عن جنة سليماني المفقودة وحقول الموت وترامب المهووس بأوباما ومشعل الحروب

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

كان من المفترض أن يكون موضوع الأحداث هو المواجهة الأمريكية-الإيرانية المستمرة في العراق، صواريخ تطلق على القواعد العسكرية، مقتل وجرح جنود أمريكيين قرب كركوك ثم انتقام أمريكي بغارة على مواقع تابعة لكتائب حزب الله على الحدود السورية-العراقية ومقتل 24 شخصا بالإضافة لجرح العشرات. ثم جاء بعد ذلك الزحف على السفارة الأمريكية وحرق أجزاء من المجمع من دون ضحايا بين العاملين فيها أو الدبلوماسيين. ومع انسحاب المتظاهرين من محيط المجمع وإرسال تعزيزات أمريكية من الكويت لحماية السفارة، بدأت الأزمة على ما يبدو بالخفوت وسط تحليلات بأن إيران التي برزت متهمة بالهجوم هي التي تقف وراء سلسلة الأحداث التي بدأت تحديدا في 27 كانون الأول (ديسمبر) ثم جاء مقتل اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني ليقلب كل الجدل ويخلط  الأوراق، فالمسؤول عن مقتله ليست إسرائيل التي تلاحقه منذ أكثر من عقدين واقتربت مرات هي وأمريكا من قتله على الساحة السورية، ولكنه الرئيس دونالد ترامب الذي خرج بتصريحاته المعروفة والمتناقضة وهي أنه أوقف حربا ولم يبدأ حربا وأن سليماني أمسك متلبسا بجرمه، حيث كان يخطط لهجمات ضد المصالح الأمريكية. وبدا ترامب غارقا في روايته وإيمانه بالقوة العسكرية والأمنية التي لا تقهر، وهي العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي نشأت بعد هزيمة القوات العربية في عام 1967. ومن هنا فنحن أمام واقع جديد ملتهب يتفق فيه الجميع على أن مقتل سليماني ومن كانوا معه، خاصة أبو مهدي المهندس، زعيم كتائب حزب الله، المسؤول عن الدوامة الأخيرة من المواجهة، أغلق بابا دمويا ومأساويا في تاريخ العراق الحديث والمنطقة بشكل عام ولكنه فتح بابا أسوأ باتت فيه المنطقة والعالم بانتظار الرد الإيراني. فهل تحرق طهران المعبد على من فيه؟ هل ستتريث للثأر لمقتل قائد كان أهم من الرئيس نفسه ووزير الخارجية والاستخبارات؟ هل ستبتلع المرارة التي تحدث عنها آية الله خامنئي؟ وهل ستضرب المصالح الأمريكية أم توجه نيرانها للدول الحليفة لأمريكا بالمنطقة، في افريقيا وأمريكا اللاتينية؟

لا أحد يعرف!

في الحقيقة لا يعرف أحد ما ستؤول إليه الأحداث حتى ترامب نفسه الذي أمر بقتل قائد إيراني على أرض العراق. فقد تصرف الرئيس الأمريكي بناء على غريزته التي بات يقدمها على أي تحليل أو نظرة خبير. ومع مرور ثلاثة أعوام على حكمه لم يعد لديه من المسؤولين الناضجين إلا من يطبل له ويمشي على سيرته ويردد ما يقوله لهم. ومن هنا كان لافتا أن التصريحات الصادرة من واشنطن عقب مقتل سليماني كانت متشابهة. ولا شك بأن المسؤول عن كل التطورات الحالية هو الرئيس نفسه، فتناقضه بين تخليص أمريكا من حروب المنطقة الغبية واللانهائية يدفعه دائما لتوريطها في تشابكات جديدة، وهذا واضح من استراتيجيته تجاه سوريا وبجعله إيران مركزا لاستراتيجيته الخارجية، وهو موضوع ظلت تلح عليه السعودية وإسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي طلب وللمفارقة من وزرائه عدم التعليق على مقتل سليماني في محاولة لإبعاد إسرائيل عن المسؤولية. وزاد من إشعال النيران بخروجه من الاتفاقية النووية التي وقعها سلفه باراك أوباما، وهو الشخص الذي يحمل له ترامب الحقد الدفين ويحاول مسح وتفكيك كل إنجاز له خاصة تلك الاتفاقية الدولية التي وقعت عام 2015 وخرج منها ترامب في العام الماضي وبدأ معها حربه الاقتصادية على إيران وفرض عليها سياسة “أقصى ضغط” والتي لم تنجح في تركيع الجمهورية الإسلامية رغم الضرر الاقتصادي الذي حل بها. ودفع ترامب الذي ظل يراوح بين داعية الحرب والسلام وهوسه بالحصول على اتفاقية أفضل من تلك التي وقعها سلفه أوباما إيران للتصعيد البطيء الذي كان علامة العام الماضي من تفجير الناقلات في الخليج وضرب المنشآت النفطية السعودية التي لم يرد عليها ترامب لخيبة السعوديين الذين عولوا على حمايته من جارتهم القوية. وفي نهاية العام الماضي بدأت طهران تصعد في العراق وهو ما قاد لقتل سليماني الذي يبدو أنه انتقام لم يقم على حسابات حقيقية سوى ما يراه الرئيس من خلال تغريداته ويريد سماعه مما تبقى لديه من مستشارين. واللافت أن الرد على مقتل القيادي الإيراني في واشنطن جاء بناء على الخطوط الحزبية، فقد بذل الجمهوريون أقصى جهدهم للثناء على الرئيس وفعله أما الديمقراطيون فقد شجبوا القرار الذي اتخذ دون إعلام الكونغرس وحذروا من جر أمريكا لحرب مع إيران كما بدا من تصريحات المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز. ولا أحد يشك في واشنطن أن وراء قتل سليماني رغبة من الرئيس حرف القصة عن الأخبار السيئة الآتية من بغداد وتحضيرات الكونغرس لمحاكمته بهدف عزله بعد الفضيحة الأوكرانية. وقد يكون مقتل سليماني الذي يزور العراق وسوريا بشكل متكرر وظهر منذ عام 2014 للعلن بل وقاتل إلى جانب قواته وحضر جنازات من قتل منهم ورقص معهم بعد تدمير القرى والبلدات السنية في سوريا والعراق، الرسالة التي كان يبحث عنها ترامب في السياسة الداخلية. ويعرف ترامب أن سليماني يتردد منذ اندلاع التظاهرات العراقية وبشكل مستمر على بغداد. وبدت رحلته من دمشق إلى مطار بغداد الدولي عادية في هذا السياق، مع أنه يعرف باستهدافه، فهو مطلوب منذ وقت مع أن جورج دبليو بوش رفض قتله عام 2008 أثناء العملية التي خططت لها “سي آي إيه” والموساد لقتل الزعيم العسكري لحزب الله، عماد مغنية في دمشق.

لا دبلوماسية

وبهذا القرار أدخل ترامب وحلفاؤه بسياستهم القائمة على استهداف إيران المنطقة للمجهول، ففي محاولاتهم مواجهة التأثير الإيراني المتزايد بالمنطقة فإنهم دخلوا المواجهة بدون سياسة واضحة. ومن هنا فقتل الرجل الذي كان وراء كل توسع إيراني في المنطقة ووراء كل عملية قتل قامت بها الجماعات الوكيلة في العراق وسوريا ولبنان واليمن سيؤدي إلى حالة عدم الاستقرار ومزيد من القتلى الأبرياء الذين ظلوا وقود الحروب الأهلية التي اندلعت بعد القرار الكارثي لجورج دبليو بوش غزو العراق عام 2003 وتسليمه للجماعات الشيعية الموالية لإيران، وهي نفسها التي تخوض حربا ضد أمريكا بعدما تسلحت بالسلاح الإيراني والأمريكي في الحرب ضد تنظيم “الدولة” الإسلامية الذي هزم وقتل قائده أبو بكر البغدادي العام الماضي. وقد يكون ترامب محقا في مقاربته بين البغدادي وسليماني من ناحية الإثم لكن القيادي الإيراني كان يمثل دولة محورية عدد سكانها 80 مليون نسمة وبتاريخ طويل وجيش تعداده نصف مليون جندي بالإضافة إلى الجماعات الوكيلة التي لم تأت من العراق وسوريا ولبنان واليمن فقط بل ومن أفغانستان وباكستان. مقارنة بالخلافة التي قتل زعيمها وتناثرت جثث أتباعه في العراق وسوريا.

ومن هنا فأي حديث عن الدبلوماسية أو دفع إيران نحو الطاولة لم يعد في الحسبان. وبدلا من أزمة نووية واحدة مع كوريا الشمالية فنحن أمام أزمتين بعد انهيار الاتفاقية النووية مع إيران تماما. وكما ترى باربرا سلافين من المجلس الاطلنطي بمقال بصحيفة “نيويورك تايمز” (3/1/2020) فالجماعات المتشددة مثل القاعدة وتنظيم “الدولة” والصين وروسيا تشعر الآن بالفرح لتورط أمريكا مرة أخرى بالشرق الأوسط. وتقول إن من تابع التقلبات في العلاقات الأمريكية-الإيرانية خلال العقود الأربعة الماضية يجد أن ما وصلت إليه هو تراجيدي.  فرغم تعاطف طهران مع واشنطن بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وتعاونها بالإطاحة بنظام طالبان في كابول وضعها بوش ضمن محور الشر. وانتقمت إيران من أمريكا بالسيطرة على العراق واستفادت من “الديمقراطية” بوضع رجالها في الحكم. وتحول العراق والممر البري الذي أشرف عليه سليماني لقاعدة نقل السلاح والمقاتلين للدفاع عن نظام بشار الأسد وإيصال السلاح لحزب الله في لبنان. وإزاء التطورات الجديدة في ملف العلاقات المتوتر فلن يمنع أحد إيران من مواصلة برنامجها النووي والحصول على ما تريده بشكل يدفع دول المنطقة لسباق تسلح نووي لن يتردد ترامب بإشعال وقوده. والمحزن في كل هذا أن المتأثر الأكبر من سياسات ترامب المتهورة وتشدد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية وطموحات من معه هم الإيرانيون العاديون وشعوب المنطقة. ولن يسقط النظام الإيراني وسيعيش بعد ترامب لكن المنطقة ستتلظى بنار أفعاله المدمرة.

إرث سليماني

 وعلينا ألا ننسى أيضا إرث سليماني نفسه، فهو ليس بالضرورة ضحية بل كان الجلاد، ولم يكن مجرد زعيم فيلق عسكري مسؤول عن العلاقات الخارجية فقد كان أهم من وزير الدفاع والخارجية ووزارة الاستخبارات كما أبرزت “الوثائق الإيرانية” التي نشرها موقع “ذي إنترسيبت” و”نيويورك تايمز” فهو الذي مول الجهود للدفاع عن نظام الأسد وقدم النصح له حول التعامل مع حلب وخنقها. وهو من دعم وساهم في اختيار وزراء العراق ودرب الحوثيين على ضرب السعودية بالصواريخ. ورحيل شخص بهذا المستوى والأهمية هو خسارة فادحة لإيران وطموحاتها في المنطقة. صحيح أن القوة الإيرانية تمددت أكبر من قدرتها وأصبحت تواجه عقبات للحفاظ على تأثيرها بسبب العقوبات الأمريكية، إلا أن مهارة سليماني نبعت من قدرته على بناء لاعبين غير دول وجماعات وكيلة مستقلة نوعا ما وقادرة على تمويل نفسها بنفسها ومستعدة في الوقت نفسه لتنفيذ أوامر السيد الإيراني. والخطر في القرار الأمريكي لتجميده أنه سينقل حرب الظل إلى العلن. وستتأثر أمريكا بطريقة أو بأخرى، فلديها قواعد عسكرية في دول الخليج وجنود في سوريا والعراق وأكبر مجمع سفارة بالعالم في بغداد. وربما قررت إيران إغلاق مضيق هرمز متسببة بأزمة اقتصادية عالمية أو طلبت من حزب الله تفعيل المواجهة مع إسرائيل أو قررت شن حرب الكرتونية. وبالمحصلة كل الاحتمالات مفتوحة، صحيح أن أمريكا قوية وتفوقت على عدوتها في كل المواجهات لكن إيران لها أصدقاؤها في الصين وروسيا. وعلى خلاف قتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن الذي اختفى لسنوات ولم يعد مهما فإن ترامب بقتله سليماني أعلن عن بداية حروب المستقبل. وربما راهن كما تقول صحيفة “التايمز” (3/1/2020) على حالة الضعف الإيرانية بسبب العقوبات والتظاهرات المضادة لها داخليا وفي العراق ولبنان، وأن قتل سليماني قد يضعف سلطة المرشد لكنه لم يقرأ كالعادة دروس الماضي فكلما أصبحت طهران ضعيفة داخليا كلما شنت حروبا في الخارج. في النهاية لن يوقف قتل سليماني حقول الموت التي شارك في صناعتها بل سيزيد من احتمالات الموت. ولو عكسنا الصورة وافترضنا أن إيران هي التي قتلت قائد القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط؟ قطعا سيكون عملها بمثابة إعلان حرب. والمهم أن العملية في مطار بغداد الدولي هي الأكثر وضوحا وتقوم بها أمريكا ضد إيران من الثورة الإسلامية عام 1979 وقطعا لن تكون تداعياتها جيدة على العراق الذي تواجه حكومته وضعا قلقا وسيطالب البرلمان برحيل الأمريكيين، فهل سيرد ترامب على المطالب وقد أعلنت وزارة الدفاع عن نشر عدة آلاف من الجنود الأمريكيين؟ ومنذ بداية المواجهة في أيار (مايو) 2018 نشرت البنتاغون 14.000 جندي بالمنطقة ووصل 100 من قوات الردع السريع لتأمين سفارة بغداد، في وقت دعا فيه مايك بومبيو، وزير الخارجية الرعايا الأمريكيين لمغادرة العراق.

في عام 2009 قال سليماني لجنوده أن هناك جنة أخرى غير التي تحفل بالخضرة والنعيم والمتعة وهي جبهة القتال، التي قال عنها “هي الجنة الضائعة للإنسان” وربما ذهب وانضم إلى ضحاياها لكن جنته الضائعة لا تزال في مكانها وكأنها قدر مكتوب على المنطقة العربية، ويقود الجنة اليوم رجل في واشنطن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية