لندن ـ «القدس العربي»: بدخول تركيا التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام-داعش يعود موضوع سوريا وتدريب المعارضة السورية «المعتدلة» للمقدمة.
فأهداف التدخل الذي أقره البرلمان التركي وكما يريده طيب رجب أردوغان هو بناء منطقة عازلة على الحدود التركية وإنشاء منطقة حظر جوي في منطقة شمال سوريا وتسريع عملية تدريب المعارضة السورية.
وتطرح استراتيجية الرئيس التركي طيب رجب أردوغان تحديات على استراتيجية الإدارة الأمريكية التي تقوم على «إضعاف وفي النهاية تدمير داعش» فلا تريد الولايات المتحدة في هذه المرحلة معوقات تحرف الإنتباه عن الهدف الرئيسي وهو قتال داعش.
ومع ذلك ترى صحيفة «التايمز» في قرار تركيا الإنضمام للتحالف تحولا مهما سيترك آثاره على ميزان الحرب في الساحة السورية، رغم أن الخطوة التركية جاءت متأخرة نوعا ما. ودافعت الصحيفة عن حق تركيا بالدفاع عن نفسها، وأكدت أن دخول أنقرة الحرب يعني التزامات تجاه الحلفاء من فتح قاعدة إنشرليك الجوية أمام طائرات التحالف للتزود بالوقود وإغلاق الحدود أمام تدفق الجهاديين الغربيين الذين يريدون السفر إلى سوريا والتطوع هناك، ذلك وقف عمليات نقل النفط المهرب عبر الحدود وبيعه في الأسواق التركية. ورفضت «التايمز» انتقادات المعارضة التركية التي حذرت من مغبة دخول قوات تركية إلى داخل سوريا على وضع أنقرة كقوة إقليمية.
وقالت الصحيفة إن حقيقة دخول تركيا الحرب يعني أنها أصبحت دولة ذات نفوذ كبير في المنطقة. وتعتقد التايمز أن منطق أردوغان مقبول رغم أن اهدافه ذات الأبعاد الثلاثة مثيرة للجدل داخل وخارج تركيا.
ويرى الأكراد في المنطقة العازلة خطرا على طموحات كل من أكراد سوريا وتركيا والعراق في إقامة دولة موحدة اسمها «كردستان».
بالإضافة لهذا فمنطقة حظر جوي ستكون تحديا مباشرا لنظام بشار الأسد مما سيصرف التركيز عن قتال داعش، ويخشى المخططون العسكريون في البنتاغون أن تؤدي المواجهات بين الطائرات السورية والتركية لجر حلف الناتو لمواجهة أكبر مع سوريا. وترى الصحيفة أن منطقة الحظر الجوي تحتاج لقرار من الأمم المتحدة، وقد يصبح حقيقة حالة عوق الأسد عمليات التحالف ضد داعش.
بريطانيا تدرب
وفي تطور مشابه كشفت صحيفة «إندبندنت» عن مشاركة بريطانية في تدريب المقاتلين السوريين حيث يتوقع زيادة معدلات التدريب عن تلك التي تقوم بها الآن في الأردن المكان المرشح للقيام بتدريبات كهذه.
في الوقت الذي تشرف فيه المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) على برنامج مشابه ينفذه متعهدون أمريكيون.
وأشارت إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية- البنتاغون أعدت قائمة بالدول المرشحة كي تكون مكانا لتدريب مقاتلي البيشمركة والمعارضة السورية. وأرسلت بريطانيا حتى الآن 150 مستشارا عسكريا الى العراق من بينهم أفراد من القوات الخاصة «أس إي أس» وقوات القوارب الخاصة «أس بي أس».
ولا تخطط بريطانيا للبقاء طويلا في العراق وتفضل تنفيذ برامج التدريب في بلد ثالث. وبدأت مقاتلات سلاح الجو البريطاني طلعاتها فوق العراق منذ السبت الماضي، واستهدفت حتى الآن مواقع وعربات متحركة لتنظيم الدولة الإسلامية.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي أمريكي بارز قوله «الجميع يعرف أن داعش لن تهزمه الغارات الجوية وحدها، ولكن يجب توفير بقية عناصر العملية من خلال المقاومة السورية والقوات العراقية والبيشمركة وربما مشاركة بعض الدول، والإشارات تظهر أن حلفاءنا البريطانيين والفرنسيين والأستراليين سيلعبون دورا في تدريب القوات المحلية».
وتجد الدول الغربية صعوبة في التفريق بين المقاتلين المعتدلين والجماعات المتشددة بسبب تغير الولاءات والتحالفات على الساحة السورية. ويضم التحالف الدولي دولا عربية السعودية وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة والأردن بالإضافة لدول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا.
ويأتي الحديث عن تسليح القوى السورية المعارضة في ظل إعلان الرئيس باراك أوباما عن خطوة لتدريب 5.000 مقاتل سوري كي يكونوا القوات الراجلة على الأرض.
وحتى الآن وجدت الدول الغربية صعوبة في التفريق بين الجماعات السورية المقاتلة بسبب تغير التحالفات على الأرض، وانضمام أعداد من المقاتلين لجماعات متشددة بسبب غياب الدعم المالي أو السلاح. وخلق كثرة الفصائل والإنتقال من معسكر إلى آخر حالة من الفوضى و «التشوش» وهو ما ينم عن حروب عديدة تدارعلى الساحة السورية.
فوضى فوضى
وفي هذا السياق كشف الكاتب ديفيد إغناطيوس في مقالة له بصحيفة «واشنطن بوست» عن دور القوى الخارجية في حروب الوكالة السورية.
وقال إن وحدة جماعات المعارضة «المعتدلة» مطلوبة ولكن يجب على القوى الخارجية مثل الولايات المتحدة، تركيا، السعودية، قطر والاردن التعاون أيضا في ما بينها، فهذه الدول كما يقول مسؤولة أو كانت مسؤولة عن دعم المزيج الفوضوي داخل سوريا. فقد فتح تدخل هذه الدول الباب أما صعود داعش الذي بات يهدد المنطقة.
ويشير إلى إن سوريا تحولت ومنذ بداية الإنتفاضة عام 2011 إلى ساحة حرب بالوكالة: تركيا والسعودية وقطر التي تنافست في ما بينها على دعم جهود المعارضة السورية بأطرافها المتعددة للإطاحة بنظام الأسد. ففي مرحلة معينة قدمت هذه الدول الثلاث أسلحة للمعارضة انتهى بعضها في يد المتطرفين.
وزاد الوضع سوءا تدخل إيران والميليشيات الشيعية وحزب الله الذين دافعوا عن الأسد. ويعتقد الكاتب أن البعد الشيعي- السني أضاف للحرب ملمحا قاسيا، خاصة أن السعودية وإيران تخوضان معركة حتى النهاية للتنفذ في المنطقة.
ورغم تعاون كل من الولايات المتحدة والسعودية والأردن لتدريب المعارضة السورية المعتدلة في معسكرات داخل الأردن وتحت إشراف سي آي إيه، إلا أن البرنامج لم يكن قويا بالدرجة الكافية.
ولم يساعد على نجاحه حقيقة وجود أكثر من 1.000 فصيل موزع على كل أنحاء سوريا ساعد على فقدان الجيش السوري الحر مصداقيته. وفي الوقت الذي يتحمل فيه قادة المعارضة العسكريون اللوم للطريقة التي قاموا فيها بتشكيل تحالفاتهم إلا أن الفوضى زادت سوءا بسبب تدخل القوى الخارجية التي تعاملت مع سوريا كملعب لخدماتها الإستخباراتية. ويذكر هذا التدخل بتدخلات ساعدت على تدمير لبنان وأفغانستان واليمن والعراق وليبيا أثناء الحروب الأهلية التي شهدتها هذه البلدان.
وفي ظل التحالف الدولي الجديد الذي أقامته أمريكا ضد داعش، وهو تحالف واسع لكن نجاحه حسب الكاتب يظل مرهونا بقيادة أمريكا له وإقامتها شراكة حقيقية مع دول صعبة مثل تركيا والسعودية وقطر، وبدون هذا سيتمزق التحالف.
لعبة الإستخبارات
ويضيف الكاتب ان الكيفية التي تحولت فيها سوريا إلى مسرح تنافس بين الوكالات الغربية حيث ينقل الكاتب عن مصادر التقاها في بلدة الريحانية القريبة من الحدود السورية.
ويتحدث هنا عن»مراكز العمليات العسكرية» التي أنشئت في البداية في مدينة اسطنبول لتدريب وتسليح المعارضة السورية. وكان من أهم العاملين فيها شخصية قطرية لعبت دورا في العمليات ضد معمر القذافي.
وتعاون القطريون مع الأتراك ومسؤولين أمنيين سعوديين في جهود دعم المعارضة. وحصل اختلاف في داخل مراكز العمليات عندما بدأ الأتراك والقطريون بدعم جماعات ذات توجه إسلامي نظرا لبسالتها وكفاءتها العسكرية.
ولا يقترح الكاتب أو مصادره ان الدولتين دعمتا جبهة النصرة أو الدولة الإسلامية- داعش، ولكن أموال الدعم والأسلحة وصلت للجماعات الجهادية نظرا لطبيعة الساحة القتالية وهلاميتها.
ووراء اختيار هذه الجماعة أو تلك من غير- الجهادية كان تصميم كل من تركيا والدول الداعمة للمقاتلين على التخلص من الأسد.
وما جرى هو زيادة قوة الجماعات الجهادية على حساب قوة الجيش السوري الحر حسب مصدر أمني عربي ينقل عنه الكاتب. بالنسبة للسعودية، فحتى عام 2013 قاد الأمير بندر بن سلطان، مدير الإستخبارات السعودية برنامج المملكة ضد نظام الأسد. وكان الأمير بندر متحمسا وليس منضبطا مما زاد في الفوضى.
وتمت تنحيته بضغوط من الولايات المتحدة وتسلم ملف سوريا الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية، وأصبح البرنامج أقل فوضوية ولكن بكفاءة أقل ولم يكن قادرا على منع صعود جبهة النصرة وداعش.
وبنفس السياق حاولت تركيا إنشاء مركز عمليات في أنقرة «موم» وهو مختصر الإسم بالتركية لتنسيق نشاطات المعارضة المسلحة لكن البرنامج التركي ضعيف. وبحسب مصدر أمني عربي «الجيش الحر ليس مستعدا بعد للسيطرة على الأرض».
ويقول إغناطيوس إن التشتت في جهود الجيش الحر هو انعكاس للفوضى التي شابت الجهود الخارجية لدعم الثورة السورية. وحتى يكون الخارج والداخل مستعدا للعمل معا- أي نقل السلاح والمال لجيش واحد- فالفوضى السورية ستستمر.
الخطأ الفادح
وإلى هذا ذهب ستيفن فيليبس المعلق في صحيفة «فايننشال تايمز» الذي كتب يقول إن هزيمة داعش لن تتم بدون تصورات واستراتيجيات واضحة. ويكتب في البداية عن المعضلة التي تواجه القيادة التركية التي فقدت على ما يبدو بوصلتها عندما توجهت شرقا وبدأت سياسة «صفر مشاكل» مع الجيران ولكي تكون نموذجا للثورات العربية الجديدة.
ولكن تركيا انتهت اليوم تعاني من مشاكل مع كل جيرانها «فمنطقة من الفرص أصبحت محور فوضى باستثناء تونس التي بدأت منها الآمال الشامخة للربيع الديمقراطي لتصبح رمادا، فعادت مصر للإستبداد وتحولت ليبيا إلى دولة فاشلة وصارت سوريا ساحة حرب دموية ويواجه أردوغان مشاكل مع كل جيرانه». وينتقد الكاتب أسلوب أردوغان في الحكم ومواقفه من المعارضة وتضييقه على حرية الإعلام، فالرئيس التركي يؤمن بحكم الغالبية لا الليبرالية الديمقراطية.
ويتهم الكاتب الرئيس التركي بالإيمان بالتفوق السني في منطقة تعيش حالة من النزاع الطائفي. وبعيدا عن هذا يقول الكاتب إن سياسة أردوغان الخارجية في طموحها الأصلي لا عيب فيها مع أنها حملت في طياتها نوعا من الحنين للزمن العثماني، ولا يوجد عيب فيها حتى في فكرتها عن زواج الإسلام بالديمقراطية وتقديم تركيا كنموذج للسياسة الشعبوية في مناطق أخرى، إلا أن مشكلة أردوغان نابعة من رهانه على سقوط نظام الأسد في سوريا ونجاح الإخوان المسلمين في مصر. ووجد الرئيس التركي نفسه وسط حرب أهلية وخسر في مصر لصالح انقلاب عسكري. ويرى الكاتب أن فتح الحدود أمام الجماعات الجهادية المعادية للأسد ساعد في تحويل أجزاء من سوريا والعراق لما يطلق عليه اليوم بالدولة الإسلامية. وأضاف أن علاقات أردوغان بالسعودية ودول الخليج ومصر توترت بسبب دعم هذه الدول للإنقلاب الذي قاده عبدالفتاح السيسي وأطاح بمحمد مرسي.
ورغم تطور العلاقات وإن بشكل مبدئي مع إيران إلا أن دعم طهران للأسد أدى لتوقفها. ويضيف الكاتب أن تهشم الحدود الإستعمارية أثار مخاوف أردوغان من نشوء دولة كردية تمتد على مناطق في سوريا والعراق وتركيا. وهنا وجد أردوغان نفسه فجأة في منطقة خلاء. خسر الشرق والغرب الذي لم يظهر تعاطفا مع أنقرة.
غياب الرؤى
ويرى الكاتب أن حرص تركيا على الإطاحة بالأسد جعلها لا تفرق بين «الرجال الأخيار» داخل المعارضة السورية المعتدلة والمتطرفين الذين يرون أن المعركة ليست منحصرة بالأسد فقط. ويشير الكاتب هنا إلى التوتر داخل السياسة التركية حتى بعد انضمام أنقرة للتحالف ضد داعش.
فقادة تركيا يريدون تجنب الإختيار بين الإطاحة بالأسد أو قتال داعش. ويخشون في الوقت نفسه من انتقال عدوى الجهاديين إلى داخل تركيا. والموقف التركي ليس متميزا، فكل طرف في المنطقة ينظر باتجاهين.
مثلا تقوم الطائرات السعودية بضرب مواقع داعش مع أن السعودية تظل المصدر الرئيسي لأيديولوجية الأصوليين التي تعتبر حجر الأساس لفكر الجهاديين. فإذا وافقت الرياض على فكرة خروج الأمور من تحت السيطرة- صعود داعش، إلا أنها لا تريد إضعاف مشائخ القبائل السنيين الذين دعموا «الخلافة» لأن ضعفهم يصب في صالح الشيعة.
وتظهردول الخليج الثرية التناقض نفسه، فهي تريد وقف داعش لكنها لا تريد استفادة نظام الأسد وداعمته طهران من تراجع التنظيم. كما أن التناقض لا يقتصر على الدول العربية وتركيا بل وينبع من سياسة الغرب.
فهزيمة داعش تقتضي أكثر من الضربات الجوية. ويعني هذٍا حلا سياسيا والتزاما بمرحلة ما بعد داعش. فالسعودية وتركيا تقدمان قضية تغيير النظام وتصفية الحساب مع إيران على أي تسوية بين السنة والشيعة.
ومع ذلك ففكرة استعداد المعارضة لتولي السلطة بدلا من الأسد ما هي إلا اسطورة. هذا الوضع يترك الغرب وحده يقود التدخل، بدون أهداف سياسية واضحة ولا حتى استراتيجية خروج. ويرى الكاتب في النهاية أن وقف موجة التقدم الجهادي ومنع انهيار العراق شيء وشن حرب مفتوحة ضد المتطرفين السنة في سوريا أمر آخر.
ويتفهم الكاتب تردد الرئيس أوباما في شن الحرب على الجهاديين لأنه تعلم من حرب العراق وأفغانستان أن الولايات المتحدة يمكنها فعل أي شيء في الشرق الأوسط ولكن بتعاون مع القوى الإقليمية.
وفي النهاية فلن يهزم داعش إلا حينما تقرر تركيا والسعودية والبقية طبيعة المسار الذي تريد السير فيه.
إبراهيم درويش