القاهرة ـ «القدس العربي»: تحت عنوان «محاربة الأمل وثقوب في جدار الاستبداد»، رصد مركز «القاهرة لدراسات حقوق الإنسان»، وهو منظمة حقوقية مستقلة، في تقريره التاسع عن ثورات الربيع العربي، الآليات التي استخدمها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لبناء سلطوية جديدة مستمرة في مصر حتى الآن، بعد أن «وصل إلى سدة الحكم عقب انقلاب الجيش على الحقبة الديمقراطية القصيرة لثورة يناير/ كانون الثاني، والانقلاب أيضاً على رغبة قطاع واسع من المصريين في تصحيح مسار الثورة في 30 يونيو/حزيران 2013.
التقرير بين أن السيسي «اعتمد على ثلاث آليات رئيسية، الأولى هي الاستغراق في صناعة العدو الداخلي والخارجي، وتوظيف الخطاب السياسي والإعلامي للدولة لبناء أكاذيب حول هذا العدو، بحيث يقوم هذا الخطاب على الخلط المتعمد بين المعارضة السلمية للحكم، من خلفية سياسية أو حقوقية أو إعلامية، وبين نوايا هدم الدولة والتحالف مع الإرهاب وقوى خارجية معادية».
وطبقاً للمركز «هذه الدعاية في صناعة العدو ترتبط بالآلية الثانية لتبرير نظام عبد الفتاح السيسي وهي خطاب تخويف المصريين من سيناريوهات هدم الدولة أو انتصار الإرهاب، أو سيادة الفوضى».
«غطاء سياسي»
وزاد: «استخدم السيسي خطاب صناعة العدو وتخويف المصريين كغطاء سياسي لتبرير الآلية الثالثة المتمثلة في التوسع في سياسات القمع والبطش التي لجأت لها سلطات الدولة دون توقف وبشكل غير مسبوق للتصفية الكاملة لأي صوت معارض أو مساحة مستقلة في الحياة العامة والسياسية، والمضي في الإجراءات الوقائية التي تحول دون ظهور أي خصم محتمل أو حراك سياسي وشعبي جديد».
وضرب التقرير مثلا على ذلك «باعتقال وفبركة اتهامات وأكاذيب ضد مجموعة من القيادات السياسية والمدنية الشابة في يونيو/ حزيران 2019، كانت تسعى لتأسيس تحالف عُرف بتحالف الأمل لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة».
ولفت إلى أن «قائمة المقبوض عليهم شملت النائب البرلماني السابق وعضو الهيئة العليا للحزب المصري الديمقراطي زياد العليمي، والصحافي حسام مؤنس منسق حملة المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، والصحافي والناشط في مجال الدفاع عن الصحافيين والحريات هشام فؤاد، والناشط العمالي أحمد تمام، والكاتب والخبير الاقتصادي عمر الشنيطي، هذا بالإضافة إلى رجلي الأعمال أسامة العقباوي، ومصطفى عبد المعز».
وحسب التقرير:»اتهمت نيابة أمن الدولة المقبوض عليهم بمشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها ونشر وبث أخبار كاذبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغرض إثارة الفتن وقلب نظام الحكم، وهذه الحملة ضد الأحزاب السياسية وقياداتها سبقتها حملة مشابهة تزامنًا مع التعديلات الدستورية التي تم تمريرها في أبريل/ نيسان الماضي، إذ تم القبض على بعض القيادات الوسطى بأحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والدستور، والحركة الوطنية، ومصر القوية، وحزب العيش والحرية تحت التأسيس».
وخلال عامي 2018 و2019 «استمرت ممارسات الأجهزة الأمنية من تعذيب، وسوء معاملة للمعتقلين والمحتجزين، والإهمال الطبي المتعمد في السجون والمفضي إلى الموت، ما ذهب ضحيته ضمن آخرين الرئيس الأسبق المنتخب محمد مرسي، وحذر تقرير استقصائي أصدرته منظمة هيومان رايتس فرست من أن السجون المصرية تحولت في السنوات الأخيرة في ظل حكم السيسي لبؤر تجنيد لجماعات التطرف العنيف». المركز أكد «استمرار الاختفاء القسري ضد النشطاء السياسيين، والاعتقالات طويلة الأمد دون محاكمات»، مشيراً إلى أن «السلطات عمدت إلى توظيف ما يُعرف في النظام الجنائي المصري بالإجراءات الاحترازية التي تفرض على من أُخلي سبيلهم، أو العقوبات التكميلية ضد من أمضى عقوبة السجن، إمعانًا في إذلال النشطاء وتقييد حريتهم في التنقل، وأنشطتهم اليومية بشكل عام».
مركز حقوقي أكد استمرار سياسة الإخفاء القسري والإعدامات
وزاد: «استمر القضاء المصري في الإفراط في إصدار أحكام بالإعدام وتنفيذ بعضها في قضايا ومحاكمات واتهامات تحوم حولها الشبهات، ويغلب عليها الطابع الانتقامي، رغم وجود أدلة وقرائن قوية على ممارسة أجهزة الأمن للتعذيب بحق المتهمين لإجبارهم على الاعتراف، وبعض هذه الأحكام صدر عن محاكم عسكرية، أصدرت أحكامًا بالإعدام ضد أكثر من 500 شخص خلال عامي 2018-2019 نفذتها السلطات المصرية ضد 66 شخص على الأقل، بينما بقي مكان ومصير النائب البرلماني السابق مصطفى النجار مجهولامنذ انقطاع الاتصال معه في 28 سبتمبر/ أيلول 2018 أثناء وجوده في أسوان».
وأوضح أنه «في إطار مساعي السلطات المصرية لإقناع الرأي العام بسجلها في محاربة الإرهاب، وبشكل خاص في إطار العملية العسكرية الشاملة التي بدأت في شبه جزيرة سيناء في أبريل/ نيسان 2018، ارتكبت جرائم جسيمة شملت قصف مناطق المدنيين، تهجير السكان في سيناء بشكل جماعي، القتل خارج نطاق القانون لأشخاص كانوا رهن الاعتقال، لبعضهم نشاط سياسي معارض. وتتكرر هذه الأعمال بشكل ملحوظ في أعقاب أي عمل إرهابي تشهده سيناء أو البلاد بشكل عام».
كذلك «استمر فشل الدولة في حماية حقوق المواطنين المنتمين للديانة المسيحية في بناء دور العبادة، أو حمايتهم من الاعتداءات الطائفية، فقد أغلقت الأجهزة الأمنية كنيسة في محافظة سوهاج نتيجة احتجاجات الأهالي المسلمين، تضاف إلى سلسلة الكنائس التي تم إغلاقها منذ إقرار قانون بناء الكنائس عام 2016 «.
وتابع التقرير: «لا تزال الحكومة المصرية تعمل بدأب على حصار المنظمات الحقوقية المصرية المستقلة، وشل قدرتها على العمل وملاحقة العاملين فيها قضائيًا. كما يستمر فرض منع السفر على نحو 31 حقوقيًا، بعضهم ممنوع من السفر منذ عام 2014، فضلاعن منع 10 مدافعين عن حقوق الإنسان من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم، وتجميد حسابات 7 منظمات حقوقية. كما دأبت وسائل الإعلام المصرية القريبة من السلطة على شن حملات تحريضية ضد الحقوقيين، وصلت حد التهديد بالقتل والخطف ضد بعضهم. كما تعرض بعض المحامين والباحثين والعاملين في المنظمات الحقوقية للاعتقال والاختفاء القسري. فعلى سبيل المثال لم يتحدد مصير أو مكان الباحث إبراهيم عز الدين عضو المفوضية المصرية للحقوق والحريات منذ اعتقاله في يونيو/ حزيران 2019».
العداء للمجتمع المدني
ولفت إلى أن «السيسي صادق على قانون جديد للجمعيات الأهلية في أغسطس/ آب 2019 كبديل للقانون رقم 70 لسنة 2017، الذي لاقى اعتراضات داخلية ودولية واسعة. ولا يزال القانون الجديد يحمل الفلسفة العدائية ذاتها لمنظمات المجتمع المدني؛ بهدف إخضاعها للأجهزة الأمنية، وتقييد تأسيسها، والتدخل في إدارتها الداخلية أو تلقيها التمويل الداخلي والأجنبي. ورغم أن القانون الجديد ألغى العقوبات السالبة للحريات إلا أنه استحدث غرامات مالية باهظة. كما أن العديد من التشريعات الأخرى ومنها قوانين مكافحة الإرهاب، والتظاهر، والتجمهر تكفي لمحاكمة واعتقال النشطاء الحقوقيين».
وحسب التقرير:»استمر السيسي في توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية والمخابراتية في هندسة مؤسسات الدولة النيابية والإعلامية والقضائية. وفي إطار سعي الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الاستمرار في الحكم لأطول فترة ممكنة، أجرى في النصف الأول من عام 2018 انتخابات رئاسية هزلية بلا مرشحين أو مراقبين، بعد إقصاء وقمع أي صوت معارض أو خصم انتخابي محتمل، وصولالطرح تعديلات دستورية تشرعن بقاءه في الحكم، وتقضي على ما تبقى من هامش استقلال محدود للسلطة القضائية، فضلاعن تمكين المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية من التحكم في مؤسسات نظام الحكم بشكل دستوري، والتحكم في مخرجات أي عملية انتخابية مستقبلية».