من الواضح ان حمى الحرب تتأرجح في الشرق الأوسط بنسب متفاوتة، ولكن الأطر المحلية لها ما زالت قائمة. ميادين المعارك ملتزمة بمهمتها، والجهات المتناطحة في الإقليم تشحذ قرونها مع كل رياح جديدة تزيد من نيران التوتر التي تحاصر ميادين الصدام. كل المعايير الخصامية في المنطقة واضحة، ولكن الفارق في النتائج، والردود، والمستجدات، تأتي مع كل جديد في الخريطة السياسية الداخلية لشرطي العالم ما وراء الأطلسي. القدرة على المناورة واللعب لكل جماعة في الشرق الأوسط مرهونة بعقلية الحكم في واشنطن أكثر منه اعتماد على الذكاء المحلي والنشاط الذاتي لدول الإقليم. لم يعد هناك من مفر للنظر إلى التغييرات السياسية في واشنطن على كونه المفتاح الرئيسي للحيز المتاح للزعامات الإقليمية لرسم عالمهم السياسي والعسكري والاقتصادي، ولبناء الطرائق الدفاعية المطلوبة، وللاستفادة من الفرص المتاحة للتقدم على أمل الاستثمار الآني لدعم المستقبل الغامض والمتبدل في ذهنية واشنطن. الجميع يستثمر في الفرص المتاحة له على حساب منافسه وغريمه في الجوار لتخفيف الضغوط عن الجديد. كان ذلك واضحا مع بلد قضى كامل سنين نظام حكمه الإسلاموي الأوليغاريشي تحت الحصار كإيران، التي لم تظهر على الساحة بنشاط مع وجود باراك أوباما الذي فتح خطوط التفاوض معها. البلد الذي تلقى مفاجأة من نوع ثقيل بقتل قائد من قادته المخضرمين كقاسم سليماني في عملية يعتبرها الكثيرون قمة هرم التصعيد الأمريكي في العراق. سليماني الذي كان بالنسبة لحكام إيران وللكثير من الموالين لها في المشرق بمثابة زعيم لا يضاهى مع فاعليته في الساحات السياسية والميادين العسكرية في عموم الشرق الأوسط قتل مع نائب قائد جماعة الحشد الشعبي العراقية أبو مهدي المهندس بضربة أمريكية وبأمر مباشر من ترامب بما يصل لدى البعض لحد تسميته بعدم اكتراث أمريكي واضح بقيمته لدى طهران ولدى معظم الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط. لم يكن مقتل السليماني نتيجة لمخاوف واشنطن من نشاطاته المشبوهة في المنطقة بقدر ما هو استثمار محلي لدى زعيم البيت الأبيض في فترة يعاني منه هو نفسه من قلاقل سياسية وقانونية فيما يبدو أنه في سيره للنجاة منها.
لم يكن سليماني والمهندس سوى قائدين مخربين لاستقرار دول الجوار بنظر الكثير من المتابعين والفاعلين في الإقليم بالطبع، وكانا متهمان بقيادة جماعات عسكرية ارتكبت الكثير من الفظائع ضد المعارضين والمدنيين على أساس الهوية والمذهب من الموصل إلى حلب، حسب وثائق منظمات دولية معنية برصد الانتهاكات.
أوباما وإيران
عندما ظهر أوباما في ساحة القيادة في واشنطن لمح منذ أيامه الأولى إلى خططه الجديدة والغريبة عن سلفه الجمهوري جورج دبليو بوش الأبن في ملف التعامل مع إيران الدولة المعادية لأمريكا وزعيمة المحور الشيعي في العالم الإسلامي. الرجل الذي كان يعمل على إغلاق ملف الصدام المباشر مع المارقين الذي اشتهر به بوش فتح الباب لطهران للخروج من نوافذ متعددة. وواكب دورته الانتخابية الثانية وصول ما يسمى التيار الإصلاحي الذي يقوده روحاني وظريف وفريقهم الناعم الخطاب الذي كان يعتبر ان الانفتاح على طهران سيجنب المنطقة وأمريكا شرور إيران، وسيردع حلم إيران في الحصول على السلاح النووي الذي كانت تسارع الركب للوصول إليه رغم نفيها الرسمي الثابت للمسعى.
وصل الطرفان وبرعاية دولية لما يسمى خطة العمل الشاملة المشتركة، التي كانت بقناعة أوباما أفضل الطرق لاحتواء إيران المنهكة داخلياً، والتي كانت تعاني من خضات اجتماعية وتظاهرات محلية ضد سياسة القمع والفساد المُستشري في عموم الدولة. أُلغيت العقوبات، وبدأت إيران تجني المال من الانفتاح الدولي ومن بيعها للنفط الذي ارتفع إنتاجه إلى أربع ملايين برميل يومياً. مع كل هذا التجدد تغولت إيران في دول المنطقة، وكانت باقي دول الإقليم المتخاصمة معها تشعر بالغضب من ما تسميه “ليونة” واشنطن معها. هذا المسار بقي منتعشا حتى وصول دونالد ترامب إلى السلطة.
ترامب يبدو من خطاباته وقناعاته يتفادى الدخول في حروب مباشرة مع دول العالم. فقد اعتبر تدخل أمريكا في العراق وأفغانستان وحروبها الخارجية مضيعة للمال والأرواح. استثمر بوش في المعارك لقناعاته بأن القوة تجلب العظمة لأمريكا من دون اعتبار للغضب الذي قد ينتج عن هكذا سياسات ساخنة، واستثمر أوباما في العمل الداخلي وفي تنميق الخطابات لقناعته بإن تصدير الصور المثالية عن أمريكا تخفف من الأحقاد ضدها، في حين فضل ترامب تحصين ذاته على تحصين أمريكا. وأكد مراراً أنه لن يدخل بلاده في حروب جديدة، واستخدم لغة فيها الكثير من النرجسية والشروح الاقتصادية المبسطة للقضايا والمصالح الدولية، والتي وصفها البعض بلغة الابتذال! الشيء الأكيد الواضح من كل خطب ترامب أنه ينظر إلى إيران كعدو أول لبلاده في الشرق الأوسط يفيده شخصياً ويعزز تحالفاته الداخلية مع داعميه السياسيين. ووضع ملف الاتفاق النووي مع إيران في صدارة الملفات التي كان يبحث عن انهائها. ظن الكثيرون ان الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات بل وتشديدها كانت هي قمة الإجراء الترامبي، لكن زيادة السخونة بين الأطراف في المنطقة انتهت بعملية يعتقد الكثيرون أنها لم تكن متوقعة لدى أكثر خصوم إيران في الشرق الأوسط وهي اغتيال سليماني في بغداد، وبهذا الشكل المباشر والمحرج لإيران المطلوب منها رد يضاهي الصفعة التي تلقتها.
العراق يُفيد الجميع إلا أهله
رغم ان الضربة الثقيلة جاءت مفاجئة على إيران إلا أن الهجوم المتواضع والمدروس على الأمريكان في K1 بكركوك مع صمود التظاهرات التي كان عداء إيران جزءا من وقودها لم يكن عشوائياً. التشتيت الذي رافق الهجوم كرس الصورة عن حروب تحتم بقاء الجماعات الموالية لإيران في السلك القيادي ببغداد. رد فعل أمريكا على مقتل المتعاقد في كركوك كان جزءا من صورة التشتيت الذي يبتغيه الكثير من الموالين لإيران على حساب التظاهرات. كانت لحظات التشييع، والتظاهرات، والوصول للمنطقة الخضراء جزءا من مشهد سيطرة حلفاء إيران في العراق على المشهد من جديد.
الضربات الأمريكية قربت الكتل الشيعية وعززت سطوة طهران عليها. ولا يمكن للجماعات غير المستسلمة لإيران مع الضربة الأمريكية الأخيرة أن تجد منفذا لها سوى الانصياع لتنفيذ أجندة طهران التي ظهرت في نظرهم بصورة المظلوم الذي يدافع عن نفسه وعنهم في وجه غطرسة واشنطن التي لا تحترم السيادة المحلية للعراق كبلد!
وسط هذا الضجيج لم يعد لبغداد من مكان للعيش على جسر التوازن النحيل بين واشنطن وإيران. حسمت واشنطن المعركة لصالح ارتماء بغداد في حضن إيران مع عدم اكتراث واشنطن لموقفها مع المحيط بتنفيذ العملية على أرضها وبقتل مسؤول محلي أمام العالم. خسارة أخرى تلوح في بغداد مرادفة لخسارة الحكومة وهي سحب البساط الإعلامي والسياسي من التظاهرات التي دفعت فاتورة كبيرة حتى صمدت كل هذا الوقت، ودفعت عادل عبد المهدي لتقديم الاستقالة. هذه التظاهرات التي ستصبح في موقف محرج وخطر لا يوجد خيار لديها سوى الانطواء والصمت ريثما تقل سخونة المشهد. لكن حتى لو قلت تلك السخونة فإن خساراتها ستكون كبيرة مع الزيادة في الضغوط التي ستواجهها بعد ان تزداد قبضة إيران وحلفائها على العراق الهزيل، وبعد الفرصة التي وفرتها واشنطن لطهران ولحلفائها في العراق من جديد؟
إن تصاعد الأحداث في العراق قد يدفع البعض إلى الاعتقاد باحتمال تمدده إلى دول المنطقة ككل التي لإيران حلفاء فيها، مع ترقب الجميع لكيفية الرد الإيراني على مقتل زعيم وصف لديها بإنه العقل المدبر للخطط الخارجية. ورغم الخطابات النارية الصادرة من إيران وحلفائها من الجماعات الشيعية في الإقليم ككل إلا أن الكثير يعتقدون ان الرد سيكون على غير المتوقع ومحدودا في مناطق معينة، مع إدراك طهران إن واشنطن الحالية مستعدة لفعل أي شيء قد يفيد ترامب في حملته الانتخابية حتى لو كان على حساب بعض الحلفاء الإقليميين.