لندن – «القدس العربي»: لماذا يفترض الرجال أن النساء تكره كرة القدم؟ ولماذا يظن معظمهم أن الجنس اللطيف يتابع المباريات لوسامة اللاعبين ورجولتهم؟ ولماذا في كثير من الأحيان، لا تؤخذ المرأة على محمل الجد خلال مناقشات أحداث المباراة على الرغم من أنها قد تكون مهتمة، فعلاً، برياضة كرة القدم ولديها خبرة جيدة في قواعد اللعبة ومهارات اللاعبين؟
قبل إنطلاق بطولة كأس العالم، انهالت على النساء سلسلة من التحذيرات والنصائح حول الطرق التي يجب أن تعامل فيها المرأة زوجها خلال هذا الحدث الرياضي المهم الذي ينتظره الرجال مرة كل 4 سنوات. واقتصرت هذه النصائح، التي انتشرت أولاً على مواقع التواصل الإجتماعي ثم تبنتها فيما بعد صحف ومواقع عربية عديدة، على إرشاد الزوجة ومحاولة انقاذها من الخطر المصيري الآتي، الذي سيهدد مستقبل حياتها الزوجية، إن لم تلتزم بهذه التعليمات. افترض كل من أتحف النساء بهذه التعليمات الوقائية أن الكرة كابوس المرأة. استبعدها هكذا، وبكل بساطة، من الحدث الممتع ووضعها على قائمة «غير المهتمين». تضمنت بعض النصائح تلميحات جارحة، بعضها طريف، وربما صحيح، ومعظمها دار حول الصورة النمطية التي عرفت بها المرأة وبعضها حمل أبعادا نفسية وإجتماعية وثقافية حول علاقة المرأة بعالم كرة القدم. سلسلة النصائح هذه تمثلت بتعليمات من مثل:
إن كنت تريدين أن تفوزي بقلب زوجك لمدة شهر كامل، فما عليك سوى تحويل عش الزوجية إلى معسكر خاص لمشاهدة المباريات- حاولي مراعاة زوجك في حال هزم منتخبه المفضل دون أن تتفوهي بأي حماقات غير كروية- اضبطي أعصابك وحاولي أن تؤجلي إخباره بما فجره الحدث الأخير من المسلسل التركي أثناء مشاهدة زوجك للمباريات- حاولي أن تختاري وقتا آخر لمعاتبته على اهماله تصليح عطل الغسالة.
الحقيقة أن هذه النظرة النمطية، وإن كانت تتجاهل النساء المهتمات برياضة كرة القدم، لم تأت من فراغ، وقد تكون بعض الأسباب التي أدت إلى كتابة هذا النوع من النصائح واقعية وصحيحة في بعض الأحيان. هنا محاولة لكشف بعض أسباب عدم إهتمام النساء برياضة كرة القدم ومحاولة لنقل صورة مختلفة عن سيدات يعشقن كرة القدم ولاعبات احترفن هذه الرياضة وتحدين قيود المجتمع المحافظ باقتحامهن عالما قرر معظم رجاله، أنه ليس لهن.
بعض السيدات لا يكرهن كرة القدم
كرة القدم هي التي تكرههن
منذ حوالي عشر سنوات إقترح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) سيب بلاتر بأن ترتدي اللاعبات «شورتات» لجذب المزيد من مشاهدي التلفزيون. نبقى في الغرب، لم ينجح نادي مانشستر يونايتد الانكليزي حتى الآن في تشكيل فريق نسائي محترف لكرة القدم. وخلال مؤتمر صحافي في اذار/مارس من العام الماضي، قال اليكس فيرغسون المدير الفني الأسبق لمانشستر يونايتد «مازحا» أن ممثلة النادي في الإعلام تمكنت أخيراً من «سحب نفسها من المطبخ». وفي عام 2011 صدرت من مذيعين إنكليزيين في محطة «سكاي سبورتس» أندي غراي وريتشارد كيز، خلال مباراة ليفربول وولفرهامبتون، تعليقات عنصرية وذلك بعد أن شككا في قدرة السيدات على إدارة مباريات هذه اللعبة الشعبية. وسخر المذيعان من مساعدة الحكم سيان ماسي، حيث اعتقد الأثنان أنهما ليسا على الهواء مباشرة، واتهما ماسي بأنها لا تعرف قاعدة التسلل، حيث قال كيز في إطار تعليقاته:»من الأفضل أن ينزل شخص ما الى الملعب ويشرح لها قاعدة التسلل». جميع هذه الأمثلة أتت من مجتمع غربي يفترض أنه لا يفرق بين قدرات الجنسين ولا تحكمه العادات والتقاليد. الواقع الذي تفرضه هذه الأمثلة هو أن هذه اللعبة الجميلة لم تنصف النساء بعد، لم تتقبلهن حتى يتقبلنها، هي تكره المرأة قبل أن تعطيها الفرصة في الإختيار والحكم. ولا عجب إذاً، أن الكثير من النساء، في نهاية المطاف، يعطي هذه اللعبة البطاقة الحمراء. وإذا كنا نعتقد أن كأس العالم هو مهرجان شامل لكرة القدم، فمن غير الممكن أن نتجاهل نصف سكان هذا العالم.
أولاً: فلنعترف هذه بعض الأسباب
بعيداً عن إتهامات التمييز بين الجنسين والمس بحقوق المرأة وربط الصور النمطية والمجتمع الذكوري المتسلط بعلاقة المرأة بكرة القدم، شئنا أم أبينا، لا بد أن نعترف: العدد الأكبر من النساء يكره كرة القدم، وهذه الحقيقة موثقة بإحصائيات عالمية. يقول باحثون أن أحد الأسباب الرئيسية لعدم إهتمام المرأة بهذه الرياضة هو الزوج نفسه، لأنه يسمح لهذه اللعبة بإغاظة زوجته ويستسلم وهو يراها تسرقه منها كأنها فرصته التي ينتظرها بفارغ الصبر. فأثناء مشاهدة المباراة يكون كامل اهتمام الزوج مصوبا نحو الشاشة. يكون في كامل نشاطه كما لم تره زوجته من قبل. ولكن ليست المشكلة كرة القدم. فكل امرأة تحب أن ترى زوجها سعيدا. المشكلة أن المرأة تريد أن ترى عين زوجها تضيء بنفس الطريقة التي تراها عندما يسجل فريقه المفضل هدفاً في الوقت الضائع من المباراة. سبب آخر لكره المرأة لكرة القدم عدم أخذ الرجل المرأة على محمل الجد أثناء تعليقاتها على المباراة، وإن كانت تحاول التظاهر بالإهتمام يشعرها الرجل بأنها لا تملك قدرا كافيا من الذكاء الرياضي لتحكم على أداء اللاعبين، فتكره هي بذلك، اللعبة أكثر. سبب آخر، وهو الأكثر رواجاً في الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع هو الإعتقاد بأن المرأة تعتبر رياضة كرة القدم لعبة مملة وغبية قائمة على الركض من جهة إلى أخرى على بعد مسافة طويلة بحيث لا تخلق تفاصيل اللعبة سبباً قوياً يستدعي الحماس أو الإستمتاع بالمباراة. إضافة إلى كذلك، يعتقد البعض أن سبب كره المرأة لكرة القدم مرتبط بطبيعة هذه الرياضة ”العنيفة” التي تتنافى مع سمات الرقة والأنوثة التي تحيط بالمرأة.
العوامل النفسية والإجتماعية
لفهم الضغوط التي تمارس على لاعبات أو متابعات كرة القدم، وفقاً لأخصائيين، يجب أن يكون هناك فهم لتطور هوية الجنسين التي تتغير وتتكون بفعل العوامل النفسية والثقافية والاجتماعية للمجتمع. ويعتمد المجتمع في تصنيفه لشخصية وهوية الجنسين على الأدوار التقليدية والنمطية السائدة، حيث إرتبط الرجال بالفكر الذكوري: هم أقوياء جسدياً، وقادرون على المنافسة، لا يتقبلون بسهولة أن ترأسهم سيدة، يتحملون المهن الشاقة والمواقف الصعبة. النساء، في المقابل:مرتبطات بالطابع الأنثوي، الجنس الناعم، المرهف الإحساس، الرقيق. هذه الأحكام التي أسقطها المجتمع على الجنسين، بصفة عامة، وسببت مشاكل عديدة، هي نفسها التي تحدد جوانب المفارقة بين الجنسين في عالم الرياضة اليوم. فالرياضة كمؤسسة اجتماعية تثبت وجود فجوة بين الجنسين. في النظرة المثالية يفترض أن يتمتع الرجال والنساء في الألعاب الرياضية بالمساواة، مثل ان يحصلوا على التغطية الإعلامية نفسها، وعلى أجر مماثل، ويعاملوا بالطريقة نفسها. لكن الواقع ليس كذلك. يقول الدكتور صلاح السقا عضو الاتحاد السعودي لكرة القدم والاخصائي النفسي أن دخول النساء للملاعب الرياضية السعودية أمر صعب تحقيقه نظراً للأضرار التي قد تحدث بسبب الزحام الشديد بين الجماهير حال دخولها وخروجها من الملعب وعدم جاهزية المنشآت الرياضية.
العالم العربي:
عوائق إجتماعية ودينية
تثير ممارسة النساء العربيات للرياضة جدلاً كبيراً وتلقى رفضا من رجال دين كثيرين لأسباب تتعلق بالعادات الإجتماعية والتقاليد والأحكام الشرعية. وعلى الرغم من إزدهار كرة القدم النسائية في جميع أنحاء العالم، فإن هذه الرياضة، في العالم العربي، ما زالت أسيرة المعارضة الدينية والثقافية. تقول مدربة منتخب قطر للسيدات، الألمانية مونيكا ستاب: «رغم تطور الكرة النسائية ووجود منتخب أول ومنتخبين تحت 16 وتحت 14 عاما، فإن بعض الفتيات يعانين من المعارضة الأسرية، حيث تظن العائلات أن ممارسة البنت للكرة ستحرمها من الزواج وإنجاب أطفال، كما أنهم يفضلون انشغال بناتهم بالدراسة». وتواجه المدربة التي حققت نجاحات مع فريق فرانكفورت الألماني سابقا، صعوبات في تلقين لاعباتها لأسلوبها، فضلا عن صعوبات في إقناع الآباء بفوائد ممارسة بناتهم للكرة. ولا يوجد أي فريق نسائي في المملكة العربية السعودية، وتمنع السلطات السعودية النساء من الدخول الى الملاعب لحضور مباريات كرة القدم نظراً لـ»مخالفة الأمر للشريعة». ولكن المواقف يبدو أنها تتغير تدريجياً. فقد ارسلت السعودية العام الماضي لاعبات للمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية للمرة الأولى بعد ضغط من الجماعات الحقوقية الدولية. أما في الكويت فقد حظر المنتخب الوطني للنساء في العام 2007 بعدما قرر النواب أن ممارسة النساء لكرة القدم تنافي تعاليم الدين الإسلامي. وفي عام 2010 أصدرت إدارة الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت فتوى بجواز ممارسة المرأة للألعاب الرياضية المناسبة لطبيعتها والمشاركة في البطولات الخاصة بالنساء. ووضعت الفتوى شروطاً يجب الإلتزام بها للترخيص بممارسة المرأة للرياضة، وذلك بأن يكون المكان بعيدا عن اطلاع الرجال عليهن وذلك بحجب المكان حجباً كاملاً عن النظر، وأن تتولى مشرفات تدريبهن والإشراف عليهن، ويشترط فيما تلبسه المرأة أن يكون ساترا لمحل العورة ما بين الصدر والركبة، وألا يكون ضيقاً يصف موضع العورة أو رقيقاً بما يسمح أن يظهر منه لون البشرة، كما لا يجوز أن تتعرى النساء عند الاستحمام أو تبديل الثياب أمام بعضهن. أما في الأردن، فقد أسس المنتخب النسائي في العام 2005، وحصل على الدعم من الأمير علي بن الحسين، أي الأخ غير الشقيق للملك الأردني عبدالله الثاني، والذي انتخب مؤخراً نائباً للرئيس في اللجنة التنفيذية للفيفا. وفي السنوات القليلة الماضية، تم إنشاء فرق وطنية للمرأة في الإمارات العربية المتحدة وقطر، والكويت. وبالرغم من هذا، لا تزال اللاعبات العربيات يقاتلن ضد التقاليد الإجتماعية داخل المجتمعات المحلية الخاصة بهن من أجل الحصول على نفس التقدير الذي يحظى به الرجال.
لاعبات يقتحمن عالم كرة القدم الذكوري
ويتحدين المجتمع
قطر: منتخب نسائي طموح
رغبة الجنس اللطيف في تغيير الواقع النمطي لعلاقة المرأة بكرة القدم في الوطن العربي، استطاعت كسر القواعد وأوجدت الاستثناءات. هاجر نادر فتاة قطرية تحدت الصعاب في مجتمعها، وباتت تشكل عنصرا مهماً في منتخب كرة القدم النسائية، وهي اللعبة التي كانت محرمة على النساء قبل 15 عاما. وتطمح هاجر لنشر ثقافة كرة القدم النسائية في قطر، وإتاحة ممارستها لكل الفتيات الراغبات في ذلك. وتستغل كرة القدم النسائية في قطر الأجواء الاحتفالية بنيل شرف تنظيم كأس العالم 2022، حيث تقول قائدة المنتخب سعاد سالم: «هذا شيء يحفزنا أكثر، هذه الدولة تدعم الرياضة كثيرا، وهذه فرصة لإثبات أننا قادرون على التحدي». وتتدرب فتيات المنتخب القطري لمدة خمسة أيام كل أسبوع في إحدى المدارس، وتتنقل اللاعبات بين معسكرات داخلية وخارجية على أمل تحقيق الإنتصار الثالث. وتشدد المدربة ستاب على ضرورة زيادة الوعي بأهمية الرياضة بالنسبة للنساء في قطر، والتوعية بأنها لا تجلب العار أو تضر السمعة.
وتملك المدربة مونيكا ستاب خططا طموحة للنهوض بتلك الرياضة النسائية خلال الأعوام الخمسة المقبلة وأثبتت نجاحها في الآونة الأخيرة، حيث قفز ترتيب منتخب قطر في تصنيف السيدات لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في غضون ثمانية أشهر من المركز 175 إلى 111، وحاليا يحل في المركز الـ117. ورغم هذا الصعود التدريجي الطفيف، لا تلقي وسائل الإعلام القطرية الضوء بشكل كاف على المنتخب النسائي الطموح. ومع ذلك، تعتبر قائدة المنتخب سعاد سالم أن التجاهل الإعلامي له مميزات أيضا، بقولها: «من الجيد ألا يعرفنا الناس، هذا يزيل الضغوط، ويساعدنا على التطور في تلك المرحلة، عندما نتحسن سيشعرون بوجودنا».
لاعبات فلسطين: إلى البرازيل
في قرية فلسطينية صغيرة في دورا القرع، التي تبعد حوالي ثمانية كيلومترات، إلى الشمال الشرقي من مدينة رام الله في الضفة الغربية، استطاع فريق بنات دورا القرع لكرة القدم، وتحديداً لفتاتين من الفريق من الوصول إلى البرازيل وحضور مباريات كأس العالم. وتأسس فريق بنات دورا القرع في العام 2010، بواسطة مدرب الفريق الحالي، ورئيس النادي م. يوسف زغلول، الذي كرس نفسه مدربا متطوعا للفرق المساندة في النادي «الاشبال والبراعم والناشئين» وذلك منذ العام 2008. وقد واجهت بداية تشكيل فريق «البنات» معارضة من بعض الأهالي في القرية، إلا أن حب بعض البنات للعبة، وحبهن أيضا للتدريب، لا سيما وأنه متنفس لهن في مجتمع محافظ، إضافة إلى دعم معظم أهالي اللاعبات وثقتهن بالمدرب، ودعم الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم النسوية، ساعد المدرب على تخطي هذه العقبات والاشكاليات.
شارك الفريق في الدوري النسوي الفلسطيني لكرة القدم الخماسية، وحصل في أول مشاركة له على المركز الرابع من أصل 12 فريقا نسويا مشاركا، وفي العام الماضي، أي في المشاركة الرابعة له، حصل على المركز الثاني من أصل 20 فريقا مشاركا في البطولة.
لبنان: كرة القدم للجميع
يعتبر لبنان من أبرز الدول العربية المشجعة لكرة القدم النسائية وباتت معظم النوادي اللبنانية تخصص فرقا وفئات نسائية للمنافسة على الألقاب. وتقول قائدة منتخب لبنان هبة جعفيل في تصريحات صحافية أن الفكرة الأساسية في المجتمع العربي عن كرة القدم متعلقة بالرجال فقط لكن عندما توضح الصورة لهم ويرون أن هذه الرياضة تمارس من الطرفين تتغير وتتبدل الأوضاع تلقائياً. وأوضحت هبة أن أهلها ورفاقها هم أكثر من يشجعها في الآونة الأخيرة وهم يعبرون بإستمرار عن فخرهم بها. ويقول وليد عرقجي، ومدرّب فريق الفتيات ما دون الـ 18 عاماً، أنّ لا فرق بين التمارين التي يتلقاها الذكور عن التي تتلقاها الإناث، «فالإثنان يلعبان على الملعب نفسه، ويركضان المسافة نفسها والمدة أيضاً هي نفسها (90 دقيقة)». ويواصل منتخب لبنان تحت 18 سنة تحضيراته للمشاركة في تصفيات كأس آسيا بقيادة المدربة هبة الجعفيل ومساعدتها رنا نخلة ومدرب الحراس أشرف محجوب. وقد أوقعت القرعة لبنان في المجموعة الأولى الى جانب الأردن واوزبكستان والهند. وتقام المنافسات في الأردن بين 1 و10 تشرين الثاني/نوفمبر.
ريما شري