ثورة أربِعَة الأعمار يقرّر مصيرها أشتِيتُها

حجم الخط
0

لا قيام لشعب ولا دخول لتاريخ ولا احتلال لموقع في الكون ولا شعور بالانتماء ولا تضحية في سبيل وطن… من دون ثورات كامنة في بنية الذهن الشعبية، تُستدعى وتُشحن وتُعدّ عندما تبدو الاختلالات والشقوق والأمراض في الظّهور على الجسم السياسي والاجتماعي، فتُعيد (الثورة) التوازن وبناء ما قدُم وتُعمِلُ المشرط في استئصال الأمراض وتنشر العدل والمساواة وتُحقّق كل مقوّمات الكرامة الإنسانية وتفتح أبواب الأمل على مصاريعها وتجعل، بالتالي، الدولة دولة الشعب لا دولة زعيم ولا طبقة ولا جهة.

غير أن حظّ الشعوب في الثورات يختلف باختلاف المستوى الحضاري والتاريخي ونمط الحكم والجغرافيا، فتونس مثلا عرفت انتفاضات وتمردات ومقاومة لكنها لم تعرف ثورة إلا في 14/01/2011، هذه الثورة هي حياة التونسيين الوحيدة ولو ماتوا من أجلها جميعا، لأن اندلاعها كان نتيجة لوصول التونسيين إلى قناعة راسخة وإيمان عميق بأن موتهم عن بكرة أبيهم في سبيل إنجاح الثورة أفضل وأرحم وأحلى من ‘حياة’ تحت حذاء بن علي وليلى وعصابات حزبهما: رُبّ عيش خيرٌ منه الحِمامُ. لذا إذا كان يجب على كل شعب ثائر أن يحفظ ثورته بالأظافر والنواجذ والسواعد فإن الشعب التونسي مطالب بحفظ ثورته ورعايتها وتجذيرها بروحه ودمه، لأن السرعة التي أنجز بها شباب الثورة المرحلة الأولى من الثورة أبهتت الجميع وأغشى هاروت وماروت ونفاثاتهما عيون الجميع إلا ثعالب النظام وخدمته الذين كانوا ـ والجماهير أمام وزارة الداخلية عشية 14/01/2011 تنفجر فرحا وانتصارا وسعادة وآمالا عريضة ـ ينصّبون الوزير الأول للمخلوع الفاجر حاكما باسمه حتى يعود، ثم تلا ذلك في اليوم الموالي تنصيب أقدم مسؤول في حزب بورقيبة وبن علي ودولتهما رئيسا مؤقتا، وأُكمِلَ رسم المشهد، مزيدا في الإيهام، بمسؤولي أحزاب ‘معارضة’ بمفهوم السمسار الأكبر، وهكذا أصبحت الثورة في أيد أمينة! غير أن صفعات يقظة هزّت شباب الثورة من جديد فاعتصموا بالقصبة اعتصامات رجّت من طمعوا في اغتيال الثورة بالضربة القاضية، رجّ مغصٍ وإسهال قاتل فابتدعوا فرق الحرق والنهب والقتل والإضرابات والشطط في الطلب والتشغيل الفوري… وعوّضوا الغنوشي بالسبسي وزيرا أولا مؤقتا، أنا أحترم الثلاثة على تجاوزهم التسعين وعدم وسمهم بالسرقة والفساد إلى حد الآن وحسن أخلاقهم (باستثناء ما يصدر عن السبسي أحيانا من ألفاظ نابية) لكنّ الأسئلة التي لم أجد لها، ولا غيري، جوابا يتضمّن مقدار ذرّة من الاطمئنان هي:- أمَن بلغ التسعين أو تجاوزها قادر عقلا ونفسا وجسما على تحمل مسؤولية الأخذ بيد ثورة شباب إلى بر الأمان، أي تأسيس دولة الشعب والعدل والحرية والمساواة؟- أمَن تربّى سياسيا، عهد بورقيبة، أو تقلّد وظائف ومناصب عهدَي بورقيبة وبن علي اللذين لا يسمحان ‘لخَدَمَتِهما’ بأي مبادرة أو إبداء رأي أو تصور خطة… قادر على قيادة ثورة تمقت بطبعها العجز والتبعية والتردد والخرف و’الترحم على المرحومين’؟- ماذا يقول الشعب صانع الثورة في شأن جلاديه ومصّاصي دمائه ومحتقريه ومُذلّيه الذين يتجوّلون أحرارا ويصولون ويجولون وربّما مازالوا يحكمون؟- لمَ لا تتعامل الحكومة المؤقتة مع المجرمين المشار إليهم أعلاه تعامل المصريين الثائرين مع مجرميهم؟

د. الضاوي خوالديةقفصة تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية