الدوحة – «القدس العربي»: عاد طيف شبح الأزمة العقارية التي شهدتها قطر ابتداء من سنة 2006 حتى أواخر 2010 بالإرتفاع الخيالي لأسعار الوحدات السكانية ليلقي بظلاله على هذا السوق الناشىء ويثير مخاوف الأسر التي تستنزف الإيجارات مع هذا الارتفاع أزيد من نصف مداخيلها وما يصاحب ذلك من تزايد نسب التضخم التي تؤثر على نمو الاقتصاد المحلي. وبعد أن تنفس المواطنون والمقيمون وأصحاب الأعمال قليلا في السنوات الثلاث الأخيرة التي سجلت فيها أسعار العقارات تراجعا عن المستويات القياسية التي بلغتها سنة 2007 والتي كانت هاجس الجميع، تعود موجة الارتفاعات لتزيد من مخاوف تكرار الحالة الصعبة التي مر بها الاقتصاد القطري.
ويدق الخبراء والأخصائيون نواقيس الخطر بسبب زيادة نسب التضخم في الفترة الأخيرة نتيجة الارتفاع المبالغ فيه لأسعار العقارات والتي وصلت زيادتها الى نحو 40٪ وهو ما يطرح العديد من المشاكل تعمل السلطات المحلية على تلافيها لتجاوز مرحلة الخطر، وهي المقبلة على تحديات عدة أبرزها كأس العالم 2022 ورؤية الدولة الوطنية 2030. وحسب دراسة رسمية حديثة لبنك قطر الوطني والتي تعد أحد المؤشرات القوية والحقيقية للوضع الحالي، أشارت إلى أن ارتفاع أسعار الأراضي في دولة قطر يستمر في الضغط صعودياً على معدل التضخم في البلاد. ووفقاً لأحدث الإحصائيات الصادرة من وزارة العدل، ارتفعت أسعار الأراضي بنسبة 52.7٪ منذ بداية العام، وقاد ذلك إلى ارتفاع معدل التضخم بنسبة 7.9٪ في اب/أغسطس 2014، حيث أن صعود أسعار الإيجارات يقود إلى ارتفاع متوسط في معدل التضخم المحليّ. ويعادل هذا الارتفاع في الإيجارات تراجع في أسعار المواد الغذائية العالمية، وهو ما يؤدي إلى الإبقاء على التضخم الأجنبي على انخفاض. وحسب التقرير الذي أعده خبراء البنك فإن الذي يدفع بأسعار الأراضي في قطر إلى الأعلى يستند على مبدأ التزاوج بين عاملي تسارع النمو السكاني، وارتفاع حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وهو يقود إلى زيادة قوية في الطلب على الإسكان، ما يدفع بأسعار العقارات إلى أعلى. فمع زيادة الكثافة السكانية وتصاعد حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، فإن مؤثرين اثنين أحدهما مرتبط بالسكان وآخر مرتبط بالدخل يدفعان بأسعار الأراضي إلى الصعود. ويتوقع معدو الدراسة الاستراتيجية الاستشرافية للقطاع في قطر أن يستمر هذا الوضع للسنوات القادمة في اتساق مع الآفاق المستقبلية الإيجابية في الدولة. ويبرر بنك قطر الأمر بتكلفة الأرض التي يعتبرها التقرير الدافع الرئيس لتضخم الإيجارات، حيث ظلت أسعار الأراضي تتصاعد بقوة منذ آذار/مارس 2014 عقب بعض الهدوء خلال الشهور الثمانية السابقة لذلك. وأدى هذا الارتفاع في أسعار الأراضي إلى الضغط على معدل تضخم الإيجارات في دولة قطر (32.2٪ من سلة تضخم الإيجارات في البلاد).
ويستخلص التقرير إلى أن عامليّ النمو السريع للاقتصاد القطري والزيادة الكبيرة في عدد السكان يعملان على الضغط على أسعار الأراضي لأعلى، ما يقود إلى ارتفاع معدل التضخم في الإيجارات. ومن المتوقع حسب الدراسة أن يستمر هذا الاتجاه حتى عام 2015 مع ارتفاع عام معتدل في معدل التضخم. ولكن هناك مخاطر بأن تقود عوامل التسارع في النمو وارتفاع الإنفاق الاستثماري والزيادة الكبيرة في عدد السكان إلى خلق اختناقات في الإمدادات. من جانبه يصب تقرير آخر لشركة الأصمخ للمشاريع العقارية في اتجاه أن سوق العقار يستعد للاستفادة من الإنفاق المجدول حاليا خلال السنوات السبع المقبلة، والمرتبطة بمشاريع التنمية واستعدادات تنظيم كأس العالم 2022، وهذا يعني أن أعداد السكان سيرتفع من خلال العمالة الماهرة وغير الماهرة التي ستستقدمها الشركات خلال تنفيذها للمشاريع. ويضيف التقرير إلى أن هذا العامل سينعكس بدوره على زيادة كبيرة في نشاط قطاع العقارات والتجزئة وقطاع الفنادق، إضافة الى تنافس أكبر حول تسليم المشاريع وبالتالي سينتج قدرة أكبر للتكيف على المتطلبات المستقبلية للسكن المستقبلي والتجاري. ويتوقع التقرير أن يشهد سوق العقارات ظهور المزيد من مقاولي الباطن الصغار ومتوسطي الحجم، إضافة الى ترتيبات شراكة وامتيازات أجنبية، وجميعها يرتبط بتوازن العرض والطلب في الترتيبات للمشاريع التنموية. ويرى تقرير الأصمخ أن البدء في منح العطاءات والعقود المرتبطة بكأس العالم بالإضافة إلى العقود المعنية بالمشاريع التنموية والبنية التحتية، سيؤدي إلى تطوير مزيد من الشراكات وإحداث مزيد من الفرص الاستثمارية والتجارية بين الشركات القطرية والمستثمرين الإقليميين والعالميين في قطاعات مختلفة بدءا من العقارات مرورا بالخدمات والتمويل ووصولا إلى التجزئة والسياحة والمرافق الأخرى.
مخاوف اقتصادية وتداعيات
لارتفاع أسعار العقارات على نسب النمو
ويحذر عدد من الخبراء العقاريين من موجة جديدة من ارتفاع أسعار الأراضي خلال الفترة المقبلة، ويؤكدون إنه بعد القفزات الكبيرة التي بلغتها أسعار الأراضي خلال العام الماضي، والاستقرار النسبي الذي شهده السوق بداية العام، سوف تعاود ارتفاعها مرة أخرى بعد المشاريع الضخمة التي أعلنت عنها الدولة مؤخرًا والتي سيتم البدء في تنفيذها خلال 2014. وطالب المراقبون الدولة بضرورة التدخل لكبح هذه الموجة من الزيادات بطرح أراض جديدة، وأن يكون لوزارة البلدية دور فاعل في مكافحة التضخم من خلال اتخاذ عدة إجراءات تضبط أداء السوق العقاري. وأكدوا أن المستثمرين الذين اشتروا الأراضي بأسعار مرتفعة في العام الماضي، لن تلحق بهم أي خسارة خلال العام الحالي لاسيما إذا قاموا بتطويرها إلى منشآت عقارية.
وكشف أحمد العروقي المدير العام لشركة «روتس» العقارية في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أن التضخم الحاصل كبير وتأثيره سينعكس سلبا على المستأجرين والملاك وبالتالي إرتفاع نسب التضخم في البلاد. واستطرد أن الإيجارات تستنزف في الغالب نحو 30٪ إلى 40 ٪ من دخل الفرد، في حين هي تستنزف أزيد من 50 ٪ من دخل الأسر مع الموجة الجديدة. وأضاف أن أسعار الأراضي الفضاء في الوقت الراهن تشهد استقرارًا نسبيًا باستثناء تلك الموجودة في مناطق وشوارع مميزة. وقال: إنه في حال طرح الدولة لأراضٍ جديدة فلن يؤثر ذلك على أسعار الأراضي التي تم شراؤها العام الماضي. وأضاف العروقي أن إمكانية هبوط أسعار الأراضي في قطر أمر صعب تحقيقه، ربما تكون هناك مشكلة فيمن يشترى أراضي بتمويل من البنوك ولكنه يستطيع التغلب عليها بتطويرها بحيث يبيع أو يؤجر المنتج العقاري ويحقق أرباحا. ولفت إلى أن تنويع المشروعات منح الاقتصاد القطري قوة وصلابة كبيرة وأصبح لاعبا أساسيا ضمن الاقتصادات العالمية، مؤكدًا على أن ذلك له انعكاساته الإيجابية على الجميع وسوف يقود إلى مرحلة جديدة من التنمية ستنعكس على كل القطاعات وعلى رأسها القطاع العقاري الذي يشكل جزءًا كبيرًا من اهتمام المستثمرين. وأشار إلى وجود توجه للدولة لمراجعة نسب هذه الزيادات وخفضها خصوصا وأنها مقبلة على مشاريع ضخمة مما يزيد من أعداد الوافدين وهذا باستحداث مناطق جديدة خارج حدود الدوحة للحد من هذه الزيادة. ويرجع الخبير سبب الزيادة المعتبرة في أسعار العقارات لمشاريع التطوير العملاقة التي أعلنتها قطر في إطار رؤيتها الوطنية 2030 مع انحسار الأراضي في المناطق الحيوية مما ساهم في ارتفاع أسعار المعروض الحالي. وفي رؤيته للحلول الممكنة لتجاوز الأزمة يؤكد أنه سيكون هناك بحلول سنة إلى سنتين وحدات عقارية جديدة سيتم طرحها في الأسواق في نطاق المدن الجديدة التي شيدتها الدولة مثل لوسيل والوعب واللؤلؤة وهي كلها سوف تساهم في تجاوز الوضعية الحالية.
وحسب عدد من المستأجرين قابلتهم «القدس العربي» يجد الكثيرين منهم مشقة في الحصول على شقة معقولة تلائم راتبهم، حيث سجلوا زيادة مضطردة في الأسعار. وأكد يحي سالم وهو مهندس يعمل في شركة الغاز، أن المستأجر طلب منه زيادة 30 ٪ من قيمة الإيجار قبل تجديد عقده ، مع أن القرار يخالف القانون، وأشار إلى أنه في الأخير سوف يضطر إلى الاستجابة لهذا الابتزاز لأنه ليس بوسعه العثور على مكان مناسب في ظل موجة إرتفاع أسعار العقارات التي وصلت حدودا خيالية. ويؤكد ستيفان وهو فرنسي يعمل في شركة خدمات أنه مصدوم من أسعار العقارات في قطر والتي تتجاوز المعدلات المتوسطة في باريس عاصمة بلاده التي تعد من أغلى مدن العالم مستغربا هذا المستوى العالي، ويؤكد أنه لا يعاني كثيرا من هذه المعضلة طالما أن الشركة التي يعمل فيها هي التي توفر له السكن، لكنه يسمع زملاء وأصدقاء له يشتكون ويتحدثون عن الأسعار الخيالية للعقارات.
ويتراوح متوسط إيجار شقة من غرفتين وصالة في قطر غير مفروشة في منطقة سكنية متوسطة وليست فخمة بين 7000 إلى 10 آلاف ريال (من 2000 إلى 2700 دولار). ويقفز المبلغ ليبغ نحو 14 ألف ريال (3800 دولار) للشقة الصغيرة في الأبراج والمناطق المميزة. ولعبت زيادة نمو سكان قطر دورا في زيادة الطلب على الأراضي والعقارات السكنية، حيث بلغ العدد وفق آخر نشرة إحصائية أزيد من 2.2 مليون نسمة، كما ساهمت قلة المساحات الجاهزة للبناء في ارتفاع أسعار الأراضي. وللمساهمة في حل الأزمة أعلنت الحكومة القطرية عن ضخ 181 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية، وطرح 7800 قطعة أرض جديدة في2014.
سليمان حاج إبراهيم