منذ أكثر من نصف قرن والأجواء العربية مكشوفة تماما لكافة القوى الجوية الحربية الأجنبية، ومن بينها بالتحديد سلاح الجو الإسرائيلي. ورغم الكم الهائل من الانفاق المالي في اقتناء أحدث انواع الأسلحة الدفاعية والهجومية، لم تتمكن الجيوش العربية من وضع حد للخروقات والاعتداءات الخارجية بكافة اشكالها، خاصة الجوية منها. منذ قيام دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا لم يردع هذه القوات رادع ولم يمنعها مانع. فنادراً ما قامت أحدى قوى الطيران الحربي العربي بمواجهة فاعله لصد الطيران الإسرائيلي. تفعيل القوات الجوية بشكل جازم للقيام بهذه المهمة سيسمح بدون أدنى شك إلى خلق نوع من التوازن الاستراتيجي العسكري الشامل.
عدم إمكانية التصدي لعدو غاشم آمر أكثر من مؤلم ومهين. وليس هنالك أشد وطأة على نفسية المدني والعسكري العربي من هدير الطيران المعتدي، وهو يصول ويجول في السماء العربية من مشرقها إلى مغربها. قليل منا يتذكر كلمات الشاعر كمال عبد الحليم «دع سمائي فسمائي محرقة» التي غنتها فايدة كمال بجسارة ضد الاعتداء الثلاثي على مصر.
رغم قوة مفعول هذه الكلمات مازال طيران الأعداء يقذف ويدمر، وهو على ثقة بأن نظيرة العربي لن يخرج ليرد الصاع صاعين. لا يتم ذلك ليس لأن الطيار العربي غير راغب في الحسم، وإنــــما لأن القــيادات السياسية وجزءا من القيادات العسكرية لم تفكر يوماً في تجهيزه بالطريقة التي تسمح له بتحمل عبء مسؤولية الدفاع فعلاً عن الأجواء العربية عامة والوطنية خاصة.
في العادة يقال بأن الدول الأكثر تطويراً وتصديراً للسلاح تمنع بيعه للعرب حتى لا يتم أحداث نوع من التوازن أو التفوق العسكري العربي على الغير، وبالتحديد على إسرائيل. إذ كان هذا الكلام صحيحاً، فلماذا يتم إذاً اقتناء مثل هذا السلاح؟ بمعنى، إن لم يكن شراء الطائرات الحربية يدرج ضمن استراتيجية الدفاع الوطني والعربي المشترك، فمن الأفضل شراء ما هو ضروري حتماً، خاصة أن المواطن في حاجة ماسة للمال، لتطوير قدراته الصناعية، الاجتماعية، الثقافية، التعليمية، الصحية والاقتصادية. هدر المال العام في غير مجاله وبدون أن يأتي بناتج، جريمة توازي جريمة عدم إمكان الدفاع عن الأجواء العربية وتطوير كافة القدرات الوطنية والقومية.
القوات الجوية تمثل في كافة الجيوش نخبة القوات المسلحة. في العادة يقال بأنها القوات المدللة ضمن تركيبة معظم جيوش العالم، لذلك ترى معظم القيادات تلبي كافة مطالبها من المعدات وتقدم لها كافة المزايا المالية والمعنوية.
في الوقت نفسه الكل يدرك بأنها تشكل فعلاً أهم خطر على القيادات السياسية وباقي القيادات العسكرية، لأن بإمكانها حسم أي معركة أو محاولة انقلاب إن بقيت هي متماسكة. للتذكير فقط، معظم المحاولات الانقلابية التي وقعت ببلدان عربية مثل سوريا، العراق، السودان، المغرب، لعبت فيها القوات الجوية دوراً فاصلاً. وقد قامت هذه القوات الجوية العربية مشتركة بدور مهم خلال حرب 1973.
منذ ذاك الحين وحتى الآن لم تقم لهذه القوات قائمة. تحولت لمجرد طائرات تحوم في الأجواء لتحمي طائرة الرئيس أو الملك، حين دخولها وخروجها من الأجواء الوطنية، أو لتصبغ السماء بألوان العلم معلنه بداية العرض العسكري بمناسبة اليوم الوطني. وما شوهد في الآونة الأخيرة من دور الطيران الحربي في قمع المدن الثائرة، بالتحديد في ليبيا وسورية، هو أشنع جريمة ترتكب بحق شعب أعزل من طرف القوات الجوية المعنية. هذه الجــــريمة ستبقى وصمة عار في تاريخ هذه القوات، خاصة أن بقاءها على الحياد كان يعني حتماً تجنيب البلاد والعباد كثيرا من ويلات القتل والدمار.
المؤسف أن معظم القوات الجوية العربية تتجنب مواجهة العدو وقيامه بإعمال بطولية عندما يجتاح سماء الوطن. هذا ما فعله الطيران الحربي الياباني خلال الحرب العالمية الثانية بهدف تخفيف حجم البطش والدمار القادم من الغرب.
حالياً بعض من القوات الجوية العربية تشارك ضمن قوات التحالف الدولي لتحارب ما يسمى الارهاب. ليس هنالك مواطن واع يقبل قيام مجموعة معينة بأي عمل إجرامي أو تفجيري في أي مدينة عربية أو أجنبية. ولا يحق لأحد، أياً كان مذهبه، أن يفرض فكرا معينا على كافة فئات المجتمع. مثل ذلك هو نشر لبذور الشر والاقتتال ضمن المجتمع الواحد. ما سبق من القول أكثر من بديهي، ولكن الواجب هو أن يحارب الارهاب من خلال قوات خاصة وليس من خلال طيران يبطش بشكل شبه عشوائي. وهذا ما يحدث حالياً في الصراع القائم بين ما تسمى ظلماً وبهتاناً بالدولة الإسلامية والتحالف الغربي-العربي. في عملية من هذا النوع مهمة القوات الجوية يجب أن تكمن في إعطاء غطاء للقوات الخاصة. هذا ما تفعله الطائرات الغربية عندما تقوم بمهمة من هذا النوع ضمن حدود أرضيها. الغريب أن ذلك لا يتم عندما يتعلق الامر بالنطاق العربي. عندنا ترى الطائرات الحربية تقصف وتبيد كما تباد الحشرات.. مثل هذا السلوك لا يؤدي الا إلى تعميق احباط الإنسان العربي مما يقع حوله. بالاضافة الى ان هذا الإنسان لا يثق بتاتاً في قواته المسلحة ولا في أي تحالف عسكري غربي، لأن كليهما لم يجلب سوى الويل والدمار على مجتمعاته. وتراه يتساءل عن غياب التحالف العربي- العربي، الذي تكون للقوات الجوية فيه دوراً مهم، عندما تكون مصالح وكرامة الوطن أو الأمة على المحك. يتساءل حينها أين هو الطيران الحربي العربي، المجهز بأحدث وأغلى طائرات أف 15 و أف 16، فانتوم وميراج، عندما تدق مدن العراق، سوريا، تونس، السودان، لبنان، اليمن وفلسطين.
عندما يشاهد المواطن كيف أن طيران بعض البلدان العربية يقوم بعمليات هجومية داخل حدود الوطن والأمة يتمنى ألا يكون ذلك سوى حلم أو محاكاة لعمل مستقبلي يحمــــي البلاد والعباد من أي اعتداء خارجي محتمل. مثل هذا التمـــني لا يخلو من السخرية وكثير من المرارة. فعلاً، أبغض شيء أن يرى هذا المواطن كيف أن طيران بلاده وأمته يتدرب بالسلاح الحي في الأحياء والقرى العربية بدلاً من أن يقوم بحمايتها حين يأتي الاعتداء من طرف ثالث. فعلاً إنها مهمة صعبة.
٭ كاتب فلسطيني- إسبانيا
د. ناصر عبد الرحمن الفرا