يحب الفلسطينيون مدنهم وقراهم، خاصة القديمة منها، ويكتبون فيها شعرا ونثرا، لكنهم يحملون حبا خاصا خالصا لمدينة رام الله، وينشدون لها الأغاني.
يحب الفلسطينيون يافا وبحرها وبرتقالها “الحزين” يحبون عكا التي قال فيها الشاعر محمود درويش: “عكا أقدم المدن الجميلة، عكا أجمل المدن القديمة”. يحبون حيفا وحدائقها المعلقة، والقدس وكل حجر “شحيح الضوء” في بيوتها وأسوارها العتيقة، يحبون نابلس وحواريها وأسواقها المسقوفة، والخليل وأضرحة الأنبياء في حرم أبو الأنبياء ابراهيم عليه السلام، لكنهم يحملون حبا استثنائيا لمدينة رام الله المتقشفة، التي لا بحر فيها ولا نهر، لا جبل ولا وادي ولا سهل.
“رام الله مدينة صغيرة بحجم القلب” كتب أحدهم، وكتب آخر: “رام الله مدينة جميلة حتى لو كانت بلا نهر”.
لعل الفلسطينيين يحبون روح رام الله. فهذه المدينة تتميز بروحها الخاصة التي لا تشبهها فيها أي مدينة أخرى، تلك الروح التي تكونت عبر التاريخ وتوالي الهجرات والنكبات التي عاشها الشعب الفلسطيني.
أهم خصائص رام الله التي خلقت روحها الخاصة، انها متنوعة تتسم بالتعددية الدينية والسياسية والثقافية. فهي مدينة انشأتها عائلة مسيحية قادمة من الشرق هي عائلة الحدادين ثم باتت مستقرا للمهجرين الفلسطينيين من المدن التاريخية الكبيرة مثل يافا وحيفا وعكا واللد.
وأتاحت تعدديتها لأبنائها حرية العقل والروح والجسد، فاخذ الكتاب يكتبون بلا قيد، والفنانون يبدعون بلا خوف من كسر القواعد التقليدية، والمستثمرون يقيمون المطاعم والفنادق والحانات، على نحو نشأت معه مدينة حديثة فيها متسع لكل الناس والتوجهات والأفكار والعادات.
ففي رام الله تجد الكنائس والمساجد للعابدين، وليس بعيدا عنها تجد المقاهي العصرية والحانات، وما بينها تجد المسارح ودور السينما ومعاهد الموسيقى، ومراكز الحفاظ على الفلكلور والمقار المركزية للأحزاب والقوى السياسية، وجميعها تعمل وتحيا على نحو يحقق توازنا يحول دون قدرة طرف أن يحدد للآخر ماذا يفعل وماذا لا يفعل.
ومنح الموقع الجغرافي لرام الله “على بعد عشرة كيلومترات من القدس المحتلة، وترتفع حوالي 860 متراً عن سطح البحر” المدينة مكانة سياسية وسياحية وثقافية خاصة، حيث يجري نقل الأنشطة السياسية والثقافية التي تحظرها سلطات الاحتلال في القدس إلى رام الله. وأقامت السلطة الفلسطينية مقرها الرئيسي فيها، المدينة الأقرب إلى القدس، ما منح هذه الأنشطة زخما كبيرا.
وتوصف رام الله أحيانا بانها “مدينة الحب والحرب” نظرا لمظاهر الحياة والموضة والحريات الشخصية اللافتة فيها مقارنة مع باقي المدن الفلسطينية، في وقت تتسم المواجهات التي تقع بين أبنائها وجيش الاحتلال بالشراسة والعنف الشديد.
وتحفل رام لله بالأنشطة الثقافية والفنية والاجتماعية والسياسية بحيث لا يكاد يخلو يوم من عرض موسيقى أو مسرحي أو ندوة أدبية أو فنية أو تجمع سياسي.
واختارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلم “يونسكو” مدينة رام الله، مؤخرا على قائمة “المدن المبدعة” في مجال الموسيقى التي ضمت 66 مدينة حول العالم.
وتحتفي “اليونسكو” في نهاية كل عام باليوم العالمي للمدن.
وتضم رام الله العديد من معاهد ودور تعليم الموسيقى مثل معهد ادوارد سعيد ومركز الكمنجاتي ومركز الفن الشعبي وسرية رام الله الأولى وغيرها. وأنتجت هذه المراكز العديد من فرق العزف والغناء الحديث والفلكلوري.
ويقول القائمون على معهد ادوارد سعيد للموسيقى بان المعهد يعمل وفق رؤية “تهدف إلى إيصال ثقافة موسيقية مبدعة وحيوية إلى كل بيت فلسطيني”.
ويتلقى أكثر من ألف طالب وطالبة التعليم والتدريب الموسيقي في البرامج الأكاديمية في الفروع الستة للمعهد في الضفة الغربية. ويدرس المعهد الموسيقى العربية والغربية. ولدى المعهد برنامج للتعليم الخارجي يصل إلى التجمعات الفلسطينية الريفية المهمشة.
ويقيم المعهد خمسة مهرجانات موسيقية سنوية، وهي مهرجان ليالي الطرب في قدس العرب ومهرجان الياسمين في رام الله ومهرجان ليالي الميلاد في بيت لحم، ومهرجان البحر والحرية في غزة، ومهرجان العود في نابلس.
وينظم مركز الكمنجاتي دورات موسيقية ساهمت في خلق موسيقيين وعازفين مبدعين.
وينظم مركز الفن الشعبي في رام الله مهرجانا سنويا للموسيقى والغناء يستضيف فيه فرقا محلية وأخرى دولية. وينظم المركز دورات خاصة لإحياء فلكلور الغناء والرقص والدبكة الفلسطينية.
وتقيم سرية رام الله الأولى مهرجانا للرقص المعاصر في كل عام تستضيف فيه فرقا من مختلف أنحاء العالم.
ويقيم معهد “فيلم لاب” في رام الله مهرجانا سنويا للسينما تعرض فيه أفلاما حديثة من مختلف أنحاء العالم. وتتسم الأفلام المعروضة في هذا المهرجان بالثراء الإنساني والسياسي والثقافي.
ويقيم متحف فلسطين وجامعة بيرزيت ومتحف محمود درويش وبلدية رام الله وغيرها أنشطة ثقافية وفنية لا تتوقف.
وغالبا ما تجري هذه الأنشطة بينما تتعرض البلاد لإجراءات احتلالية قمعية في إشارة قوية إلى إرادة الحياة عند الفلسطينيين خاصة في مدينة رام الله التي تمارس الحياة على طريقتها الخاصة إذ تولد من روحها الخاصة.