساسية يقول عز وجل: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء، إن الله عزيز غفور».
وقد احتفى الشعر العربي بالألوان، فوظفها الشعراء في قصائدهم دلالة على رفعة النسب وشرف المقام، مثل اللون الأبيض في بيت حسان بن ثابت:
بِيضُ الوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ شُمُّ الأُنُوفِ مِنَ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ
أو دلالة على بهجة الحياة والافتتان بمتعها، وهو ما رمز إليه اللون الأخضر في بيت ابن عبد ربه، يقول
أَلَا إِنَّمَا الدُّنْيَا نَضَارَةُ أَيْكَةٍ إِذَا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ
في ديوان «أجراس السنديان» تجعل الشاعرة سناء سقي النص الشعري حقلا مليئا بالرموز والدلالات، داخله يولد معنى يدعونا لنعايشه، بوصفه تجربة فريدة، فيصبح هذا العمل أثرا يخلق لدى المتلقي نوعا من التماهي مع تجاربه الفردية، وحتى الجماعية أثناء الحديث عن بعض القضايا الجوهرية مثل؛ الوطن، القضية الفلسطينية، الفقراء وأبناء الهامش، استشهاد الممرضة رزان، ليلة الطهر المقدسة ( ليلة القدر)»، ومادامت القراءة هي اللحظة التي يبدأ فيها النص بإحداث أثر ما»، فإن حدود التأويل تبدأ من ثمة برسم مساحاتها الشاسعة، في التعامل مع مختلف الشيفرات المبثوثة في ثنايا النص الشعري/ الرسالة، الذي يكتسي طابعا متشظيا بالنظر إلى مختلف العلامات والدوال التي تظهر داخل الديوان، بوصفها مفاتيح تحدد لنا اقتضاءات استراتيجية للقراءة التأويلية، التي سننظر فيها أثناء دراسة المتن الشعري إلى عنصرين اثنين:
اللغة الفردية للشاعرة «اللهاج»، التي يعرفها أمبيرتو إيكو قائلا:» نقصد باللهجة الفردية كل شيفرة خاصة وفردية لمتكلم معين» وتبدو معالم هذا اللهاج في هيمنة ريشة الرسام على اللغة الشعرية، التي تختار اللون رمزا للتعبير، وتسم الرسالة داخل النص بطابع الرمزية/ الجمالية. لذلك تعد الشاعرة الألوان إعلانا لصرخة الاختلاف، ورفضا للحياد، وانبثاقا لأعمق المعاني، من امتزاج البوح في ألوان الطيف، كلما انتصرت لغة الألوان تصير الحياة أبهى لأنها تخرج من ظلام العدم باللون، الذي ينهي عتمة الظلال ويزين الروابي والتلال، تقول في قصيدة» اعتراف شجرة»
ها هي
ضحكات أطفال
تلاعب أغصاني،
وترمي بعيون محتاجين
تزرعها كل يوم
بكل متاهات
العالم….
لتبوح بشتى ألوان
العبرات
وأسقط أوراقي
لتنسج ذاكرتي من جديد
سياجا من عبارات
اختزلتها أشعارا
أو سالت بعد الزوال
ألوانا
على جداريات الزمن
عند الشاعرة العبارات ألوان، والعبرات ألوان والأشعار ألوان، يتحدد اللون في المقطع الشعري السابق دليلا على الاختلاف الذي يحصل بين الموجودات والأشياء، وحتى المفاهيم داخل الوجود. وتتقنع الكلمات في أسطر الديوان الشعري في زي ريشة رسام، تقتبس من لقطات الطبيعة والحياة ألوان البهجة والفرح، تقول:
أيها الزمن
أمشي (ك) مسافات
تتماهى
مع إسمنت الأرصفة
استنشقت رحيقك
في شقائق النعمان
حين اغتسلت
بزخات العذرية
واكتست حلتها
بين اصفرار
أقحوان المارين
يرسم اللون في هذا المقطع معالم الجمال في الطبيعة، ويلتقط صورة مقتبسة من لحظات زمن عابر، ويجلو اللون الأبيض أنوار الصباح، الذي يبعد رمادية الحياد والجمود ويستبشر أملا جديدا في الحياة تقول:
هذا الصباح
نفضت الغبار
عن زرقة السماء
فانجلت
بغيوم بيضاء
عانقتها أغصاني
مجردة
دون أوراق
رمادية الشموخ
لا تبالي
غير عابئة
بالأضواء
ويحضر اللون، حين تعلن الشاعرة تسميته صراحة تارة، وتارة أخرى تحبل به دلالات بعض الألفاظ في النص:
من يقوى على جرح….
دمه دمع غزال
وترياقه
كحل في غرة
الناسي
إذ ينبثق اللون الأحمر والأسود من لفظتي: دمه، وكحل، اللتين تكثفان معاني ألم تشعر به الشاعرة، وتحاول دفنه بين أمواج الشطآن، وغسل أدرانه بالزبد الصافي.
ويكون الشعر في عرف الشاعرة معادلا موضوعيا للرسم والغزل، كلاهما نسيج، يصوغ الجمال من ألوان الحياة، ويعيش حالات الشعور المتناقضة التي تتقلب بينها العواطف الإنسانية على مرّ الزمن. وتختلف رمزية الألوان الموظفة من قصيدة إلى أخرى، ففي قصيدة «رزان»: يكون اللون الأحمر رمزا للحرية المسلوبة التي يعيشها المواطنون الفلسطينيون في وطنهم، حرية جسدت معانيها الممرضة الفلسطينية رزان التي استشهدت وهي تداوي الجرحى في قطاع غزة تقول:
لتدون
وثيقة احتلال
همجية
كتبتها أيادي
الجنود
بدم العذارى
وتقول أيضا:
سماء فلسطين
ملطخة بدماء الناسكين
زرقة الأغصان
مخضرة الشرايين
حرية هذا الوطن إذن لدى الشاعرة ترويها دماء الناسكين، الذين يقدسون الوطن/ المعبود، ويقدمون أرواحهم فداء له، حتى تزهر ربوع الأراضي بساتين فيها من الزيتون والرياحين والياسمين ما يزيل الأحمر، ليحل محله اللون الأخضر، فيعلن بذلك الحياة بعد الموت، أو الحياة التي تخرج من شرايين الموت وأوداجه.
وهكذا يخرج المداد من قلم الشاعرة في القصائد ألوانا شتى، تحكي قصة، وترسم عالما لدواخلها في فترات الحياة، التي تتلاطم فيها أمواج أحداث مختلفة، تغير مقاماتنا كما تغير مشاعرنا ونظرتنا للعالم، التي تصطبغ كل مرة بلون مختلف عن سابقه. وهي ألوان ترسم لوحات للعناصر الأربعة الأساسية لتشكل الوجود: الماء والهواء والأرض والنار، التي يعتبرها غاستون باشلار «هرمونات الخيال»، ومنها تستوحي الشاعرة زرقة السماء، وبياض إشراق نور الصباح، ولون الدماء التي تسيل فداء للوطن تارة، وحمم البركان التي تتفجر غضبا تارة أخرى، وحمرة شقائق النعمان، التي تزيد الأرض في موسم بهجتها جمالا:
سال المداد
من نفس الجرح،
وسالت بعده
الدماء…
فاغتصبت
زرقة النهر
واختلط الدم الأحمر
بالعشب
الأخضر…
وصاح اليراع:
لا مفر
لا مفر
لا مفر
من اختناق الشجر
من تلطخ الجسد
بفم الحرف،
من صرخة حق
من نطق الحجر
وتتحدد الكتابة الشعرية لدى الشاعرة بوصفها صوتَ حرف مدوٍّ، لا يخاف القهر، صوتا يتغنى بجمال الطبيعة، كما يصور أغوار النفس الإنسانية، وينخرط في هموم القضايا العربية المصيرية (القضية الفلسطينية، الانتماء والوطنية). ويصور قداسة اللحظة التي نلامس تجلياتها في قصيدة «في موسم الحناء»؛ إذ تصور الشاعرة بهاء ليلة القدر بدءا بالحناء، التي تعلن فرحة نور اقتراب العيد، ومغفرة الذنوب، في رحلة يتدرج فيها اللون ليرسم صورة قدسية ترفع من مكانة هذه الليلة، التي فضلت عن ألف شهر، في السياق الديني، تقول الشاعرة:
في موسم الحناء
عانقت فرحة النور
تقاسيم بدر،
في رحلة
سماء
وأرخت سدولها
في حمرة
مفعمة
بعنفوان
الألوان
لامست جداولها
الخضر
بنان سفوح الروابي
وأرسلت
سفير جنان
يحدو
مدار
طلوع الشمس
بعد هذا
المساء
وكلما اختزنت عين الشاعرة صورة جمال الطبيعة، يخرج القلم ورشة صباغة ترسم عالما أجمل من الصورة/الواقع؛ ذلك أن الذاكرة الشعرية تختزن محددات الصور، وتعيد تشكيلها بريشة رسام، تتعانق فيها الألوان في تآلف وانسجام آسر:
في الداخل
لا شيء
سوى عناق لحظة
الاحتراق
وتأجج لهيب الفراغ
والفراق،
حين تعلن الشمس
رفضها الانشقاق
تسدل أشعتها البنفسجية
وتزهى بألوان الرواق
حتى ذاك السناء
وداخل هذا الفلكلور من البهاء، تخطو الشاعرة خطوات متلاحقة في عملية بحث عن وجوه العلامات السيميائية، التي تخلد بها أبهى اللحظات، تقول:
وأعانق الأزرق
والسماء
وأسترجع سنن الدلالات
في وجوه العلامات
يرمز الأزرق إلى رغبة كبيرة في التماهي مع الطهر، وسير وثيق الخطى نحو الكشف، كشف المجهول الذي تخفيه رحابة السماء.
2- أما الشيفرة الثانية التي تبدو ملغزة شيئا ما في الديوان، فتتمثل في هندسة المعاني الغريبة في النص الشعري، إذ الصوت الذي يخرج من الصمت يمثل توليدا استعاريا يصاغ من بنية التضاد الدلالي بين اللفظتين، والإيقاعات الصوتية داخل الديوان هي ما يمنح النص فعلا حركيا يعتمد الفعل/ الأداء ركيزة أساسية لتشكيل الصورة:
يدغدغ صوت محرك
بنيات عميقة
وترسم عجلات
معالم الطريق،
لذلك يكون فعل الإصغاء لإيقاع الأصوات محكوما بأذن مرهفة تستعذب سيمفونية الصمت:
يحكي صمتي
مقامات غابت في خط
الزمن
يقرع صوت السرد
أسماع الأشجار
ويهلل الطير
في الأوكار
فالشاعرة تكسر جدار الصمت، وتجمع فتات السكات لتصرخ معبرة عن أصدق الآهات، تقول:
هات.. هات
ما تبقى
من فتات
السكات
وتقول أيضا:
وصمت يحكي
قصة حرجة
يصرخ
يولد الصوت تعبيرا عن الرغبة في البوح بالحقيقة، رافضا كل أشكال القهر والظلم، صوت يتعالى عن احتمالات الظن ويثبت اليقين الحق:
أبحث عن أنفاسي
بين مد وجزر
شبه موت
بين رفع وجر
صوت حرف يدوي
فوق السطر…..
لا يخاف القهر
إن تعدد الدوال التي تنطلق من الصوت، دليل على حضور صرخة للكلمة هي دفينة لدى الشاعرة
لكن العلامات اللغوية في سياق النص الشعري تفصح عنها، إذ تنطلق صرخة الصوت من الحرف، من الصمت، من فتات السكات، من صوت السرد، ومن صوت عجلات محرك ما، هذا الصوت هو الذي يحدد عالم الخطاب عند الشاعرة الذي يجعل العمل الشعري صرخة تعبيرية عن قضايا ذاتية ووجودية ووطنية تخفيها سطور النص الشعري ضمن بنيات غامضة، أهمها اللون والصوت، الذي ينفجر بركانا مدويا في نهاية الديوان، حين تنتهي الشاعرة إلى تشكيل صورة معبرة لوطن تستنكر فيه العثور على مبدإ الإنسانية في جوهرها المطلق، تقول في قصيدة «وطن»
يلفظ
بركانا
يرضع
حمما
يطعم
ذلا وهوانا
يسقي
غلا مدانا
يزرع
عبوة
مجانا
فكيف؟
تنبث فيه
إنسانا؟
ولعل اختتام الديوان باستفهام إنكاري رغبة ملحة من الشاعرة في إدانة كل أشكال الإقصاء والتهميش واللامبالاة، التي تنهجها السياسات الحكومية في التعامل مع الملفات المجتمعية لشعوبها؛ إذ يصبح الإنسان مجرد عبوات قابلة للانفجار، وإعلان الثورة والتمرد ضد أوضاع يضيق بها إنسان الحياة البسيط ذرعا، أوضاع تغتال حيال أعيننا الإنسانية الحقة.
كاتب مغربي