القاهرة ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: في ايلول/سبتمبر من عام 94 عرفت أحمد إسماعيل عن قرب، حيث كان رئيساً للقسم الثقافي بجريدة ‘الأهالي’ وكنت أنا منضماً لتوي إلى أسرة التحرير بنفس القسم، لم أغترب معه ولم أشعر بتلك المسافة التي تفصل بين التلميذ وأستاذه فقد تجاوزتها فوراً بمجرد اللقاء الأول مدفوعا بجاذبية خاصة نحو هذا الرجل الذي تمرد على الشكل التقليدي للعلاقات الاجتماعية وعلاقات الزمالة وخلق قاموسا مغايرا لمنهجية التعامل قوامه التفاهم والود والحوار. وقد اتخذ من السخرية أسلوبا للتعبير والرفض عززته خفة ظله وفطرته الذكية في التقاط المفارقات في الأشياء والأشخاص، حتى حالته الصحية وسوء حظه كثيراً ما كان يواجهما بالاستهجان حتى لا يدع لنفسه فرصة للتعايش مع الحزن والتماهي فيه فطبيعته الفكاهية المرحة تغلب عليه وترفض الامتناع عن تعاطي الضحك، حتى بعد ان شح بصره وخارت قواه في سنواته الأخيرة لم يشأ الاستسلام وأبى أن تفارقه البسمة التي ظل محتفظاًَ بها على شفاهه وفي عينيه المضيئتان بالفرح، كان أحمد إسماعيل يؤكد أن التحدي هو سلاحه الوحيد للمقاومة وأن العراك الطويل الذي يدخله مع الحياة لا بد أن ينتهي بانتصاره فهو من عرف طريق السجن مبكرا وذاق مرارة التعذيب وهان عليه جسده العاري أمام تشوه الجلادين في زمهرير الشتاء القارس وقيظ الصيف الحارق، ‘فالسجين العاري’ هو اللقب الذي خلعته عليه جريدة ‘لوموند’ الفرنسية التي طالبت بالإفراج الفوري عنه عام 77 حين تم اعتقاله بقرار من السادات عقب الانتفاضة التي أسماها بانتفاضة ‘الحرامية’. في هذه الاثناء كان الفتى لا يزال طالبا بالفرقة الثانية بكلية الإعلام جامعة القاهرة التي تخرج فيها وهو خلف القضبان بعد ان أمضى سنوات بكليات أخرى لم يحبها ولم يطق الدراسة فيها، فكلية الطب كانت أولى الكليات التي التحق بها فور حصوله على الثانوية العامة بمجموع 84% ولكنه سرعان ماا حول أوراقه الى كلية العلوم ثم كلية الفنون الجميلة ليلتقي هناك بالفنان علي الحجار، فتنشأ بينهما صداقة قوية تسفر بعد ذلك عن تعاون فني في أول البوم غنائي بعنوان ‘ماتصدقيش’ كتب كلمات أغنيته الرئيسية المعنون بها الألبوم ليغنيها المطرب الصاعد الواعد حينئذ، وبرغم نجاح التجربة وعمق صداقتهما لم يتكرر التعاون وظلت هناك دائماً مشاريع فنية معلقة بينهما، إلى أن التقى الشاعر أحمد إسماعيل بالمطرب مدحت صالح فكتب له أغنية أخرى وصام بعدها عن كتابة الأغاني وأصدر ديوانه الأول ‘قصائد بلا أغلفة’ وأعقبه بديوانه الثاني ‘قصائد الشخص الآخر’، ولما هجره الشعر لفترة أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة في عهد علي أبو شادي ديوانيه المذكورين في مجلد واحد تحت عنوان ‘قصائد أحمد إسماعيل’. وانشغل الشاعر بالكتابة الصحفية سنوات طويلة وكتب يومياته المتميزة بجريدة ‘الأهالي’ وكان لعناوينها وقع خاص وإيقاع موسيقي فريد كما كان لمضمونها أيضا نفس الامتياز، فمن بين ما لفت النظر مقالاته عن صديقه الفنان التشكيلي الكبير حسن سليمان والذي أذكر منه مقالا بعنوان ‘الريشة تقف كالوتد على ناصية اللون’ ومقالا آخر كتبه عن محمود درويش أيام مرضه عنوانه ‘وردة على سرير محمود درويش الأبيض’، كما رثا ليلى مراد تحت عنوان ‘ياحبيب الروح فين أيامك’ وكان أول من عارض وزير الداخلية الاسبق في عز صولجانه حين اختفى الصحافي رضا هلال وكتب مقالا قويا يقول فيه بالبنط العريض: ‘إني اتهم وزير الداخلية’، هكذا كان العنوان الرئيسي، وكتب كذلك مقاله الشهير ‘عزيزي محمد الوكيل لست وحدك’ إبان القبض عليه وتقديمه للمحاكمة. غير هذا أو ذاك خاض الشاعر المرهف عشرات المعارك ضد التطبيع والتدجين وفساد المؤسسة الثقافية، ورد على وزير الثقافة فاروق حسني عندما قال إنه أدخل المثقفين الحظيرة، وكان من القلائل الذين ناهضوا الوزارة والوزير، فرغ قليلا أحمد إسماعيل من هموم الكتابة الأسبوعية بجريدة ‘اليسارية’ وأصدر كتابة الثالث ‘عن الحب والسجن والتسكع العاطفي’ في حوالي 250 صفحة من القطع الكبير تحدث فيه عن رموز وشخصيات اقترب منها وتعامل معها وقرأ لها، وقد كتب له المقدمة الفنان الراحل حسن سليمان وفيه تكلم عن لويس عوض ولطفي الخولي وبطرس غالي ومحمد عودة ولطيفة الزيات ومحمد سيد أحمد وأمل دنقل ومحمود درويش وأحمد عبدالمعطي حجازي والبياتي، وأفرد صفحات للكثيرين ممن شابهوهم في الإسهام الأدبي والإبداع الفني والسياسي وتجرد تماماً من الهوى الشخصي وادعاء البطولة فلم يتضمن الكتاب أي صيغة من صيغ التعظيم لنفسه ولم يستخدم قط ضمير المتكلم ولم ترد أبدا كلمة ‘أنا’ فهو المتواري دائما، الزاهد في الشهرة والأضواء، المتعفف عن الظهور المتكرر على الشاشات الفضائية إلا للضرورة القصوى برغم صلته الوطيدة بالإعلاميين وصداقاته المتينة بالنجوم منهم، كان كثيرا ما يردد ان قيمة الكاتب الحقيقي فيما يكتب وليس فيما يعلن عنه، من صفاته الأصيلة حب الشهرة والسفر والسمر، ثلاثية حرف السين، يعشق من بين الوسائط الإعلامية الراديو، صديقه وأنيسه وجليسه في أيام الوحدة الأخيرة فمعه كان يقضي ساعات طويلة مع صوت أم كلثوم ويحفظ عن ظهر قلب كلمات أغانيها ويفرق بين مذاق بيرم التونسي وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي وأحمد رامي، ويستعذب نغم السنباطي وعبدالوهاب وزكريا أحمد وبليغ حمدي وتأخذه تجليات ‘الست’ في أغاني الحفلات القديمة ويسترق السمع لصهللة الجمهور حين يصيح منتشياً ‘عظمة على عظمة على عظمة’، ويعرف الكثير عن طبيعة الجمهور ونوعياته ويحفظ في ذاكرته الفوتوغرافية عشرات الأبيات والقصائد من شعر المتنبي وأبي تمام والمازني والبحتري والعقاد وشوقي ومظهر النواب ومحمود حسن إسماعيل والفرزدق وابن الفارض والحلاج، فهكذا تنوعت ثقافته الشعرية بين التراثي القديم والحديث المعاصر وما هو وسيط بين المرحلتين فهو أيضا من المتابعين للشعر الحداثي والمتذوقين لقصيدة النثر، لم يرفض تيارا إبداعيا ولم ينف موهبة يرى فيها ما يبشر وإن قسى أحيانا على بعض الكتابات الهلامية لكنه كان دائماً مع التطوير والتجديد، محتوياًَ ومشجعاً ودافعاً للأمام. عاش أحمد إسماعيل حياة حافلة بالشعر والإبداع والفرح المختلس، قطع مشواره ماشيا على الأشواك يسلك الدروب الصعبة، ولكنه لم يتخل أبدا عن ابتسامته، رحل الشاعر وبقي الشعر!